الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
165 - باب ما يقرأ بعد التكبير
قال (ح) بعد أن ساق الاختلاف على أنس: في لفظ الحديث الذي فيه كان يفتتح القراءة، وأنّه جاء عنه نفي البسملة، وجاء عنه نفي الجهر وعنه الاسرار بها، إلى أن قال: فوضح أن طريق الجمع في حديث أنس أن يقال بإثبات البسملة فيه، ونفي الجهر بها، فبذلك تتفق الروايات عنه، فمتى وجدت رواية صحيحة عن غيره فيها إثبات الجهر صريحًا قدمت على روايته لا بمجرد تقديم المثبت على النافي، لأنّ أنسًا يبعد جدًا أن يصحب النّبيّ صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ثمّ يصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسًا وعشرين سنة ولا يسمع منهم الجهر بها ولو في صلاة واحدة بل لكون أنس اعترف بأنّه لا يحفظ الحكم منه ذلك لبعد عهده، فقد جاء ذلك عنه جوابًا لأبي مسلمة لما سأله إن كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يفتتح القراءة ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبالحمد لله رب العالمين، فقال:"إنَّكَ لَتَسْأَلني عَنْ شَيْءٍ مَا أحْفَظُهُ، وَلَا سَأَلَني عَنْهُ أحَدٌ قبْلَكَ" وسنده على شرط الشيخين، فوجب التوقف في روايته إذ الأخذ ببعضها ترجيح بغير مرجح فتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر إذا جاء من غير روايته بسند صحيح (789).
قاله (ع): بعد أن تصرف في كلامه وكلام غيره ممّن تكلم في هذا الموضع: والعجب من صاحب التوضيح يعني شيخنا ابن الملقن، فذكر
(789) فتح الباري (2/ 227 - 229) ومن المستحسن مراجعة نكت الحافظ ابن حجر على مقدمة ابن الصلاح في موضوع حديث أنس (2/ 748 - 771).
كلامه ثمّ قال: وأعجب من هذا بعضهم من الذين يدعون أن لهم يدًا طولى
في هذا الفن، كيف يقول: يتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر فكيف يجترىء بهذا ويصدر منه هذا القول الذي تمجه الأسماع، فأي حديث في الجهر صح عنده حتّى يقول هذا القول (790).
قال (ح): في الكلام على حديث عبادة: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لم يَقرأ بفَاتِحَةِ اْلكتَاب" بعد أن نقل كلام ابن دقيق العيد في معنى قوله "لَا صَلَاةَ" وقول من حملَه على نفي الإِجزاء، ومن حمله على نفي الكمال، وقول من توقف في ذلك وذكر سبب التوقف إلى أن قال عن الذي توقف إنَّ دعوى إضمار أحدهما ليست بأولى من الآخر، قاله ابن دقيق العيد.
وفي هذا نظر لأنا سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة، فالحمل على أقربهما إلى الحقيقة أولى. ونفي الإجزاء أقرب إلى نفي الحقيقة، لأنّه السابق إلى الفهم، ولأن الكمال لا يستلزم نفي الإجزاء من غير عكس فيكون أولى. ويؤيده من رواية الإسماعيلي من طريق العباس بن الوليد عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: لا تجزئ صلاة .... الخ (791).
قال (ح): لا نسلم أن أقرب نفي الإجزاء أقرب إلى الحقيقة لأنّه محتمل لنفي الفضيلة، ودعوى التأييد بما ذكر مردودة لأنّه ليس فيه من القوة ما يعارض ما أخرجه الأئمة على أن ابن حبّان قد ذكر أنّه لم يقل في خبر العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة لذلك إِلَّا شعبة، ولا عنه إِلَّا وهب بن جرير. انتهى (792).
وقوله: لا نسلم
…
الخ، مكابرة وتعليله بأنّه محتمل لا يفيد لأنّ
(790) عمدة القاري (5/ 291).
(791)
فتح الباري (2/ 241).
(792)
عمدة القاري (6/ 11).
خصمه يسلم له الإِحتمال، لكنه يدعي أنّه مرجوح فيقوي رجحان مقابله ولا يدفع بالصدر، ودعواه أن الرِّواية المذكورة تعارض ما في السُّنَّة عجيب، وإنّما هي مبينة للمراد منه.
وقوله: على أن ابن حبّان
…
الخ أعجب في العقد ما مضى، وذلك أن الكلام إنّما هو في حديث عبادة الذي أخرجه الأئمة لا في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم ومن معه ولم يخرجه البخاريّ.
ثمّ قال (ح): وقد أخرج ابن خزيمة عن محمّد بن الوليد عن سفيان حديث الباب بلفظ: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقَراءَةِ فَاتِحَة الكِتَابِ" فلا يمتنع أن يقال: أنه نفي بمعنى النّهي: أي لا تصلوا إِلَّا بقراءة فاتحة الكتاب، وهو نظير ما رواه مسلم من حديث عائشة:"لَا صَلَاةَ بحَضْرَةِ طَعَامٍ" وهو عند ابن حبّان بلفظ: "لَا يُصَلِّ أحَدُكُمْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ"(793).
قال (ع): هذا النظير ليس بصحيح فإن لفظ ابن حبّان: "لا يصلّي" بإثبات الياء، فهو نفي الغائب، وكلام هذا الشارح يدلُّ على أنّه لا يفرق بين النفي والنهي (794).
والعجب منه أنّه يدعي أن لفظ ابن حبّان بإثبات الياء ليصح دعواه أنّه نفي، وفيه إشارة إلى أن الشارح نقله بدون الياء على أنّه نهي، فما وجه الدلالة على أن الشارح لا يفرق بين النفي والنهي؟!.
ثمّ قوله: نفي الغائب ما الحامل له عليه مع أنّه خطاب الحاضرين سواء كان بصيغة النفي أو بصيغة النّهي.
(793) فتح الباري (2/ 242).
(794)
عمدة القاري (6/ 12).