الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال المعلمي: إذا ثبت أنه لم يذكره أحدٌ بالعمى قبل ابن حبان، وثبت خلاف ذلك في الجملة ففي الاعتداد بقول ابن حبان وقفة. اهـ
[230] حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري:
ختم المعلمي ترجمة حماد من "التنكيل"(85) بذكر طرف من ثناء الأئمة عليه في حياته وبعد مماته، من ذلك وصفه بالاجتهاد في العبادة، والمواظبة على الخير، وحسن النية في التعلم والتعليم، مع سلامة السير؛ في المعتقد، والصلابة في السنة، وشدة اتباعه لمسالك السلف.
وقال ابن المديني: "من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين". يعني: من تكلم في عقيدته وقال من سيرته؛ لأنه كان على العبادة في اتباع السنة، ناصرًا لمذهب الأوائل، صادعًا بالحق، فلا يتكلم فيه إلا صاحب بدعة مغموص في هواه.
وقد تُكلم في حماد بن سلمة فيما يتعلق بالرواية بأنواع من الكلام لخصها الشيخ المعلمي وحقق القول فيها فقال رحمه الله:
الكلام فيه يعود إلى أربعة أوجه:
الوجه الأول:
أنه كان سيء (1) الحفظ يغلط.
وهذا قد ذكره الأئمة، إلا أنَّهم خصوه بما يرويه عن غير ثابت وحميد، واتفق أئمة عصرهم على أنه أثبت الناس في ثابت، قال أحمد:"أثبتهم في ثابت حماد بن سلمة". وقال أيضًا: "حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد وأصح حديثًا". وقال في موضع آخر: "هو أثبت الناس في حميد الطويل .. ".
(1) من طبعة المعارف بالرياض (1/ 241) وهو الصواب، وفي طبعة دار الكتب السلفية بالقاهرة (1/ 250):"يسيء" وهو تحريف.
وقال ابن معين: "من خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد" وقال أيضًا: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح" يعني أن الخطأ كان يعرض له عندما يحول من أصوله إلى مصنفاته التي يجمع فيها من هنا وهنا، فأما النسخ فصحاح (1).
وقال علي بن المديني: "لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد وهي صحاح"(2).
الوجه الثاني:
أنه تغير بأخرة.
وهذا لم يذكره إلا البيهقي، والبيهقي أرعبته شقاشق أستاذه ابن فُورك المتجهم الذي حذا حد وابن الثلجي في كتابه الذي صنفه في تحريف أحاديث الصفات والطعن فيها. وإنما قال البيهقي: "هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنَّه لما كبر ساء حفظه؛
(1) وفي هذا المعنى يقول الشيخ المعلمي في ترجمة ابن المذهب من "التنكيل"(1/ 244): "الذي يظهر لي أن ابن المذهب كان يتعاطى التخريج من أصول بعض الأحاديث فيكتب الحديث من طريق شيخ من شيوخه، ثم يتصفح أصوله، فإذا وجد ذاك الحديث قد سمعه من شيخ آخر بذاك السند كتب اسم ذاك الشيخ مع اسم الشيخ الأول في تخريجه وهكذا، وهذا الصنيع مظنة للغلط. كأن يريد أن يكتب اسم الشيخ على حديث فيخطىء، فيكتبه على حديث آخر، أو يرى السند متفقًا فيتوهم أن المتن متفق، وإنما هو متن آخر، وأشباه ذلك.
وقد قال ابن معين: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح".
وقال يعقوب بن سفيان في سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: "كان صحيح الكتاب، إلا أنه كان يحول، فإن وقع فيه شيء فمن النقل وسليمان ثقة".
والمراد بأصناف حماد وتحويل سليمان نحو ما ذكرت من التخريج". اهـ
(2)
وقال الشيخ في "التنكيل"(2/ 83): "حماد كثير الخطأ، إنما ثَّبتُوه فيما يرويه عن ثابت وحميد .. وأَوْلَى رِوَايَتيْه بالصحة ما وَافَق فيه الثقات الأثبات".
فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر "حديثًا"(1) أخرجها في الشواهد" (2).
أقول: أما التغير فلا مستند له (3)، ونصوص الأئمة تبين أن حمادًا أثبت الناس في ثابت وحميد مطلقًا، وكأنه كان قد أتقن حفظ حديثهما، فأما حديثه عن غيرهما فلم يكن يحفظه، فكان يقع له فيه الخطأ إذا حدث من حفظه، أو حين يحول إلى الأصناف التي جمعها كما مرّ.
ولم يتركه البخاري، بل استشهد به في مواضع من "الصحيح"(4) فأما عدم إخراجه له في الأصول فلا يوجب أن يكون عنده غير أهل لذلك، ولذلك نظائر، هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبت الناس في ثابت، وأنه أثبت فيه من حماد بن زيد، وقد ثبته الأئمة جدًّا، قال أحمد:"ثبت ثبت" وقال ابن معين: "ثقة ثقة"، والثناء عليه كثير ولم يغمزه أحد، ومع ذلك ذكروا أن البخاري لم يحتج به ولم يخرج له إلا حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره.
(1) من طبعة المعارف بالرياض (1/ 242)، وسقط من الطبعة المأخذوة عنها (1/ 250).
(2)
"تهذيب التهذيب"(3/ 13) وزاد الذهبي عن البيهقي: "فالاحتياط أن لا يُحتج به فيما يخالف الثقات". "السير"(7/ 452).
(3)
لكن قال أبو حاتم لما سئل عن أبي الوليد الطيالسي وحجاج بن المنهال: "أبو الوليد عند الناس أكثر، كان يقال: سماعه من حماد بن سلمة فيه شيء كأنه سمع مه بأخرة، وكان حماد ساء حفظه في آخر عمره". اهـ. "الجرح"(9 / ت 253).
وإن كان سوء الحفظ لا يُعطي معنى التغير الاصطلاحي، إلا أنه يفيد في اختلاف حال حماد بأخرة، والله تعالى أعلم.
(4)
قال الذهبي في "السير"(7/ 446): "تحايد البخاري إخراج حديثه، إلا حديثًا أخرجه في الرقاق، فقال: قال لي أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، عن أُبَيّ".
وقد عتب ابن حبان (1) على البخاري في شأن حماد بن سلمة، وذكر أنه قد أخرج في غير الشواهد لمن هو دون حماد بكثير، كأبي بكر بن عياش، وفليح، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار.
واعتذر أبو الفضل بن طاهر (2) عن ذلك بكلام شريف، قال: "حماد بن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة وأطنبوا، لما تكلم بعض منتحلي الصنعة (كما يأتي) أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه البخاري معتمدًا عليه (3)، بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه كشعبة وحماد بن زيد وأبي عوانة وغيرهم.
ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا [عليه](4)، وشاهد مسلمٌ منهم جماعة وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته".
الوجه الثالث:
زعم بعضهم أنه كان له ربيب يُدخل في كتبه، وقيل ربيبان، وصحف بعضهم "ربيب حماد" إلى:"زيد بن حماد". راجع "لسان الميزان"(5)(ج 2 ص 506).
(1) في مقدمة "صحيحه": "الإحسان"(1/ 153).
(2)
في "شروط الأئمة الستة" له (ص 11).
(3)
قال الخليلي في "الإرشاد"(1/ 417 - 418): "ذاكرت يومًا بعض الحفاظ، فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة! فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك، فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد، فيقول: حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث ابن سعد والأوزاعي باحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه، وأحفظ له". اهـ.
(4)
من شروط الأئمة الستة، وسقطت من "تهذيب التهذيب"(3/ 13) ومنه نقل المعلمي.
(5)
(1/ 591).
ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي، قال الذهبي في "الميزان":"الدولابي: حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان حماد بن سلمة لا يُعرف بهذه الأحاديث -يعني التي في الصفات- حتى خرج مرة إلى "عبّادان" فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعت عباد بن صهيب يقول: إن حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون إنها دُسّت في كتبمع وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه".
قال الذهبي: "قلت: ابن الثلجي ليس بمصدق على حماد وأمثاله وقدِ اتُّهِم، نسأل الله السلامة"(1).
أقول: الدولابي حافظ حنفي له ترجمة في "لسان الميزن"(ج 4 ص 41) وهو بريء من هذه الحكاية إن شاء الله إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه. اهـ
ثم ذكر المعلمي محمد بن شجاع بن الثلجي هذا وما يتعلق به من اتهامه ورميه بالكذب ووضع الحديث -وترى ذلك في ترجمته من هذا الكتاب-، ثم ذكر الإمارات الدالة على كذبه في هذه الحكاية بالنظر في إمكانية سماعه من إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وكذا في معرفة إبراهيم هذا بحماد بن سلمة، وحكايته عنه ما غاب عن أَبيه وكبار الأئمة!!.
ثم قال المعلمي:
الوجه الرابع:
أن حمادًا روى أحاديث سماها الكوثري: طامات، وأشار إلى أن أشدها حديث رؤية الله في صورة شاب.
(1) زاد الحافظ ابن حجر في "تهذيبه"(3/ 15): "وعبَّاد أيضًا ليس بشيء".