الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
37 - باب السمر في العلم
في قوله: "أَرَأَيتَكُمُ لَيْلَتَكَمُ هَذِهِ؟ " الهمزة للإستفهام والمثناة لأنّها في هَذِهِ ضمير المخاطبين، والكاف ضمير ثان لا محل له هنا، والرؤية هنا بمعنى العلم أو البصر، والمعنى أعلمتم أو أبصرتم ليلتكم وهي منصوبة على المفعولية، والجواب محذوف وتقديره قالوا: نعم، قال: فانتظروها وترد أرأيتكم بمعنى الاستخبار، كما في قوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله} .
قال في الكشاف: المعنى أخبروني، ومتعلقة الأخبار محذوف تقديره من تدعون ثمّ بكتهم، فقال: أغير الله تدعون. انتهى (272).
وزعم شارح أن التقدير في هذا الحديث كالتقدير في الآية.
قال (ع): هذا تصرف من لا يد له في العربيّة، ولا تصلح أن تكون الرؤية هنا بمعنى العلم، وقد سبق إليه الزركشي في حواشيه وليس بشيءٍ لأنّ المعنى أبصرتم ليلتكم هذه ولا يحتاج إلى جواب لأنّه ليس استفهامًا حقيقيًا. انتهى (273).
قال (ح): في الكلام على قوله في الباب المذكور: عن ابن عبّاس: بت في بيت خالتي ميمونة، والحديث ثمّ جاء إلى منزله فصلّى أربع ركعات ثمّ نام ثمّ قام فقال:"نَامَ الغُلَيِّمُ" ثمّ قام فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه.
(272) فتح الباري (1/ 211).
(273)
عمدة القاري (2/ 176).
قال ابن المنير ومن تبعه: يحتمل أن يريد أن أصل السمر يثبت بهذه الكلمة وهي قوله. "نامَ الْغُلَيِّم" ويحتمل أن يريد ارتقاب ابن عبّاس لأحواله، ولا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل فقد سمر ابن عبّاس ليلته في طلب العلم، زاد الكرماني أو ما يفهم من جعله عن يمينه كأنّه قال: قف على يميني، فقال: وقفت.
وقال الكرماني أيضًا تبعًا لغيره: يحتمل أن يكون أخذه تبعًا من أن الأقارب إذا اجتمعوا لا بد أن يجري بينهم حديث للمؤانسة، وحديثه صلى الله عليه وسلم كله علم وفوائد، وما ذكروه معترض لأنّ من تكلم بكلمة واحدة لا يسمى سامرًا، وحديث ابن عبّاس يسمى سهرًا لا سمرًا، إذ السمر لا يكون إِلَّا تحدثًا قاله الإِسماعيلي، وأبعدها الثّالث لأنّ الذي يقع بعد الإنتباه من النوم لا يسمى سمرًا، والأخير ليس في السياق ما يقتضيه، والأولى من هذا كله مناسبة التّرجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى، وهذا يصنعه البخاريّ كثيرًا يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث، والنظر في مواقع رواته إلى أن قال: وقد أشار بذلك إلى ما أخرجه في التفسير من طريق كريب عن ابن عبّاس قال: بت في بيت ميمونة فتحدث النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع أهله، ثمّ رقد فذكر الحديث في صلاته خلفه وإدارته له عن يمينه فصحت التّرجمة، وطابقه الحديث بحمد الله تعالى من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن (274).
قال (ع): هذا الاعتراض كله معترض، أمّا قوله لأنّ من تكلم بكلمة واحدة لا يسمى سامرًا فغير صحيح، لأنّهم فسروا السمر بالتحدث بالليل وهو يصدق بكلمة إذ لم يشرطوا كلمات متعددة، وأمّا قوله يسمى سهرًا لا سمرًا فمردود لأنّ السمر كما يطلق على القول يطلق على الفعل، يقال:
(274) المتواري (ص 62 - 63) لابن المنير والفتح (1/ 212 - 213).
سمروا الخمر إذا شربوها، وسامر الإِبل ما رعى منها بالليل، وأمّا قوله أبعدها الثّالث نقول: بل هو الأقرب لأنّه موافق لأهل اللُّغة ولأن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكتف بفعل ابن عبّاس بمجرد الفعل، بل عليه موقف المأموم من الإمام أيضًا بالقول ولا سيما أنّه كان حينئذ صغيرًا لا يعرف هذا الحكم.
وقوله: والأولى
…
الخ ليس بموجه أصلًا فضلًا عن أن يكون أولى، لأنّ من يعقد التّرجمة ويورد في الباب حديثًا ويضع الحديث بعينه في ترجمة أخرى ولفظ مغاير له هل يقال مناسبة التّرجمة مستفادة من ذلك الباب الآخر.
وقوله: لأنّ تفسير الحديث بالحديث أول من الخوض فيه بالظن، يجاب بأنّهم فسروا الحديث وذكروا المناسبة بالتقارب، وما ذكره هو الرَّجْم بالظن. انتهى (275).
ودعواه أن السمر يطلق على الكلمة الواحدة يكفي في ردها ذكرًا.
وقوله: أن السمر يطلق على الفعل مسلم لكن بطريق المجاز ولا قرينة في هذه القصة تدل عليه.
ودعواه أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم علم ابن عبّاس الموقف بالقول يطالب بمستنده، فإن كان أخذه من كونه كان صغيرًا فهو الرَّجْم بالظن.
وقوله: هل يقال مناسبة التّرجمة يستفاد
…
الخ؟ جوابه نعم، قد صرح بذلك شراح هذا الكتاب كابن بطّال وابن المنير ومن تبعهما، ولكنهم لقلة اطلاعهم على طرق الحديث قد يقع لهم إبداء مناسبة من لفظ الحديث الذي في الباب، فإذا ظهرت لهم أغنتهم عن تتبع الطرق، لأنّ في التتبع على من لم يكن له ممارسة بها عناءً عظيمًا، وأمّا إذا ظفروا بها فإنهم لا يعدلون
(275) عمدة القاري (2/ 178).
عنها، وذلك بين في كلامهم بكثرة لا بقلة، ومن أمعن في النظر في كلامهم وجد ذلك، ولكن هذا المعترض حاله كما جاء بل كذبوا بما لم يحيطوا يعلمه، والله المستعان.
قال (ح): قوله في هذا الحديث: حتّى سمعت غطيطه، الغطيط صوت نفس النائم، والنَّخيرُ أقوى منه (276).
قال (ع): يرد هذا التفسير قول صاحب العباب غطيط النائم، والمخنوق نخيرهما، فجعله عينه خلاف الذي غاير بينهما، إذا قالت حذام فصدقوها (277).
قلت: نقول بموجبه.
قال (ح) في الكلام على إعراب الكرماني فقال في الكلام على قوله: ثمّ صلّى ركعتين إنّما فصل بين الخمس وبين الركعتين، ولم يقل سبع ركعات، لأنّ الخمس اقتدى فيها ابن عبّاس بخلاف الركعتين، أو لأن الخمس بسلام والركعتين بسلام آخر، انتهى. وكأنّه ظن أن الركعتين المذكورتين من جملة صلاة الليل وهو محتمل، لكن حملها على سنة الفجر أولى ليحصل الختم بالوتر (278).
قال (ع): قلت: قط هو ما ظن أن الركعتين من صلاة اللّيل غاية ما في الباب، وقع سؤاله عن التفصيل ولو لم يحمل، فأجاب عن وجه ذلك: ولئن سلمنا أنّه ظن أن الركعتين من صلاة اللّيل ففيه أيضًا الختم بالوتر (279).
(276) فتح الباري (1/ 212).
(277)
عمدة القاري (2/ 179).
(278)
فتح الباري (1/ 212).
(279)
عمدة القاري (2/ 180).
قلت. لا يخفى ما في تركيبه من القلق، ثمّ ختم بالمكابرة وليس المراد بالختم بالوتر إِلَّا أن يقع آخر الصّلاة وترًا موصولة كانت أو مفصولة لا أن يكون مجموع الصّلاة وترًا لأنّه إذا ختم بركعتين يكون ختم بشفع، ولو كان مجموع الصّلاة وترًا لم يصح.
قوله: ضُمَّ.
قال (ح): عند الكشميهني وغيره ضمه وهو بفتح الميم ويجوز ضمها، وقيل: يتعين لأجل ضمة الهاء، ويجوز كسرها لكن مع سكون الهاء وكسرها (280).
قال (ع): هذه الكلمة يجوز فيها أربعة أوجه، فذكر الثّلاثة وزاد الفك وهو اضمم، قال: ودعوى التعين غير صحيحة ولا قوله ضمة الهاء، بل الصواب ضمة الضاد، وقوله: مع إسكان الهاء إن كان في الوقف مسلم وإلا منع ومثل هذا لا يتحقق إِلَّا لمن أمعن النظر في العلوم الآلية (281).
قال (ح) في الكلام على:
(280) فتح الباري (1/ 215).
(281)
عمدة القاري (2/ 184).