الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
19 - باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة
أي بيان ما ورد [دالًا] على أن الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة، والمراد بالحسبة طلب الثّواب، ولم يستدل بحديث لفظه: الأعمال بالنية والحسبة، وإنّما استدل بحديث عمر على أن الأعمال بالنية، وبحديث أبي مسعود على أن الأعمال بالحسبة.
وقوله: "لكل امرئ ما نوى" هو بقية حديث الأعمال بالنية، وكأنّه أدخله على قوله: والحسبة بين الجملتين للإِشارة إلى أن الثّانية تفيد ما لا تفيد الأولى (193).
قال (ع): قوله: "ولكل امرئ ما نوى" من بعض الحديث الأوّل، وقوله: الحسبة ليس من لفظ الحديث أصلًا لا من هذا الحديث ولا من غيره، وإنّما أخذه من لفظة يحتسبها التي في حديث أبي مسعود المذكور في الباب إلى أن قال: كان ينبغي أن يقول: باب ما جاء أن الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى والحسبة، ولكن لما كان لفظ الحسبة من الاحتساب وهو الإِخلاص كان ذكره عقب النية أوَّلًا من ذكره عقب قوله:"وَلِكُل امْرِيءٍ مَا نَوَى" ولهذا أخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث لكل ترجمة حديث، فحديث لقوله:"الَأعْمَالُ بِالنَيَّةِ" وحديث أبي مسعود لقوله: "والحسبة" وحديث سعد بن أبي وقّاص لقوله: "وَلِكُلِّ امْرِيءٍ مَا نَوَى فلو أخر لفظ الحسبة إلى آخر الكلام كان يفوت قصده التنبيه على ثلاثة تراجم، وإنّما كان يفهم منه ترجمتان:
(193) فتح الباري (1/ 135).
الأوّل: الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى.
والثّانية: قوله: والحسبة.
فانظر إلى هذه النكات هل ترى شارحًا ذكرها أو حام حولها، وكل ذلك بالفيض الإِلهي والعناية الرّحمانية (194).
قلت: إشارته إلى أنّه اخترع ذلك لا يخفى بطلانها.
وقوله: كلّ ذلك بالفيض الإِلهي مسلم ولكن على السابق الذي أخذ كلامه الموجز وبسطه فغير مقاصده ووقع بذلك. في اعتراض لا جواب له عنه وهو أن يقال له: لو كان كما ظننت لا اعتراض عليك بأنّه كان يمكنه أن يقدم حديث سعد على حديث أبي مسعود فيصح التركيب ولا يفوت قصد التنبيه على ثلاث تراجم، هذا على تقدير تسليم أن حديث سعد يستفاد منه "ولِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" فإن الذي يظهر أنّه موافق لحديث أبي مسعود، لأنّ لفظ حديث أبي مسعود:"إذا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهٌ صَدَقَةٌ"، وحديث سعد:"إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةَ تَبْتَغِي بهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بهَا". وإنّما المناسب لكل امرئ ما نوى قوله: "وَلَكَنْ جهَادٌ وَنيَّةٌ" وهو طَرف من حديث ابن عبّاس: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّةٌ" ومعناه أن نفي الهجرة بعد الفتح لا يمنع مقصود الهجرة، وهو الجهاد إذا خلصت فيه النية، وقد وقعت الإِشارة إلى أن النكتة في توسيط لفظ الحسبة بين الجملتين بألخص عبارة، فما الذي زاده حتّى يتبجح ولا قوة إِلَّا بالله.
قال (ح) في الكلام على حديث سعد بن أبي وقّاص: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجْرِتَ بهَا، حَتَّى ما تَجْعَلُ في فَمِ امْرَأتِكَ" قوله: "حَتى مَا تَجْعَلُ" حتّى عاطفة وما بعدَها منصوب المحل، وقد وقع في الرِّواية
(194) عمدة القاري (1/ 311 - 312).
الأخرى حتّى اللقمة، فظهر النصب فيه و (ما) موصولة والعائد محذوف (195).
قال (ع): هذا سبقه إليه الكرماني، وحتى هذه ابتدائية حرف يبدأ بعده الجمل، لأنّ شرط كونها معطوفة أن تكون جزء لما قبلها أو كجزء منه، ولا يتأتى إِلَّا في المفردات على أن العطف بحتى قليل، والكوفيون ينكرونه البتة وما بعد حتّى جملة، لأنّ قوله:(ما) موصولة مبتدأ وخبره محذوف، وكذا العائد الموصول.
ثمّ قال: ووجه آخر يمنع كون حتّى عاطفة، وهو أن المعطوف غير المعطوف عليه، فلو كانت عاطفة لاستفاد أن الذي يجعل في فم المرأة مأجور فيه، وأمّا قول الكرماني إنَّ ذاك يستفاد من حيث إن قيد المعطوف عليه قيد في المعطوف، فمردود لأنّ القيد في المعطوف عليه وهو الابتغاء لوجه الله لأنّ الأجر ليس بقيد فيه، لأنّ الأصل من الكلام والمقصود من المعطوف حصول الأجر بالإِنفاق المقيد بالإِبتغاء. انتهى (196).
ودعواه أن حتّى لا يصح أن تكون هنا عاطفة لما ذكره من الشروط أخذه من. . . . . . . . . . . . . . . . . ودعوى. . . . . . . أنّها ابتدائية. . . . . . . . . . . . . . . . . (197).
تنبيه:
كلام (ع) يدلُّ على أنّه إنّما اعترض على الكرماني، ولولا الكرماني ما مشى على أحاديث هذا الكتاب لأنّه هو الذي اعتنى بذلك دون من سبقه من الشراح، وهذا إذا لم تتخيل أنت في كلامه ما يقتضي الإِعتراض عليه بأخذه كما هو ولا ينسبه إليه، ويفعل معه ذلك في غالب ما يورده ويتفق أن
(195) فتح الباري (1/ 137).
(196)
عمدة القاري (1/ 320).
(197)
كذا في النسخ الثلاث بياض.
غالب ما يعترض به عليه يكون الصواب مع الكرماني حتّى في الأمور الواضحة، وقد وقع له في ترجمة جرير البجلي في الكلام على آخر حديث في كتاب الإِيمان أنّه قال: له مئة حديث اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاريّ بحديث ومسلم بستة، وكذا في شرح الشّيخ قطب الدِّين، وفي شرح النووي له مئتا حديث، انفرد البخاريّ بحديث وقيل بستة، ولعلّ صوابه، ومسلم بستة بدل وقيل بستة.
وقال الكرماني في شرحه لجرير مئة حديث ذكر البخاريّ منها تسعة، وهذا غلط صريح (198).
قلت: إذا قدر أنّهما اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاريّ بحديث، كيف يكون قول الكرماني ذكر البخاريّ منها تسعة غلطًا صريحًا فإن تفصيل التسعة هو أن له في المتفق ثمانية، وانفرد بواحدة فمن يكون هذا مبلغ فهمه كيف يليق به أن يعترض على من سبقه ويدعي على ما يذكر من الصواب أنّه خطأ مع أن تخطئته هي الخطأ الصريح والمستعان بالله.
من كتاب العلم
قوله:
(198) عمدة القاري (1/ 323).