الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سَنَة خَمسْ وَثَلَاثيْن
فيها غزوة ذي خُشُب [1] وأمير المُسْلِمين عليها معاوية [2] .
وفيها حجّ بالنّاس وأقام الموسمَ عبدُ الله بْن عباس [3] .
وفيها مَقْتَلُ عثمان رضي الله عنه:
خرج المصرّيون وغيرهم على عثمان وصاروا إليه ليخلعوه من الخلافة.
قَالَ إسماعيل بْن أبي خالد: لمّا نزل أهل مصر الجُحْفَة، وَأَتَوْا يعاتبون عثمانَ صعِد عثمانُ المِنْبَر فَقَالَ: جزاكم اللَّهُ يا أصحاب محمد عنّي شرًّا:
أَذَعْتُمُ السَّيِّئةَ وكتمتم الْحَسَنَةَ، وأغريتم بي سُفَهاءَ النّاس، أيُّكُم يذهب إلى هؤلاء القوم فيسألهم مَا نقموا وما يريدون؟ قَالَ ذلك ثلاثًا ولا يُجيبه أحد.
فقام عليٌّ فَقَالَ: أنا، فَقَالَ عثمان: أنت أقربهم رَحِمًا، فأتاهم فرحّبوا به، فَقَالَ: مَا الَّذِي نَقَمْتُم عليه؟ قالوا: نَقَمْنا أنّه محا كتاب الله-
[1] ذو خشب: على مرحلة من المدينة من طريق الشام. (معجم ما استعجم 2/ 500) .
[2]
تاريخ الطبري 4/ 340.
[3]
المعرفة والتاريخ 3/ 311، وطبقات ابن سعد 3/ 64.
يعني كونه جمع الأمَّة على مُصْحَفٍ [1]-، وحمى الْحِمَى [2] ، واستعمل أقرباءه، وأعطى مروان مائة ألف [3] ، وتناول أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
قَالَ: فردّ عليهم عثمان: أمّا القرآن فمن عند الله، إنّما نهيتُكم عَنِ الاختلاف فاقرءوا عليَّ أيَّ حرفٍ شئتم، وأمّا الْحِمَى فو الله مَا حميته لإبلي ولا لغنمي، وإنما حميْتُه لإِبل الصَّدَقَةِ. وأمّا قولُكم: إنّي أعطيت مروان مائة ألف. فهذا بيت ما لهم فلْيستعملوا عليه من أحبَّوا، وأمّا قولُكم: تناول أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فإنّما أنا بشر أغضب وأرضى، فمن ادَّعَى قبلي حقّا أو مظلمة فها أنا ذا، فإنْ شاء قَوَدًا وإنْ شاء عَفْوًا. فرضي النّاس واصطلحوا ودخلوا المدينة.
وَقَالَ محمد بْن سعد: قالوا رحل من الكوفة إلى المدينة: الأشتر النَّخَعِيّ- واسمه مالك بْن الحارث-، ويزيد بْن مكفّف [4] ، وثابت بْن قيس، وَكُمَيْلُ بْن زياد، وزيد، وصعصعة ابنا صُوحان، والحارث الأعور،
[1] قال الحافظ ابن العربيّ في (العواصم من القواصم 56- 58) : وأمّا جمع القرآن فتلك حسنته العظمى وخصلته الكبرى
…
وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة ومصحف أن يحرّق، إذ كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه. وقد سلّم في ذلك الصّحابة كلّهم.
[2]
الحمى كان قديما. وهو مخصّص لإبل الزّكاة المرصدة للجهاد والمصالح العامّة، وفي زمن سيّدنا عمر اتّسع الحمى عمّا كان عليه في زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم لزيادة سوائم بيت المال، ثم اتّسع في زمن عثمان لاتّساع الدولة وازدياد الفتوح. (العواصم من القواصم 60) .
[3]
بلغت دولة الإسلام في خلافة الشيخين الذّروة، لأنّهما كانا يكتشفان كوامن السّجايا في أهلها فيولّون القيادة، وهما يعلمان أنّهما مسئولان عن ذلك عند الله، ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية أخوه كانا من رجال دولة الصّدّيق، وقبل أن يكون معاوية من رجال دولتي الشيخين كان أحد من استعملهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم. ومروان رجل عدل من كبار الأمّة عند الصّحابة والتابعين. وإعطاء سيّدنا عثمان بعض أقاربه كان من ماله ومن بيت المال، وهو حقّ شرعيّ للإمام ينفّذ فيه ما أدّاه إليه اجتهاده (انظر العواصم من القواصم وتعليقات الأستاذ محبّ الدين الخطيب عليه 71 وما بعدها) .
[4]
في طبعة القدسي 3/ 246 «مكنف» والتصحيح من أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 530.
وجُنْدُب بْن زُهَير، وأصفر بْن قيس، يسألون عثمان عزْلَ سعيد بْن العاص عنهم. فرحل سعيد أيضًا إلى عثمان فوافقهم عنده، فأبى عثمان أن يعزله، فخرج الأشتر من ليلته في نفرٍ، فسار عشرًا إلى الكوفة واستولى عليها وصعد المنبر عليها فَقَالَ: هذا سعيد بْن العاص قد أتاكم يزعم أنّ السَّواد بستان لأغيلمة من قريش، والسّواد مساقط رءوسكم ومراكزُ رِماحِكم، فمن كان يرى للَّه عليه حقًّا فلْينهض إلى الجَرَعة [1] ، فخرج النّاس فعسكروا بالجَرَعَة، فأقبل سعيد حتى نزل العّذَيب [2] ، فجهّز الأشتر إليه ألفَ فارسٍ مع يزيد بْن قيس الأرحبيّ، وعبد الله بْن كِنَانَة العبْدِيّ، فَقَالَ: سيروا وأزعِجاه وألْحِقاه بصاحبه، فإنْ أَبَى فاضْرِبا عُنُقَه، فَاتَيَاهُ، فلمّا رأى منهما الجدّ رجع.
وصعد الأشترُ منبرَ الكوفة وَقَالَ: يا أهل الكوفة مَا غضبت إلّا للَّه ولكم، وقد ولَّيت أبا موسى الأشعريّ صلاتَكم، وحُذَيْفَة بْن اليَمَان فَيْئَكُم، ثمّ نزل وَقَالَ: يا أبا موسى اصعَدْ، فَقَالَ: مَا كنت لأفعل، ولكنْ هَلُمُّوا فبايعوا لأمير المؤمنين وجدّدوا البيعة في رِقابكم، فأجابه النّاس. وكتب إلى عثمان بما صنع، فأعجب عثمان، فَقَالَ عُتْبَة بْن الوعل شاعر الكوفة:
تصدَّقْ علينا يا بنَ عفّان واحتسِبْ
…
وَأْمُرْ علينا الأشْعَريَّ لَيالِيا
فَقَالَ عثمان: نعم وشهورا وسنين إنْ عِشْتُ، وكان الَّذِي صنع أهل الكوفة بسعيد أول وَهْنٍ دخل على عثمان حين اجترئ عليه.
وعن الزُّهْرِيّ قَالَ: وُلِّيَ عثمان، فعمل ستّ سِنين لَا ينقم عليه النّاس شيئًا، وإنّه لأحبّ إليهم من عُمَر، لأنّ عُمَر كان شديدا عليهم، فلمّا وليهم
[1] الجرعة: بالتحريك، موضع قرب الكوفة المكان الّذي فيه سهولة ورمل. (معجم البلدان 2/ 127، 128) وانظر: الكامل في التاريخ 3/ 148.
[2]
في نسخة دار الكتب مهمل، والتصحيح من معجم البلدان 4/ 92 وهو ماء بين القادسية والمغيثة.
عثمان لان لهم ووَصَلَهم، ثمّ إنّه توانى في أمرهم، واستعمل أقرباءه وأهل بيته في السّتَ الأواخر، وكتب لمروان بخُمْس مصر أو بخُمْس إفريقية، وآثر أقرباءه بالمال، وتأوّل في ذلك الصِّلة التي أمر الله بها. واتّخذ الأموال، واستسلف من بيت المال، وَقَالَ: إنّ أبا بكر وعمر تركا من ذلك مَا هو لهما، وإنّي أخذته فقسَّمته في أقربائي، فأنكر النّاس عليه ذلك [1] .
قلت: وممّا نقموا عليه أنّه عزل عُمَيْر بْن سعد عَنْ حمص، وكان صالحًا زاهدًا، وجمع الشام لمعاوية، ونزع عَمْرو بْن العاص عَنْ مصر، وأمَّر ابن أبي سَرْحٍ عليها، ونزع أبا موسى الأشعريّ عَنِ البصرة، وأمرّ عليها عبد الله بْن عامر، ونزع المُغِيرَة بْن شُعْبة عَنِ الكوفة وأمّر عليها سعيد بْن العاص.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ الفضل: ثنا عمرو بن مرة، عن سالم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: دَعَا عُثْمَانُ نَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ عَمَّارٌ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكُمْ وَأُحِبُّ أَنْ تَصْدُقُونِي: نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يُؤْثِرُ قُرَيْشًا عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَيُؤْثِرُ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ؟ فَسَكَتُوا، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ بِيَدِي مَفَاتِيحَ الْجَنَّةِ لأَعْطَيْتُهَا بَنِي أُمَيَّةَ حَتّى يَدْخُلُوهَا.
وعن أبي وائل أنّ عبد الرحمن بْن عَوْف كان بينه وبين عثمان كلّام فأرسل إليه: لِمَ فَرَرْتَ يوم أُحُد وتخلَّفْت عَنْ بدْر وخالفت سنة عمر؟ فأرسل إليه: تخلفت عن بدر لأنّ بنتَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شغلتني بمرضها، وأمّا يوم أُحُد فقد عفا الله عنّي، وأمّا سنّة عمر فو الله مَا استطعتها أنا ولا أنت. وقد كان بين عليّ وعثمان شيءٌ فمشى بينهما العباس فقال عليّ: والله لو أمرني
[1] طبقات ابن سعد 3/ 64، أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 512 رقم 1328.
أن أخرج [من داري][1] لفعلت، فأمّا أُدَاهِن أنْ لَا يُقام بكتاب الله فلم أكن لأفعل. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقْعَسِيِّ [2] قَالَ: لَمَّا خَرَجَ ابْنُ السَّوْدَاءِ إِلَى مِصْرَ نَزَلَ عَلَى كِنَانَةَ بْنِ بِشْرٍ مَرَّةً، وَعَلَى سودانَ بْنِ حُمْرَانَ مَرَّةً، وانقطع إلى الغافقيّ فشجّه الْغَافِقِيِّ فَكَلَّمَهُ، وَأَطَافَ بِهِ خَالِدُ بْنُ مُلْجِمٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَزِينٍ [3] ، وَأَشْبَاهٌ لَهُمْ، فَصَرَفَ لَهُمُ الْقَوْلَ، فَلَمْ يَجِدْهُمْ يُجِيبُونَ إِلَى الْوَصِيَّةِ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِنَابِ الْعَرَبِ وَحِجْرِهِمْ، وَلَسْنَا مِنْ رِجَالِهِ، فَأَرُوهُ أَنَّكُمْ تَزْرَعُونَ، وَلا تَزْرَعُوا الْعَامَ شَيْئًا حَتَّى تَنْكَسِرَ مِصْرُ، فَتَشْكُوهُ إِلَى عُثْمَانَ فَيَعْزِلُهُ عَنْكُمْ، وَنَسْأَلُ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ ونخلو بِمَا نُرِيدُ، وَنُظْهِرُ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَكَانَ أَسْرَعَهُمْ إِلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَهُوَ ابْنُ خَالِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يتيما في حجر عثمان، فكبر، وَسَأَلَ عُثْمَانَ الْهِجْرَةَ إِلَى بَعْضِ الأَمْصَارِ، فَخَرَجَ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ الْعَمَلَ فَقَالَ: لَسْتَ هُنَاكَ.
قَالَ: فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ ابْنُ السَّوْدَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُم، وَشَكَوْا عَمْرًا وَاسْتَعْفَوْا مِنْهُ، وَكُلَّمَا نَهْنَهَ [4] عُثْمَانُ عَنْ عَمْرٍو قَوْمًا وَسَكَّتَهُمُ انْبَعَثَ آخَرُونَ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَكُلُّهُمْ يَطْلُبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانُ: أَمَّا عَمْرٌو فَسَنَنْزِعُهُ عَنْكُمْ وَنُقِرُّهُ عَلَى الْحَرْبِ، ثُمَّ وُلِّيَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ خَرَاجَهُمْ، وَتَرَكَ عَمْرًا عَلَى الصَّلاةِ فَمَشَى فِي ذَلِكَ سودَانُ، وَكِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ، وَخَارِجَةُ، فِيمَا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بن سعد، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَغْرَوْا بَيْنَهُمَا حَتَّى تَكَاتَبَا عَلَى قَدْرِ مَا أَبْلَغُوا كُلَّ وَاحِدٍ. وَكَتَبَا إلى
[1] ما بين الحاصرتين سقط من نسخة الدار، فاستدركته من (ع) ومنتقى الأحمدية.
[2]
في نسخة الدار (القعنبي) والتصحيح من منتقى الأحمدية و (ع) ، وتاريخ الطبري 4/ 340.
[3]
كذا في نسخة الدار، وفي منتقى الأحمدية (زرير) وفي ع (زريد) وكلاهما خطأ، على ما في تاريخ الطبري 5/ 142. وفي الرواة (عبد الله بن زرير) ولكنه غير هذا.
[4]
في «الجمهرة» لابن دريد: نهنهت الرجل عن الشيء إذا كففته عنه.
عُثْمَانَ، فَكَتَبَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: إِنَّ خَرَاجِي لا يَسْتَقِيمُ مَا دَامَ عَمْرٌو عَلَى الصَّلاةِ. وَخَرَجُوا فَصَدَّقُوهُ وَاسْتَعْفَوْا مِنْ عَمْرٍو، وَسَأَلُوا ابْنَ أَبِي سَرْحٍ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى عَمْرٍو: أَنَّهُ لا خَيْرَ لَكَ فِي صُحْبَةِ مَنْ يَكْرَهُكَ فَأَقْبَلَ. ثُمَّ جَمَعَ مِصْرَ لابْنِ أَبِي سَرْحٍ.
وقد رُوِيَ أنّه كان بين عمّار بْن ياسر، وبين عبّاس بْن عُتْبَة بْن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان.
وَقَالَ سَيْفٌ، عَنْ مُبَشِّرٍ، وَسَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَدِمَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ مِصْرَ وَأَبِي شَاكٍ، فَبَلَغَهُ، فَبَعَثَنِي إِلَيْهِ أَدْعُوهُ، فَقَامَ مَعِي وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ وَسِخَةٌ وَجُبَّةُ فِرَاءَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ إِنْ كُنْتَ فِينَا لَمِنْ أهل الخير، فما الّذي بَلَغَنِي عَنْكَ مِنْ سَعْيِكَ فِي فَسَادٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّأْلِيبِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَعَكَ عَقْلُكَ أَمْ لا: فَأَهْوَى عَمَّارٌ إِلَى عِمَامَتِهِ وَغَضِبَ فَنَزَعَهَا وَقَالَ: خَلَعْتُ عُثْمَانَ كَمَا خَلَعْتُ عِمَامَتِي هَذِهِ، فَقَالَ سَعْدٌ (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) 2: 156 وَيْحَكَ حِينَ كَبِرَتْ سِنُّكَ وَرَقَّ عَظْمُكَ وَنَفِدَ عُمْرُكَ خَلَعْتَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِكَ وَخَرَجْتَ من الدّين عريانا، فَقَامَ عَمَّارٌ مُغْضَبًا مُوَلِيًّا وَهُوَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِرَبِّي مِنْ فِتْنَةِ سَعْدٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَلا في الفتنة سقطوا، اللَّهمّ زد عُثْمَانَ بِعَفْوِهِ وَحِلْمِهِ عِنْدَكَ دَرَجَاتٍ، حَتَّى خَرَجَ عَمَّارٌ مِنَ الْبَابِ، فَأَقْبَلَ عَلَى سَعْدٍ يَبْكِي حَتَّى اخْضَلَّ لِحْيَتَهُ وَقَالَ: مَنْ يَأْمَنِ الْفِتْنَةَ يَا بُنَّيَّ لا يَخْرُجَنَّ مِنْكَ مَا سَمِعْتَ منه، فإنّه مِنَ الأَمَانَةِ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ النَّاسُ عَلَيْهِ يَتَنَاوَلُونَهُ، وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«الْحَقُّ مَعَ عَمَّارٍ مَا لَمْ تَغَلَّبْ عَلَيْهِ دَلْهَةُ [1] الْكِبَرِ» [2] ، فَقَدْ دله [3] وخرف.
[1] في طبعة القدسي 3/ 250 «ولهة» بالواو، وهو تحريف، والتصحيح من «الضعفاء الكبير» للعقيليّ.
[2]
ذكر الحديث مختصرا العقيلي في «الضعفاء» 4/ 236 رقم 1829 فهو ضعيف.
[3]
في طبعة القدسي 3/ 250 «وله» ، والتصحيح من «الضعفاء» للعقيليّ، وتاريخ دمشق لابن
وممّن قام على عثمان محمد بْن أبي بكر الصِّدِّيق، فسئل سالم بْن عبد الله فيما قيل عَنْ سبب خروج محمد، قَالَ: الغضب والطَّمَع، وكان من الإسلام بمكان، وغرَّه أقوامٌ فطمِع، وكانت له دالَّة [1] ، ولزِمَهُ حقٌّ، فأخذه عثمان من ظهره.
وحجّ معاوية، فقيل إنّه لمّا رأى لِينَ عثمانَ واضطّراب أمرِه قَالَ: انطلِقْ معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لَا قِبَل لك به، فإنّ أهل الشام على الطّاعة، فَقَالَ: إنا لَا أبيع جوارَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ وإنْ كان فيه قطْعُ خَيْطِ عُنُقي، قَالَ: فأبعثُ إليك جُنْدًا، قَالَ: أنا أقُتِّر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاقَ بجُنْدٍ تُساكِنُهُم! قَالَ: يا أمير المؤمنين واللَّهِ لَتُغْتَالَنَّ ولَتُغْزَيَنَّ، قَالَ:
(حَسْبيَ اللَّهُ ونِعْم الوكيل)[1] .
وقد كان أهل مصر بايعوا أشياعهم من أهل الكوفة والبصْرة وجميع من أجابهم، واتَّعَدُوا يومًا حيث شخص أمراؤهم، فلم يستقم لهم ذلك، لكنّ أهل الكوفة ثار فيهم يزيد بْن قيس الأرحبيّ واجتمع عليه ناس، وعلى الحرب يَوْمَئِذٍ القَعْقَاع بن عمرو، فأتاه وأحاط الناس بهم فناشدوهم، وقال يزيد للقعقاع: ما سبيلك عليّ وعلى هؤلاء، فو الله إنّي لَسَامعٌ مُطيعٌ، وإنّي لازمٌ لجماعتي إلّا أني أستعفي من إمارة سعيد، ولم يُظْهِرُوا سوى ذلك، واستقبلوا سعيدًا فردّوه من الجَرعَة، واجتمع النّاس على أبي موسى فأقرّه عثمان.
[ () ] عساكر (ترجمة عثمان بن عفان- تحقيق سكينة الشهابي) - ص 301.
والدّله والدّله: ذهاب الفؤاد من همّ أو نحوه كما يدله عقل الإنسان من عشق أو غيره (لسان العرب- مادّة «دله» ) .
[1]
تاريخ الطبري 4/ 345، تاريخ دمشق (ترجمة عثمان)306.
ولمّا رجع الأمراء لم يكن للسّبائّية [1] سبيل إلى الخروج من الأمصار، فكاتبوا أشياعهم أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنّهم يأمرون بالمعروف، وأنّهم يسألون عثمان عَنْ أشياء لتطِيرَ في النَّاس ولتُحَقَّقَ عليه، فَتَوافوا بالمدينة، فأرسل عثمان رجلين من بني مخزوم ومن بني زهرة فقال: انظرا مَا يريدون، وكانا ممّن ناله من عثمان أدبٌ، فاصطبرا للحقّ ولم يَضْطَغِنا، فلمّا رأوهما أتوهما [2] وأخبروهما، فَقَالَا: من معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة، قالا: فكيف تصنعون؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب النَّاس، ثمّ نرجع إليهم ونزعم لهم أنّا قرّرناه بها، فلم يخرج منها ولم يتُبْ، ثمّ نخرج كأنّنا حُجَّاج حتّى نقدِمَ فنحيط به فنخلَعَهُ، فإنْ أبى قتلناه.
فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وَقَالَ: اللَّهمّ سلِّم هؤلاء فإنَّك إنْ لم تسلّمهم شَقُّوا [3] . فامّا عمّار فحمل عليّ عباس بْن أبي لهب [4] وعَرَكه [5] ، وأمّا محمد بْن أبي بكر فإنّه أُعْجِب حتّى رأى أنّ الحقوق لَا تلزمه، وأما ابن سارة [6] فإنّه يتعرّض للبلاء [7] .
وأرسل إلى المصْريّين [8] والكوفيّين، ونادى: الصّلاة جامِعَة- وهم عنده في أصل المنبر- فأقبل أصحابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم بالأمر، وقام الرجلان، فَقَالَ النّاس: اقتل هؤلاء فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
[1] في تاريخ دمشق (السبئية» ، وفي تاج العروس «السبائية» ، وكلاهما صحيح.
[2]
في تاريخ دمشق «باثّوهما» .
[3]
أي «شقّوا العصا» كما في «التمهيد» - ص 96.
[4]
في تاريخ الطبري «عباس بن عتبة بن أبي لهب» ، وفي تاريخ دمشق:«عليّ ذنب ابن أبي لهب» .
[5]
في تاريخ دمشق «عركه بي» ، يريد أنّه حمّله ذنبه وتركه.
[6]
هكذا في الأصول، ومنتقى الأحمدية، وتاريخ دمشق. وفي تاريخ الطبري «ابن سهلة» .
[7]
تاريخ الطبري 4/ 345، 346، تاريخ دمشق (ترجمة عثمان) 309، 310.
[8]
هكذا في الأصول وتاريخ دمشق، وفي تاريخ الطبري «البصريّين» .
قَالَ: «من دعا إلى نفسه أو إلى أحدٍ، وعلى النَّاس إمامٌ فعليه لعنةُ الله، فاقتلوه» [1] . وَقَالَ عثمان: بل نعفو ونقبل، ونبصِّرُهم بجهدنا، إنّ هؤلاء قالوا:
أتمّ الصلاة في السّفر، وكانت لَا تُتَمّ، ألا وإني قدِمتُ بلدًا فيه أهلي فأتممت لهذا.
قالوا: وحميت الحِمَى، وإنّي واللَّهِ مَا حَمَيْتُ إلّا مَا حُمِيَ قبلي، وإني قد وُلِّيتُ وإنّي لَأكْثَرُ العرب بعيرا وشاء، فما لي اليوم غيرُ بعيرَيْن لحَجَّتي، أكذلك؟ قالوا: نعم.
قَالَ: وقالوا: كان القرآن كُتُبًا فتركها إلّا واحدًا، ألا وإنّ القرآنَ واحدٌ جاء من عند واحدٍ، وإنّما أنا في ذلك تابعٌ هؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: إنّي رددت الحَكَمَ [2] وقد سيّره رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الطّائف ثمّ ردّه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيّره وهو ردَّه، أفَكَذاك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: استعملت الأحداثَ. ولم أستعمِل إلّا مُجْتَمَعًا مَرْضِيًّا [3] ، وهؤلاء أهل عملي [4] فسلوهم، وقد ولّي من قبلي أحدثَ منه، وقيل في ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أشد ممّا قيل لي في استعماله أُسامة، أكذلك؟ قالوا:
نعم.
وقالوا: إنّي أعطيت ابنَ أبي سَرْح مَا أفاء الله عليه، وإنّي إنّما نفلته
[1] زاد في تاريخ دمشق: «وقال عمر بن الخطّاب: لا أحلّ لكم إلّا ما قتلتموه وأنا شريككم» .
[2]
هو: الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عبد شمس.
[3]
في تاريخ الطبري وتاريخ دمشق: «مجتمعا محتملا مرضيّا» . والمجتمع الّذي بلغ أشدّه، يقال:
اجتمع الرجل: استوت لحيته وبلغ غاية الشباب.
[4]
في تاريخ الطبري «أهل عملهم» ، وفي تاريخ دمشق «أهل عمله» .
خُمْس الخُمْسِ، فكان مائة ألف، وقد نَفَل [1] مثل ذلك أَبُو بكر وعمر، وزعم الجُنْد أنّهم يكرهون ذلك فردَدْتُهُ عليهم، وليس ذلك لهم، أكذلك؟
قالوا: نعم.
وقالوا: إنّي أحبّ أهلي وأعطيهم، فأمّا حبّهم فلم يوجب جورا، وأمّا إعطاؤهم، فإنّما أُعطيهم من مالي. ولا أستحلُّ أموالَ المُسْلِمين لنفسي ولا لأحدٍ. وكان قد قسم ماله وأرضه في بني أُميَّة، وجعل ولده كبعض من يُعطَى [2] .
قَالَ: ورجع أولئك إلى بلادهم وعفا عنهم، قَالَ: فتكاتبوا وتواعدوا إلى شوَّال، فلمّا كان شوَّال خرجوا كالحُجَّاج حتّى نزلوا بقرب المدينة، فخرج أهل مصر في أربعمائة، وأمراؤهم عبد الرحمن بْن عُدَيْس البَلَوِيّ، وكِنَانة بْن بِشْر اللَّيْثي، وسُودان بْن حُمْران السَّكُونيّ، [وقُتَيْرة السَّكُونيّ][3] ، ومقدّمهم الغافقيّ بْن حرب الْعَكْي، ومعهم ابن السَّوْداء.
وخرج أهل الكوفة في نحو عدد أهل مصر، فيهم زيد بْن صُوحان العَبْدِيّ، والأشتر النَّخَعِيّ، وزياد بْن النَّضْر الحارثي، وعبد الله بْن الأصَمّ، ومقدّمهم عمرو بْن الأصم.
وخرج أهل البصرة وفيهم حُكَيْم بْن جَبَلَة، وذريح بْن عبّاد العبديّان، وبِشْر بْن شُرَيْح القَيْسي، وابن مُحَرِّش الحنفيّ، وعليهم حرقوص بن زهير السّعديّ.
[1] في تاريخ الطبري «أنفذ» .
[2]
تاريخ الطبري 4/ 347، 348، تاريخ دمشق (ترجمة عثمان) - ص 311، 312.
[3]
ما بين الحاصرتين استدركته من منتقى الأحمدية، ع، و (تاريخ الطبري 4/ 348) وتاريخ دمشق.
فأمّا أهل مصر فكانوا يشتهون عليًّا، وأمّا أهل البصرة فكانوا يشتهون الزُّبَيْر، وأما أهل الكوفة فكانوا يشتهون طَلْحَةَ، وخرجوا ولا تشكُّ كلُّ فِرْقةٍ أن أمرها سيتمّ دون الأخرى، حتّى كانوا من المدينة على ثلاثٍ، فتقدّم ناسٌ من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب. وتقدّم ناسٌ من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص [1] ، وجاءهم أُناسٌ من أهل مصر، ونزل عامَّتُهم بذي المَرْوَة، ومشى فيما بين أهل البصرة وأهلِ مصر زياد بْن النّضْر، وعبد الله بْن الأصَمّ ليكشفوا خبرَ المدينة، فدخلا فلقيا أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وطلحةً، والزُّبَيْر، وعليًّا، فَقَالَا: إنّما نَؤُمُّ هذا البيتَ، ونستعفي من بعض عمّالنا، واستأذنوهم للنّاس بالدخول، فكلُّهم أَبَى وَنَهَى. فرجعا، فاجتمع من أهل مصر نفرٌ فأتوا عليًّا، ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا الزُّبَيْر، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا طلحة [2]، وقال كلّ فريقٍ منهم: إنْ بايعنا صاحِبَنا وإلّا كِدْناهم وفرَّقْنا جماعتَهم، ثمّ كَرَرْنا حتَّى نَبْغَتَهُم.
فأتى المصريون عليًّا وهو في عسكر عند أحجار الزَّيت، وقد سرَّح ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، فسلّم على عليٍّ المصريون، وعرضوا له، فصاح بهم وطردهم وَقَالَ: لقد علم الصّالحون أنّكم ملعونون، فارجِعُوا لَا صَحِبَكُم الله، فانصرفوا، وفعل طلْحة والزُّبَيْر نحو ذلك.
فذهب القوم وأظهروا أنهم راجعون إلى بلادهم، فذهب أهلُ المدينة إلى منازلهم، فلمّا ذهب القوم إلى عساكرهم كرّوا بهم، وبغتوا أهل المدينة
[1] الأعوص: بفتح الواو، موضع قرب المدينة. (معجم البلدان 1/ 223) .
[2]
هنا في (ع) اضطراب في النصّ، وكذلك في منتقى الأحمديّة، صحّحته من نسخة الدار، وتاريخ الطبري 4/ 350، وتاريخ دمشق 317.
ودخلوها، وضجُّوا بالتّكبير، ونزلوا في مواضع عساكرهم [1]، وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كفَّ يدَه فهو آمن.
ولزِمَ النَّاس بيوتهم، فأتى عليّ رضي الله عنه فَقَالَ. مَا رَدَّكُم بعد ذَهَابِكم؟ قالوا: وجدنا مع بريدٍ كتابًا بقتْلِنا، وَقَالَ الكوفيّون والبصريّون:
نحن نمنع إخواننا وننصرهم. فعلم النَّاس أنّ ذلك مكرٌ مِنهم.
وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدُّهم، فساروا إليه على الصَّعْب والذّلُول، فبعث معاوية إليه حبيب بْن مسْلَمَة، وبعث ابنُ أبي سَرْح معاوية بْن حُدَيْج [2] وسار إليه من الكوفة القعْقاع بْن عمرو.
فلما كان يوم الجمعة صلّى عثمان بالنّاس وخطب فَقَالَ: يا هؤلاء الغُزَّاء [3] الله الله، فو الله إنّ أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فامْحُوا الخطأ بالصواب، فإنّ الله لَا يمحو السّيّءَ إلّا بالحسن، فقام محمد بْن مسْلَمَة فَقَالَ: أنا أشهد بذلك، فأقعده حُكَيْم بْن جَبَلَة، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغني الكتاب، فثار إليه من ناحيةٍ أخرى محمد بْن أبي قُتَيْرَة [4] فأقعده وتكلّم فأفظَع، وثار القوم بأجمعهم. فحصبوا النّاس حتى أخرجوهم [5] ، وحصبوا عثمان حتّى صرع عن المنبر مغشيّا عليه، فاحتمل وأدخل الدّار.
[1] في منتقى ابن الملا (عشائرهم) عوض (عساكرهم) ، وما أثبتناه يوافق الطبري، وابن عساكر.
[2]
في منتقى الأحمدية (خذيج) ، وهو تصحيف.
[3]
في نسخة دار الكتب (الغزاة) ، وفي تاريخ الطبري 4/ 353 «العدي» ، وما أثبتناه عن الأصل وتاريخ دمشق 320.
[4]
في ع (أبي صبيرة) وهو تحريف، والتصحيح من النسخ وتاريخ الطبري، وتاريخ ابن عساكر.
[5]
أي من المسجد، كما في تاريخ الطبري 4/ 353.
وكان المصريون لَا يطمعون في أحدٍ من أهل المدينة أن ينصرهم إلّا ثلاثة، فإنّهم كانوا يُراسلونهم، وهم: محمد بْن أبي بكر الصِّدِّيق، ومحمد بْن جعفر، وعمّار بْن ياسر.
قَالَ واستقتل أُناس: منهم زيد بْن ثابت، وأبو هُرَيْرَةَ، وسعد بْن مالك، والحسن بْن عليّ، ونهضوا لنُصْرة عثمان، فبعث إليهم يعزم عليهم لمّا انصرفوا، فانصرفوا، وأقبل عليّ حتّى دخل على عثمان هو وطلْحَة والزُّبَيْر يعودونه من صَرْعَتِه، ثُمَّ رجعوا إلى منازلهم [1] .
وَقَالَ عمرو بْن دينار، عَنْ جابر قَالَ: بَعَثَنَا عثمان خمسين راكبًا، وعلينا محمد بْن مسْلَمَة حتى أتينا ذا خُشُب، فإذا رجلٌ مُعَلِّقٌ المُصْحَف في عُنُقه، وعيناه تَذْرِفان، والسيف بيده وهو يَقُولُ: ألا إنّ هذا- يعني المُصْحَف- يأمرنا أن نضرب بهذا، يعني السيف، على مَا في هذا، يعني المُصْحَف، فَقَالَ محمد بْن مسْلَمَة: اجلس فقد ضربنا بهذا على مَا في هذا قبلك، فجلس فلم يزل يكّلِمهم حتّى رجعوا [2] .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ الْمِصْرِييِّنَ لَمَّا أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ عُثْمَانَ دَعَا عُثْمَانُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَارْدُدْهُمْ وَأَعْطِهِمُ الرِّضَا، وَكَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ أَرْبَعَةً: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ، وَسُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَعَمْرُو بْنُ الحمق الخزاعيّ، وابن النّباع [3] ،
[1] تاريخ الطبري 4/ 350- 353، وتاريخ دمشق 315- 320.
[2]
تاريخ دمشق 321.
[3]
في النسخة (ع) ومنتقى الأحمدية، وتاريخ دمشق 321، «البيّاع» ، وما أثبتناه عن الأصل، وتاريخ الطبري 4/ 373 و 389.
فَأَتَاهُمُ ابْنُ مَسْلَمَةَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى رَجَعُوا، فَلَمَّا كَانُوا بِالْبُوَيْبِ [1] رَأَوْا جَمَلًا عَلَيْهِ ميسم الصّدقة، فأخذوه، فإذا غلام لِعُثْمَانَ، فَفَتَّشُوا مَتَاعَهُ، فَوَجَدُوا قَصَبَةً مِنْ رَصَاصٍ، فِيهَا كَتَابٌ فِي جَوْفِ الإِدَاوَةِ [2] فِي الْمَاءِ: إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنِ افْعَلْ بِفُلانٍ كَذَا، وَبِفُلانٍ كَذَا، مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ شَرَعُوا فِي قَتْلِ عُثْمَانَ، فَرَجَعَ الْقَوْمِ ثَانِيَةً وَنَازَلُوا عُثْمَانَ وَحَصَرُوهُ [3] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنْكَرَ عُثْمَانُ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ وَقَالَ: فُعِلَ ذَلِكَ بِلا أَمْرِي [4] .
وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أبي سعيد مولى أبي أُسَيْد، فذكر طَرَفًا من الحديث [5]، إلى أن قَالَ: ثُمَّ رجعوا راضين، فبينما هم بالطريق ظفروا برسولٍ إلى عامل مصر أن يُصَلِّبهم ويفعل [6] ، فردّوا إلى المدينة، فأتوا عليًّا فقالوا: ألم تر إلى عدّو الله، فقُم معنا، قَالَ: واللَّهِ لَا أقوم معكم، قالوا:
فلم كتبت إلينا؟ قَالَ: واللَّهِ مَا كتبت إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض.
وخرج عليٌّ من المدينة، فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: أَكَتَبْتَ فينا بكذا؟
فَقَالَ: إنّما هما اثنان، تُقِيمون رجلين من المسلمين- يعني شاهدين-، أو
[1] في النسخة (ع) ومنتقى الأحمدية «التويت» وهو تصحيف، والتصحيح من معجم البلدان 1/ 512 وهو مدخل أهل الحجاز إلى مصر.
[2]
في طبقات ابن سعد «الإدارة» ، والمثبت هو الصواب. والإداوة: إناء صغير من جلد يتّخذ للماء.
[3]
طبقات ابن سعد 3/ 65، أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 551 و 555 رقم 1414 و 1417، تاريخ الطبري 4/ 375، تاريخ دمشق 321، 322.
[4]
طبقات ابن سعد 3/ 65، تاريخ دمشق 322 وفيه «فعل ذلك دوني» .
[5]
الحديث في تاريخ خليفة 169 وتاريخ دمشق 327.
[6]
في منتقى الأحمدية «ويفعل ويفعل» .
يميني باللَّه الَّذِي لَا إله إلّا هو مَا كتبت ولا علِمْتُ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل ويُنْقَش الخاتم [1]، فقالوا: قد أحَلَّ اللُه دَمَك، ونُقض [2] العهد والميثاق، وحصروه في القصر [3] .
وَقَالَ ابن سيرين: إنّ عثمان بعث إليهم عليًّا فَقَالَ: تُعْطَوْن كتاب الله وتُعَتَّبُون من كلّ مَا سخِطْتُم، فأقبل معه ناسٌ من وجوههم، فاصطلحوا على خمسٍ: على أنّ المَنْفيَّ يُقْلب، والمحروم يُعْطَى، ويوفَّر الفَيْء، وَيُعْدَلُ في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوّة، كتبوا ذلك في كتاب، وأن يردّوا ابن عامر إلى البصرة وأبا موسى إلى الكوفة [4] .
وَقَالَ أَبُو الأشهب، عَنِ الحسن قَالَ: لقد رأيتهم تحاصبوا في المسجد حتّى مَا أبصر السماء، وإنّ رجلًا رفع مُصْحَفًا من حُجُرات النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثمّ نادى: ألم تعلموا أن محمدًا قد بريء ممّن فرَّقُوا دِينَهم وكانوا شيعًا [5] .
وَقَالَ سلّام: سمعت الحسن قَالَ: خرج عثمان يوم الجمعة، فقام إليه رجل فقال: أسألك كتاب الله، فقال: ويْحَك، أليس معك كتاب الله! قَالَ: ثمّ جاء رجلٌ آخر فنهاه، وقام آخر، وآخر، حتّى كَثُرُوا، ثمّ تحاصبوا حتّى لم أر أديمَ السماء [6] .
وروى بِشْر بْن شَغَاف [7]، عَنْ عبد الله بْن سلّام قَالَ: بينما عثمان
[1] في تاريخ خليفة «وينقش الخاتم على الخاتم» ، وفي تاريخ دمشق «ينقش بالخاتم على الخاتم» .
[2]
في تاريخ خليفة «ونقضت» .
[3]
تاريخ خليفة 168 وانظر تاريخ الطبري 4/ 375 وما بعدها، وتاريخ دمشق 327، 328.
[4]
تاريخ خليفة 169، 170، تاريخ دمشق 328.
[5]
تاريخ الطبري 4/ 364، تاريخ دمشق 329.
[6]
تاريخ دمشق 330.
[7]
في نسخة دار الكتب «شعاف» ، والتصويب من تاريخ دمشق، والخلاصة 49.
يخطُب، فقام رجل فنال منه، فَوَذَأْتُه فاتَّذَأ [1] فَقَالَ رجل: لَا يمنعك مكان ابن سلام أن تسبّ نَعْثَلًا، فإنّه من شيعته، فَقُلْتُ له: لقد قلتَ القولَ العظيم في الخليفة من بعد نوح [2] .
وَذَأْتُه: زَجَرْتُه وقمعتُه.
وقالوا لعثمان «نَعْثَلًا» تشبيهًا له برجلٍ مصريّ اسمه نَعْثَل [3] كان طويل اللّحْية.
والنَّعْثَل: الذَّكَر من الضِّباع، وكان عُمَر يُشَبَّه بنوحٍ في الشِّدَّة.
وَقَالَ ابن عُمَر: بينما عثمان يخطب إذ قام إليه جَهْجاه الغفاريّ، فأخذ من يده العصا فكسرها على رُكْبَته، فدخلت منها شظِيَّةٌ في رُكِبْته، فوقعت فيها الأكِلَة [4] .
وَقَالَ غيره: ثمّ إنّهم أحاطوا بالدّار وحصروه، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: إِنْ وَجَدْتُمْ فِي الْحَقِّ أَنْ تَضَعُوا رِجْلَيَّ فِي الْقَيْدِ فَضَعُوهُمَا [5] .
وَقَالَ ثُمَامة بْن حَزْن القُشَيْرِيّ: شهِدْتُ الدّار وأشرف عليهم عثمان فَقَالَ: ائتوني بصاحبيكم اللّذين ألَّباكم، فدعيا له كأنّهما جملان أو حماران، فَقَالَ: أنْشُدُكم الله أتعلمون أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قدِم المدينة وليس فيها ماء
[1] الكلمات مهملة في نسخة دار الكتب، وفي النسخة (ع) والمنتقى لابن الملّا مصحّفة، والتصحيح من النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ولسان العرب (مادّة: وذأ) .
[2]
تاريخ دمشق 330.
[3]
ذكر المؤلّف في «المشتبه في أسماء الرجال» 1/ 86: «ونعثل يهوديّ بالمدينة كان يشبّه به عثمان رضي الله عنه» .
[4]
تاريخ الطبري 4/ 366، 367، تاريخ دمشق 332 و 333.
[5]
طبقات ابن سعد 3/ 70، أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 567 رقم 1448، تاريخ خليفة 171، تاريخ دمشق 351.
عَذْب غير بئر رومة، فَقَالَ:«من يشتريها فيكون دَلْوُه كدِلاء المُسْلِمين، وله في الجنة خيرٌ منها» فاشتريتُها، وأنتم اليوم تمنعوني أنْ أشرب منها حتّى أشرب من الماء [1] المالح؟ قالوا: اللَّهمّ نعم، قَالَ: أنْشُدُكم الله والإسلام، هل تعلمون أنّ المسجد ضاق بأهله، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ يشتري بُقْعَةً بخيرٍ له منها في الجنّة» ، فاشتريتُها وزِدْتُها في المسجد، وأنتم تمنعوني اليوم أن أصلي فيها؟ قالوا: اللَّهمّ نعم، قَالَ: أنْشُدُكم الله، هل تعلمون أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان على ثَبِير [2] مكَة، فتحرك وعليه أَبُو بكر وعمر وأنا، فَقَالَ:«أسْكُنْ فليس عليك إلّا نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان» . قالوا: اللَّهمّ نعم، فَقَالَ: الله أكبر شهِدُوا وربَّ الكعبة أنّي شهيد [3] .
ورواه أَبُو سلمة بْن عبد الرحمن بنحْوه، وزاد فيه أنّه جهّز جيش الْعُسْرَةِ [4] .
ثُمَّ قَالَ: ولكنْ طال عليكم أمري فاستعجلتم، وأردتم خلع سِرْبالٍ سَرْبَلَنِيه الله، وإنّي لَا أخلعه حتّى أموت أو أُقْتَلَ [5] .
وعن ابن عُمَر قَالَ: فأشرف عليهم وَقَالَ: عَلَام تقتلونني؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يحل دمُ امرئٍ مسلمٍ إلّا بإحدى ثلاث: كُفْرُ بعد إسلام، أو رجل زَنَى بعد إحصان، أو رجل قتل نفسا» ، فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت رجلا ولا كفرت [6] .
[1](الماء) ساقطة من نسخة دار الكتب.
[2]
في نسخة الدار (بئر) عوض (ثبير) وهو تحريف.
[3]
تاريخ خليفة 172، 173.
[4]
انظر: تاريخ دمشق 337 وما بعدها.
[5]
انظر تاريخ خليفة 171، وطبقات ابن سعد 3/ 66، وتاريخ الطبري 4/ 371.
[6]
انظر: طبقات ابن سعد 3/ 69، وأنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 566، وتاريخ الطبري 4/ 379، وتاريخ دمشق 348.
قَالَ أَبُو أُمَامَة بْن سهل بْن حنيف: إنّي لمع عثمان وهو محصور، فكنّا ندخل إليه مدخلًا- أو أدْخَل إليه الرجل- نسمع كلام من على البلاط، فدخل يوما فيه وخرج إلينا وهو متغيّر اللون فَقَالَ: إنّهم يتوعّدوني بالقتل، فقلنا:
يكْفِيكَهُمُ الله [1] .
وَقَالَ سَهْلٌ السَّرَّاجُ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ عُثْمَانُ: لَئِنْ قَتَلُونِي لَا يُقَاتِلُونَ عَدُوًّا جَمِيعًا أَبَدًا، وَلا يَقْتَسِمُونَ فَيْئًا جَمِيعًا أَبَدًا، وَلا يُصَلُّونَ جَمِيعًا أَبَدًا [2] :
وَقَالَ مثله عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكنديّ، وزاد فيه: ثمّ أرسل إلى عبد الله بْن سلّام فَقَالَ: مَا ترى؟ قَالَ: الكَفّ الكَفّ، فإنّه أبلغ لك في الحُجَّة، فدخلوا عليه فقتلوه وهو صائم رضي الله عنه وأرضاه [3] .
وَقَالَ الحسن: حدّثني وثّاب قَالَ: بعثني عثمان، فدعوت له الأشترَ فَقَالَ: مَا يريد النّاس؟ قَالَ: إحدى ثلاث: يخيِّرُونك بين الخلْع، وبين أن تقتص من نفسك، فإنْ أبيتَ فإنّهم قاتلوك، فَقَالَ: مَا كنت لأخلع سِرْبالًا سَرْبَلَنيِهُ الله، وبدني مَا يقوم لقَصاص [4] .
وَقَالَ حُمَيْد بْن هلال: ثنا عبد الله بْن مُغَفَّلٍ قَالَ: كان عبد الله بْن سلّام يجيء من أرضٍ له على حمارٍ يوم الجمعة، فلمّا حصر عثمان قال:
يا أيّها النّاس لا تقتلوا عثمان، واستعتبوه، فو الّذي نفسي بيده ما قتلت أمّة نبيّها
[1] طبقات ابن سعد 3/ 67، تاريخ دمشق 351.
[2]
طبقات ابن سعد 3/ 67، تاريخ الطبري 4/ 372، تاريخ خليفة 171، تاريخ دمشق 351.
[3]
وانظر طبقات ابن سعد 3/ 71، وتاريخ دمشق 351.
[4]
انظر تاريخ خليفة 170.
فصلُح ذات بينهم حتّى يُهْرِيقُوا دمَ سبعين ألفًا، وما قتلت أمَّةٌ خليفتها فيُصْلِحُ الله بينهم حتّى يُهْرِيقُوا دمَ أربعين ألفًا، وما هلكت أمّةٌ حتّى يرفعوا القرآن على السلطان، قَالَ: فلم ينظروا فيما قَالَ: وقتلوه، فجلس على طريق عليّ بْن أبي طالب، فَقَالَ له: لَا تأتِ العراق وَالْزَمْ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فو الّذي نفسي بيده لئن تركْتَهُ لَا تراه أبدًا، فَقَالَ من حول عليّ: دعنا نقتله، قَالَ: دعوا عبد الله بْن سلّام، فإنّه رجل صالح [1] .
قَالَ عبد الله بْن مُغَفَّلٍ: كنت استأمرت عبد الله بْن سلّام في أرضٍ أشتريها. فَقَالَ بعد ذلك: هذه رأس أربعين سنة، وسيكون بعدها صُلْح فاشْتَرِها. قيل لحُمَيْد بن هلال: كيف ترفعون القرآن على السُّلطان؟ قَالَ:
ألم تر إلى الخوارج كيف يتأوَّلُون القرآن على السُّلطان [2] ؟
ودخل ابن عُمَر على عثمان وهو محصور فَقَالَ: مَا ترى؟ قَالَ: أرى أن تُعْطِيهم مَا سألوك من وراء عَتَبة بابِك غير أن لَا تَخْلَع نفسَك، فَقَالَ:
دونك عَطاءك- وكان واجدًا عليه- فَقَالَ: ليس هذا يوم ذاك. ثمّ خرج ابن عُمَر إليهم فَقَالَ: إيّاكم وقُتِل هذا الشيخ، واللَّهِ لئن قتلتموه لم تحجّوا البيت جميعا أبدا، ولم تجاهدوا عدوّكم جميعا أبدا، ولم تقتسموا فيئكم جميعا أبدا إلّا أن تجتمع الأجسادُ والأهواءُ مختلفة، ولقد رأيتنا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافِرون نقول: أَبُو بكر، ثُمَّ عُمَر، ثُمَّ عثمان. رواه عاصم بْن محمد العُمَرِيّ، عَنْ أبيه، عَنِ ابن عُمَر [3] .
وعن أبي جعفر القاري قَالَ: كان المصريّون الذين حصروا عثمان
[1] رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 356.
[2]
تاريخ دمشق 357.
[3]
أخرجه ابن عساكر 359.
ستمائة: رأسهم كِنَانة بْن بِشْر، وابن عُدَيْس البَلَوِيّ، وعَمْرو بْن الحَمِق، والذين قدموا من الكوفة مائتين، رأسهم الأشتر النَّخَعِيّ، والذين قدموا من البصرة مائة، رأسهم حُكَيْم بْن جَبَلة، وكانوا يدًا واحدة في الشّرّ، وكانت حُثَالةٌ من النَّاس قد ضَووا إليهم، وكان أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم الذين خذلوه كرِهُوا الفتنة وظنّوا أنّ الأمر لَا يبلغ قتله، فلمّا قُتِل نِدموا على مَا ضيّعوا في أمره، ولَعَمْري لو قاموا أو قام بعضُهم فحثا في وجوه أولئك التّراب لا نصرفوا خاسئين [1] .
وَقَالَ الزُّبَيْر بْن بكّار: حدّثني محمد بْن الحسن قَالَ: لمّا كثُر الطَّعْن على عثمان تنحّى عليٌّ إلى ماله بيَنْبُع [2]، فكتب اليه عثمان: أمّا بعد فقد بلغ الحزامُ الطُّبْيَيْن، وبلغ [3] السَّيْلُ الزُّبي، وبلغ الأمرُ فوق قدْره، وطمع في الأمر من لَا يدفع عَنْ نفسه:
فإن كنت مأكولًا فكُنْ خير آكلٍ
…
وإلّا فأدْرِكْني ولَمّا أُمَزَّقِ
والبيت لشاعر من عبد القيس [4] .
الطّبي: موضع الثّدي من الخيل.
[1] طبقات ابن سعد 3/ 71 وفيه «خاسرين» ، تاريخ دمشق 362، 363.
[2]
ينبع: بالفتح ثم السكون ثم باء موحّدة مضمومة. عين على يمين رضوى من المدينة على سبع مراحل. (معجم البلدان 5/ 449، 450) .
[3]
في تاريخ دمشق 364 «خلّف» بدل «بلغ» .
[4]
قال هشام بن الكلبيّ: هذا البيت للممزّق العبديّ واسمه شأس بن نهار بن الأسود بن حزيل، وبه سمّي الممزّق. (أنساب الأشراف للبلاذري ق 4 ج 1/ 568 رقم 1451) وانظر: الكامل للمبرد 1/ 7 والإمامة والسياسة لابن قتيبة 1/ 58، وعيون الأخبار له 1/ 34، وغريب الحديث لأبي عبيد 3/ 428، ومحاضرات الأدباء لراغب الأصفهاني 1/ 130، المفضّليّات للضبيّ 291، وطبقات الجمحيّ 274، والبدء والتاريخ للمقدسي 5/ 206، والعقد الفريد لابن عبد ربّه 2/ 164، وتاريخ دمشق (ترجمة عثمان) - ص 364، والإكمال لابن ماكولا 7/ 292، وتبصير المنتبه 4/ 1320.
وَقَالَ محمد بْن جُبَيْر بْن مُطْعم: لمّا حُصر عثمان أرسل إلى عليّ: إنّ ابن عمِّك مقتول، وإنّك لَمَسْلُوب [1] .
وعن أبان بْن عثمان قَالَ: لمّا أَلَحُّوا على عثمان بالرَّمْي، خرجتُ حتّى أتيت عليًّا فَقُلْتُ: يا عمّ أهْلَكَتنا الحجارة، فقام معي، فلم يزل يرمي حتى فتر مَنْكِبُهُ، ثُمَّ قَالَ: يا بْن أخي، أجمع حَشَمَك، ثمّ يكون هذا شأنك [2] .
وقال حبيب بن أبي ثابت، عن أبي جعفر محمد بْن عليّ: إن عثمان بعث إلى عليّ يدعوه وهو محصور، فأراد أن يأتيه، فتعلّقوا به ومنعوه، فحسر عمامةً سوداء عَنْ رأسه وَقَالَ: اللَّهمّ لَا أرضى قتْلَه ولا آمُرُ به [3] . وعن أبي إدريس الخوْلاني قَالَ: أرسل عثمان إلى سعد، فأتاه، فكلَّمه، فَقَالَ له سعد أرسِلْ إلى عليّ، فإنْ أتاك ورضي صَلُح الأمرُ، قَالَ:
فأنت رسولي إليه، فأتاه، فقام معه عليّ، فمرّ بمالك الأشتر، فَقَالَ الأشتر لأصحابه: أين يريد هذا؟ قالوا: يريد عثمان، فَقَالَ: واللَّهِ لَئِنْ دخل عليه لَتُقْتَلُنَّ عَنْ آخِرِكم، فقام إليه في أصحابه حتّى اختلجه [4] عَنْ سعد وأجلسه في أصحابه، وأرسل إلى أهل مصر: إن كنتم تريدون قتْلَه فأسرِعوا. فدخلوا عليه فقتلوه [5] .
وعن أبي حبيبة قَالَ: لمّا اشتدّ الأمر، قالوا لعثمان- يعني الذين عنده
[1] تاريخ دمشق 368.
[2]
أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 569 رقم 1455، تاريخ دمشق 371.
[3]
أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 569 رقم 1454، طبقات ابن سعد 3/ 68، تاريخ دمشق 371.
[4]
أصل الخلج: الجذب والنزع، كما في «النهاية» لابن الأثير، وانظر: لسان العرب- مادّة «خلج» .
[5]
تاريخ دمشق 373.
في الدّار- أئذَنْ لنا في القتال، فَقَالَ: أعْزِمُ على من كانت لي عليه طاعةٌ أنْ لَا يقاتل [1] .
أَبُو حبيبة هو مولى الزُّبَيْر، روى عنه موسى بْن عقبة [2] .
قَالَ محمد بن سعد: ثنا محمد بن عمر، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ أَبِي عَوْنٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْوَرِ [3] ابْنِ مَخْرَمَةَ.
(ح)[4] ، وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
(ح) ، وَثنا ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا: بَعَثَ عُثْمَانُ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ مَحْصُورٌ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يُجَهِّزَ إِلَيْهِ جَيْشًا سَرِيعًا. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، رَكِبَ مُعَاوِيَةُ لِوَقْتِهِ هُوَ وَمُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ حُدَيْجٍ، فَسَارُوا مِنْ دِمَشْقَ إِلَى عُثْمَانَ عَشْرًا.
فَدَخَلَ مُعَاوِيَةُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَقَبَّلَ رَأْسَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: أَيْنَ الْجَيْشُ؟
قَالَ: مَا جِئْتُ إلّا في ثلاثة رهط، فقط عُثْمَانُ: لَا وَصَلَ اللَّهُ رَحِمَكَ، وَلا أَعَزَّ نصرك، ولا جزاك خيرا، فو الله لَا أُقْتَلُ إِلَّا فِيكَ، وَلا يُنْقَمُ عَلَيَّ إِلَّا مِنْ أَجْلِكَ، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَوْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ جَيْشًا فَسَمِعُوا بِهِ عَاجَلُوكَ فَقَتَلُوكَ، وَلَكِنَّ مَعِي نَجَائِبَ، فَاخْرُجْ مَعِي، فَمَا يشعر بي أحد، فو الله ما
[1] أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 374، وخليفة في تاريخه 173 بنحوه، من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن يحيى بن سعيد، عَنْ عبد الله بْن عامر بْن ربيعة.
[2]
هو جدّ موسى أبو أمّه. (تاريخ دمشق 374) .
[3]
في النسخة (ع)«مسعود» بدل «مسور» ، وهو خطأ، والتصحيح من نسخة دار الكتب ومنتقى الأحمدية، وغيره.
[4]
رمز، يعني تحويل السند.
هِيَ إِلَّا ثَلاثٌ حَتَّى نَرَى مَعَالِمَ الشَّامِ، فَقَالَ: بِئْسَ مَا أَشَرْتَ بِهِ، وَأَبَى أَنْ يُجِيبَهُ، فَأَسْرَعَ مُعَاوِيَةُ رَاجِعًا، وَوَرَدَ الْمِسْوَرُ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ بِذِي الْمَرْوَةِ رَاجِعًا. وَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ ذَامٌّ لِمُعَاوِيَةَ غَيْرُ عَاذِرٍ لَهُ.
فَلَمَّا كَانَ فِي حَصْرِهِ الآخِرِ، بَعَثَ الْمِسْوَرَ [1] ثَانِيًا إِلَى مُعَاوِيَةَ لِيُنْجِدَهُ فَقَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ أَحْسَنَ فَأَحْسَنَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ غَيَّرَ فَغَيَّرَ اللَّهُ بِهِ، فشددتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: تَرَكْتُمْ عُثْمَانَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ نَفْسُهُ فِي حُنْجُرَته قُلْتُمُ: اذْهَبْ فَادْفَعْ عَنْهُ الْمَوْتَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَدِي، ثُمَّ أَنْزلني فِي مَشْرَبَةٍ [1] عَلَى رَأْسِهِ، فَمَا دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ [2] .
وأمّا سَيْف بْن عُمَر، فروى عَنْ أبي حارثة، وأبي عثمان قالا: لمّا أتى معاوية الخبر أرسل إلى حبيب بْن مسْلَمَة الفِهْرِيّ فَقَالَ: أشِرْ عليَّ برجلٍ مُنَفِّذٍ لأمري، ولا يقصِّر، قَالَ: مَا أعرف لذاك غيري، قَالَ: أنت لها. وجعل على مقدّمته يزيد بْن شجعة [3] الحِمْيَريّ في ألفٍ وَقَالَ: إنْ قدمت يا حبيب وقد قُتِلَ، فلا تَدَعَنّ أحدًا [4] أشار إليه ولا أعان عليه إلّا قتلته، وإنْ أتاك الخبر قبل أن تصل، فأقمْ حتّى انظر، وبعث يزيد بْن شجعة في ألفٍ على البغال، يقودون الخيل، معهم الإبل عليها الرَّوَايَا فأغذَّ السَّير، فأتاه قتْلُهُ بقُربْ خيْبَرَ. ثمَّ أتاه النُّعمان بْن بشير، معه القميص الَّذِي فيه الدّماء وأصابع امرأته نائلة، قد قطعوها بضربة سيف، فرجعوا، فنصب معاوية القميص
[1] في نسخة الدار (المسلمون) عوض (المسور) المثبتة في منتقى ابن الملّا، ومنتقى الأحمدية و (ع) ، وتاريخ دمشق.
[2]
تاريخ دمشق 379، 380.
[3]
هكذا في الأصول، وتاريخ دمشق 380، وترجمته في المخطوطة من تاريخ دمشق (النسخة الأزهرية) 53/ ورقة 153 وقد أثبته القدسي في طبعة 3/ 246 «الشجري» وقال: المثبت من المراجع المشهورة.
«أقول» : هذا وهم، فالشجريّ هو الرهاوي وليس الحميري كما هو هنا.
[4]
هذه الجملة مصحّفة في نسخة دار الكتب، والتصويب من الأصل وتاريخ دمشق.
على منبر دمشق، والأصابع معلّقة فيه، وآلى رجالٌ من أهل الشّام لَا يأتون النّساء ولا يمسُّون الْغُسْلَ إلّا من حُلُم، ولا ينامون على فراشٍ حتّى يقتلوا قَتَلَةَ عثمان، أو تَفْنَى أرواحهُم، وبَكَوْه سنةً [1] .
وَقَالَ الأوزاعيّ: حدثني محمد بْن عبد الملك بْن مروان، أنّ المغيرة ابن شُعْبَة، دخل على عثمان وهو محصور فَقَالَ: إنّك إمام العامَّة، وقد نزل بك مَا نرى، وإني أعرض عليك خِصالًا: إمّا أنْ تخرج تقاتلهم، فإنّ معك عددًا وقوّة. وإمّا أنْ تَخْرق لك بابًا سوى الباب الَّذِي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتَلْحق بمكة، فإنَّهم لن يستحلُّوك وأنت بها، وإمّا أن تلحق بالشّام، فإنّهم أهل الشّام، وفيهم معاوية. فَقَالَ: إنّي لن أفارق دار هجرتي، ولن أكون أوّل من خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أُمَّته بسفْك الدِّماء [2] .
وَقَالَ نافع، عَنِ ابن عُمَر: أصبح عثمان يحدّث النَّاس قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اللَّيْلَةَ في المنام، فَقَالَ:«أفطِرْ عندنا غدًا» فأصبح صائمًا، وقُتِلَ من يومه [3] .
وَقَالَ محمد بْن سيرين: مَا أعلم أحدا يتَّهم عليًّا في قتْل عثمان، وقُتِلَ وإنّ الدَّارَ غاصَّة، فيهم ابن عُمَر، والحسن بْن عليّ، ولكنَّ عثمان عزم عليهم أن لَا يقاتلوا [4] .
ومن وجه آخر. عَنِ ابن سيرين قال: انطلق الحسن والحسين وابن عُمَر، ومروان، وابن الزبير، كلهم شاك السّلاح، حتّى دخلوا على عثمان،
[1] تاريخ دمشق 380، 381، وانظر تاريخ الطبري 4/ 562.
[2]
تاريخ دمشق 387 و 388.
[3]
طبقات ابن سعد 3/ 75، أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 574 رقم 1469، تاريخ دمشق 389.
[4]
تاريخ دمشق 395.
فقال: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم، فقال ابن الزبير، ومروان: نحن نعزم على أنفسنا أن لَا نبْرَح، وخرج الآخرون [1] .
وَقَالَ ابن سيرين: كان مع عثمان يومئذ في الدّار سبعمائة، لو يَدَعُهُم لَضَرَبوهم حتّى يُخْرِجُوهم من أقطارها [2] .
وروي أنّ الحسن [3] بْن عليّ مَا راح حتّى خرج [4] .
وقال عبد الله بْن الزُّبَيْر: قلت لعثمان: قاتلهم، فو الله لقد أحلّ الله لك قِتَالهم، فَقَالَ: لَا أقاتلهم أبدًا، فدخلوا عليه وهو صائم. وقد كان عثمان أمَّر ابن الزُّبَيْر على الدار، وَقَالَ: أطيعوا عبد الله بْن الزُّبَيْر [5] .
وَقَالَ ابن سيرين: جاء زيد بْن ثابت في ثلاثمائة مِنَ الأَنْصَار، فدخل على عثمان فَقَالَ: هذه الأنصار بالباب. فَقَالَ: أمّا القتال فلا [6] .
وَقَالَ أَبُو صالح، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: دخلت على عثمان يوم الدَّار فَقُلْتُ: طاب الضَّرْبُ، فَقَالَ: أيَسُرُّك أنْ يُقْتل النّاسُ جميعًا وأنا معهم؟
قلت: لَا، قَالَ [7] فإنّك إنْ قتلت رجلا واحدا، فكأنّما قتلت النّاس جميعا،
[1] تاريخ خليفة 174، تاريخ دمشق 396.
[2]
تاريخ خليفة 173 عن محمد بن سيرين، قال، قال سليط بن سليط: «نهانا عثمان عن قتالهم
…
» ، طبقات ابن سعد 3/ 71، أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 564 رقم 1435، تاريخ دمشق 403.
[3]
في منتقى الأحمدية «الحسين» وهو تحريف.
[4]
في منتقى الأحمدية «جرح» والمثبت عن الأصل. وفي تاريخ خليفة 174 من طريق كهمس، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، وزاد عبد الأعلى:«أن الحسن بن عليّ كان آخر من خرج من عند عثمان» . وانظر: تاريخ دمشق 402.
[5]
تاريخ دمشق 399، 400.
[6]
تاريخ دمشق 400.
[7]
(قال) ساقطة من نسخة الدار فاستدركتها من منتقى ابن الملا ومنتقى الأحمدية و (ع) ، وتاريخ دمشق.
فانصرفت ولم أقاتل [1] .
وعن أبي عَون مولى المِسْوَر قَالَ: مَا زال المصريّون كافّين عَنِ القتال، حتّى قدِمَتْ أمدادُ العراق من عند ابن عامر، وأمداد ابن أبي سَرْحٍ من مصر، فقالوا: نُعاجِلُهُ قبل أن تَقْدَم الأمداد [2] .
وعن مسلم أبي سعيد قَالَ: أعتق عثمان عشرين مملوكًا، ثمّ دعا بسراويل، فشدّها عليه [3] . ولم يلْبَسْها في جاهلية ولا إسلام، وَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم البارحة، وأبا بكر، وعمر، فَقَالَ:«اصْبِرْ فإنّك تُفْطِر عندنا القابلة» ثمّ نشر الْمُصْحَفَ بين يديه، فقُتِلَ وهو بين يديه [4] .
وَقَالَ ابن عَوْن، عَنِ الحَسَن: أنبأني وثّاب مولى عثمان قَالَ: جاء رُوَيْجل كأنّه ذِئبٌ، فاطَّلع من بابٍ، ثمّ رجع، فجاء محمد بْن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلًا، فدخل حتّى انتهى إلى عثمان، فأخذ بلحيته، فَقَالَ بها حتى سمعتُ وقع أضْراسه، فَقَالَ: مَا أغنى عنك معاوية، مَا أغنى عنك ابن عامر، مَا أغْنتْ عنك كُتُبُك، فَقَالَ: أرسِلْ لِحْيَتي يا بْن أخي، قَالَ: فأنا رأيُتُه استعْدَى رجلًا من القوم عليه يُعِينُهُ، فقام إلى عثمان بمِشْقَصٍ، حتّى وجَأ به في رأسه [5] ثُمَّ تَعَاوَرُوا عليه حتّى قتلوه [6] .
وعن ريطة مولاة أسامة قالت: كنت في الدّار، إذ دخلوا، فجاء محمد فأخذ بلحية عثمان فَهَزّها، فَقَالَ: يا بْن أخي دَعْ لِحْيَتي لَتَجْذُب مَا يعزُّ على أبيك أن تُؤْذِيها. فرأيته كأنّه استحى، فقام، فجعل بطرف ثوبه هكذا: ألا
[1] أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 563 رقم 1430، تاريخ دمشق 401، ورواه خليفة مختصرا في تاريخه 173.
[2]
طبقات ابن سعد 3/ 71، 72، تاريخ دمشق 404.
[3]
إنّما لبسها لئلّا تبدو عورته إذا قتل، رضي الله عنه.
[4]
تاريخ دمشق 405.
[5]
في الرواية زيادة هنا «قلت: ثم مه» .
[6]
تاريخ خليفة 174، تاريخ دمشق 409.
ارجعوا. قالت: وجاء رجلٌ من خلف عثمان بسعفَة رَطْبة، فضرب بها جبهَتَه فرأيت الدم يسيل، وهو يمسحه ويقول:«اللَّهمّ لَا يطلب بدمي غيرك» [1] ، وجاء آخر فضربه بالسَّيف على صدره فأقْعَصَه [2] ، وتَعَاوَرُوه بأسيافهم، فرأيتُهم ينْتَهِبُون بيته [3] .
وَقَالَ مجالد [4]، عَنِ الشَّعْبِيّ قَالَ: جاء رجل من تُجَيْب من المصريين، والنّاس حول عثمان، فاسْتَلَّ سيفه، ثمّ قَالَ: أفْرِجوا، ففرجوا له، فوضع ذباب سيفه في بطْن عثمان، فأمسكت نائلة بنتُ الفَرافصة زوجةُ عثمان السيف لتمنع عنه، فحزّ السيف أصابعها [5] .
وقيل: الَّذِي قتله رجلٌ يقال له حمار [6] .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ تَسَوَّرَ مِنْ دَارِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَلَى عُثْمَانَ، وَمَعَهُ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ، وَسُودَانُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، فَوَجَدُوهُ عِنْدَ نَائِلَةَ يَقْرَأُ فِي المصحف، فتقدّمهم محمد، فأخذ بلحيته وقال:
[1] ورد من دعاء عثمان عليهم في (الثقات لابن حبّان 2/ 261) : اللَّهمّ فشتّت أمرهم، وخالف بين كلمتهم، وانتقم لي منهم، واطلبهم لي طلبا حثيثا.
وقد استجيب دعاؤه في كلّ ذلك.
وقال ابن كثير في (البداية والنهاية 7/ 189) : لمّا بلغ سعد بن أبي وقّاص- وكان مستجاب الدعاء- قتل عثمان قال
…
: اللَّهمّ اندمهم، ثمّ خذهم. وقد أقسم بعض السّلف باللَّه أنّه ما مات أحد من قتلة عثمان إلّا مقتولا.
[2]
أقعصه، وقعصته: إذا قتلته قتلا سريعا. (لسان العرب- قعص) .
[3]
تاريخ دمشق 411، 412 وفيه زيادة:«فهذا يأخذ الثوب، وهذا يأخذ المرآة، وهذا يأخذ الشيء» .
[4]
في نسخة دار الكتب «مجاهد» وهو تحريف، والمثبت عن النسخة ع ومنتقى الأحمدية، وتاريخ دمشق، وتهذيب التهذيب 10/ 39.
[5]
تاريخ دمشق 412.
[6]
تاريخ خليفة 175.
يَا نَعْثَلُ قَدْ أَخْزَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ: لَسْتُ بِنَعْثَلٍ وَلَكِنَّنِي عَبْدُ اللَّهِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: مَا أَغْنَى عَنْكَ مُعَاوِيَةُ وَفُلانٌ وَفُلانٌ، قال: يا بن أَخِي دَعْ لِحْيَتِي، فَمَا كَانَ أَبُوكَ لِيَقْبِضَ عَلَى مَا قَبَضْتَ، فَقَالَ: مَا يُرَادُ بِكَ أَشَدَّ مِنْ قَبْضَتِي، وَطَعَنَ جَنْبَهُ بِمِشْقَصٍ، وَرَفَعَ كِنَانَةُ مَشَاقِصَ فَوَجَأَ بِهَا فِي أُذُنِ عُثْمَانَ، فَمَضَتْ حَتَّى دَخَلَتْ فِي حَلْقِهِ، ثُمَّ عَلاهُ بِالسَّيْفِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَسَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عَوْنٍ يَقُولُ: ضَرَبَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ جَبِينَهُ بِعَمُودِ حَدِيدٍ، وَضَرَبَهُ سُودَانُ الْمُرَادِيُّ فَقَتَلَهُ، وَوَثَبَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، وَبِهِ رَمَقٌ، وَطَعَنَهُ تِسْعَ طَعَنَاتٍ وَقَالَ: ثَلاثٌ للَّه، وَسِتٌّ لِمَا فِي نَفْسِي عَلَيْهِ [1] .
وعن المُغِيرَة قَالَ: حصروه اثنين وعشرين يومًا، ثمّ احرقوا الباب، فخرج من في الدّار.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: فَتَحَ عُثْمَانُ الْبَابَ وَوَضَعَ الْمُصْحَفَ [2] بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ كِتَابُ اللَّهِ، فَخَرَجَ وَتَرَكَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ آخَرُ، فَقَالَ:
بَيْنِي وَبَيْنَكَ كِتَابُ اللَّهِ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَاتَّقَاهُ بِيَدِهِ فَقَطَعَهَا، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهَا لأَوَّلُ كَفٍّ خَطَّتِ الْمُفَصَّلَ [3]، وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْمَوْتُ الأَسْوَدُ، فَخَنَقَهُ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ بالسّيف، قال: فو الله مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَلْيَنَ مِنْ حَلْقِهِ [4] ، لَقَدْ خنقته حتّى رأيت نفسه مثل الجان [5] تردّد في جسده [6] .
[1] طبقات ابن سعد 3/ 73، تاريخ الطبري 4/ 393، تاريخ دمشق 413، وانظر: أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 574، 575 رقم 1470.
[2]
(المصحف) مستدركة من منتقى الأحمدية.
[3]
يريد أنّها كتبت القرآن الكريم.
[4]
في تاريخ خليفة «خناقه» .
[5]
في نسخة دار الكتب «ألحان» ، والمثبت من بقيّة النسخ، وتاريخ خليفة، وتاريخ الطبري، وتاريخ دمشق.
والجانّ: ضرب من الحيّات، وهو الدقيق الخفيف. قال تعالى تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ 27:10.
[6]
تاريخ خليفة 174، 175، تاريخ الطبري 4/ 384، تاريخ دمشق 416.
وعن الزُّهْرِيّ قَالَ: قُتِل عند صلاة العصر، وشدّ عبدٌ لعثمان على كِنانة ابن بِشْر فقتله، وشدّ سودان على العبد فقتله [1] .
وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ضربوه فجرى الدَّمُ على المُصْحَف على: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 2: 137 [2] .
وَقَالَ عمران بْن حُدَيْر، إلّا يكن عبد الله بْن شقيق حدّثني: أنّ أوّل قطرةٍ قطرت [من دمه][3] على: فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله 2: 137 فإنّ أبا حُرَيْث ذكر أنّه ذهب هو وسُهَيْلٌ المُرِّيّ، فأخرجوا إليه الْمُصْحَفَ، فإذا قطرة الدّم على فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله 2: 137 قَالَ: فإنها في المُصْحَف مَا حُكَّتْ [4] .
وَقَالَ محمد بْن عيسى بْن سُمَيْع [5] عَنِ ابن أبي ذئب، عَنِ الزُّهْرِيّ:
قلت لسعيد بْن المسيب: هل أنت مُخْبري كيف كان قتل عثمان؟ قَالَ: قُتِلَ مظلومًا، ومن خذله كان معذورًا، ومن قتله كان ظالمًا، وإنّه لمّا استُخْلف كره ذلك نفرٌ من الصحابة، لأنه كان يحب قومه ويولّيهم، فكان يكون منهم مَا تُنْكره الصَّحابة فيُسْتَعْتَبُ [فيهم، فلا يعزِلُهُمّ، فلمّا كان في السّتّ الحِجَج الأواخر استأثر ببني عمّه فولّاهم][6] وما أشرك معهم، فولّى عبد الله بْن أبي سَرْحٍ مصر، فمكث عليها سنين [7] ، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه. وقد كان قبل ذلك من عثمان هَنَاتٌ إلى ابن مسعود، وأبي ذرّ
[1] انظر تاريخ دمشق 419، وتاريخ الطبري 4/ 391.
[2]
سورة البقرة- الآية 137.
والخبر في أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 585 رقم 1490، وتاريخ دمشق 419.
[3]
زيادة من منتقى الأحمدية ومنتقى ابن الملّا، ع.
[4]
تاريخ خليفة 175، تاريخ دمشق 420.
[5]
هو: محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع. (تهذيب التهذيب 9/ 390) .
[6]
ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ، استدركته من «منتقى الأحمدية» ، وتاريخ دمشق.
[7]
«سنين» ساقطة من الأصول، استدركتها من تاريخ دمشق، وتاريخ الخلفاء للسيوطي.
وعمّار فحنق عليه قومُهم، وجاء المصريون يشكون ابن أبي سَرْح، فكتب إليه يتهدّده فأبى أن يقبل، وضرب بعضَ من أتاه ممّن شكاه فقتله.
فخرج من أهل مصر سبعمائة رجلٍ، فنزلوا المسجد، وشكوا إلى الصَّحابة مَا صنع ابن أبي سَرْح بهم، فقام طلْحة فكلَّم عثمان بكلامٍ شديد، وأرسلت إليه عائشة تقول له: أنصِفهم من عاملك، ودخل عليه عليّ، وكان متكلّم القوم فَقَالَ: إنّما يسألونك رجلًا مكان رجلٍ، وقد ادّعوا قِبَلَه دمًا، فاعزله، واقض بينهم، فَقَالَ: اختاروا رجلًا أُوَلِّه، فأشاروا عليه بمحمد بْن أبي بكر، فكتب عهده، وخرج معهم عددٌ من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سَرْح، فلمّا كان محمد على مسيرة ثلاث من المدينة، إذا هم بغلامٍ أسودٍ على بعيرٍ مسرِعًا، فسألوه، فَقَالَ: وجَّهني أميرُ المؤمنين إلى عامل مصر، فقالوا له: هذا عامل أهلِ مصر، وجاءوا به إلى محمد، وفتَّشوه فوجدوا إداوته تَتَقَلْقَلَ، فشقّوها، فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابْن أبي سَرْح، فجمع محمد، من عنده من الصَّحابة، ثمّ فكّ الكتاب، فإذا فيه: إذا أتاك محمد، وفلانٌ، وفلانٌ فاستحِلّ قتْلَهُم، وأبِطل كتابه، واثبتْ على عملك. فلمّا قرءوا الكتاب رجعوا إلى المدينة، وجمعوا طَلْحة، وعليًّا، والزّبير، وسعدًا، وفضُّوا الكتاب، فلم يبق أحدٌ إلّا حنِقَ على عثمان، وزاد ذلك غضبًا وحنقًا أعوانُ أبي ذَرّ، وابن مسعود، وعمّار.
وحاصر أولئك عثمان وأجلب عليه محمد بْن أبي بكر ببني تَيْم، فلمّا رأى ذلك عليّ بعث إلى طلْحة، والزُّبَيْر، وعمّار، ثُمَّ دخل إلى عثمان، ومعه الكتاب والغلام والبعير فَقَالَ: هذا الغلام والبعيرُ لك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فهذا كتابك؟ فحلف أنّه مَا كتبه ولا أمر به، قَالَ: فالخاتم خاتمك؟
قَالَ: نعم.
فَقَالَ: كيف يخرج غلامك ببعيرك بكتابٍ عليه خاتمك ولا تعلم به!.
وعرفوا أنّه خطّ مَرْوان. وسألوه أن يدفع إليهم مَرْوان، فأبَى وكان عنده في الدّار، فخرجوا من عنده غِضابًا، وشكّوا في أمره، وعلِمُوا أنّه لَا يحلف بباطلٍ ولزموا بيوتهم.
وحاصره أولئك حتّى منعوه الماء، فأشرف يومًا فَقَالَ: أفيكُمٍ عليّ؟
قالوا: لَا، قَالَ: أفيكم سعد؟ قالوا: لَا، فسكت، ثُمَّ قَالَ: ألا أحدٌ يَسْقينا ماء. فبلغ ذلك عليًّا، فبعث إليه بثلاث قِرَبٍ فجُرح في سببها جماعةٌ حتّى وصلت إليه، وبلغ عليًّا أنّ عثمان يراد قتْلُهُ فَقَالَ: إنّما أردنا منه مروان، فأمّا عثمان، فلا ندع أحدًا يصل إليه. وبعث إليه الزُّبَيْر ابنه، وبعث طلحة ابنه، وبعث عدّةٌ من الصحابة أبناءهم، يمنعون النَّاس منه، ويسألونه إخراج مروان، فلمّا رأى ذلك محمد بْن أبي بكر، ورمى النّاسُ عثمان بالسهام، حتى خُضِب [الحسن][1] بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم، وخُضِب محمد بْن طلحة، وشُجَّ قَنْبر مولى عليّ.
فخشي محمد أن يغضب بنو هاشم خالُ الحسن، فاتّفق هو وصاحباه، وتسوُّروا من دارٍ، حتّى دخلوا عليه، ولا يعلم أحدٌ من أهل الدّار، لأنهم كانوا فوق البيوت، ولم يكن مع عثمان إلّا امرأته. فدخل محمد فأخذ بلِحْيَتِه، فَقَالَ: والله لو رآك أبوك لَساءه مكانُك منّي، فتراخت يدُه، ووثب الرجلان عليه فقتلاه، وهربوا من حيث دخلوا، ثمّ صرخت المرأة، فلم يُسمع صُراخُها لما في الدار من الجلبة. فصعدت إلى النَّاس وأخبرتهم، فدخل الحسن والحسين وغيرهما، فوجدوه مذبوحًا.
وبلغ عليًّا وطلحة والزُّبَيْر الخبر، فخرجوا- وقد ذهبت عقولهم- ودخلوا
[1] إضافة من تاريخ دمشق 423 وتاريخ الخلفاء للسيوطي 160.
فرأوه مذبوحًا، وَقَالَ عليّ: كيف قُتِلَ وأنتم على الباب؟ ولطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم ابن الزُّبَيْر، وابن طلحة، وخرج غضْبان إلى منزله، فجاء النّاس يُهْرعُون إليه ليُبايعوه، قال: ليس ذاك إليكم، إنما ذاك إلى أهل بدر، فمن رضوه فهو خليفة، فلم يبق أحدٌ من البدريّين إلّا أتى عليًّا، فكان أوّل من بايعه طلحة بلسانه، وسعدٌ بيده، ثُمَّ خرج إلى المسجد فصعد المنبر، فكان أول من صعد طلحة، فبايعه بيده، ثمّ بايعه الزُّبَيْر وسعد والصّحابة جميعا، ثمّ نزل فدعا النّاسَ، وطلب مروان، فهرب منه هو وأقاربه.
وخرجت عائشة باكيةً تقول: قُتِل عثمان، وجاء عليٌّ إلى امرأة عثمان فَقَالَ: مَن قتله؟ قالت: لَا أدري، وأخبرتْهُ بما صنع محمد بن أبي بكر.
فسأله عليّ، فقال: تكذِب، قد واللهِ دخلتُ عليه، وأنا أريد قتله، فذكر لي أبي، فقمتُ وأنا تائبٌ إلى الله، واللِه مَا قتلتُهُ ولا أمسكتُهُ، فَقَالَتْ: صَدَق، ولكنّه أدخل اللَّذَيْن قتلاه [1] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ [2] ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: اجْتَمَعْنَا فِي دَارِ مَخْرَمَةَ لِلْبَيْعَةِ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ، فَقَالَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ: أَمَّا مَنْ بَايَعْنَا مِنْكُمْ فَلا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قِصَاصٍ، فَقَالَ عمّار: أمّا دم عثمان فلا، فقال: يا بن سُمَيَّةَ، أَتَقْتَصُّ مِنْ جَلَدَاتٍ جُلِدْتَهُنَّ، وَلا تَقْتَصُّ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ! فَتَفَرَّقُوا يَوْمَئِذٍ عَنْ غَيْرِ بَيْعَةٍ.
وروي عُمَر بْن عَلِيِّ بْن الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ مروان: مَا كان في القوم أدفع عَنْ صاحبنا من صاحبكم- يعني عليّا- عن عثمان، قال:
[1] الحديث بطوله في: الرياض النضرة 2/ 125، وتاريخ دمشق 421- 424، وتاريخ الخلفاء للسيوطي 157- 161، وأنساب الأشراف للبلاذري ق 4 ج 1/ 556- 560 رقم 1419.
[2]
في منتقى ابن الملا (بن أبي وقّاص) وهو وهم صحّحته من (تهذيب التهذيب 9/ 375) .
فَقُلْتُ: مَا بالُكُم تسُبُّونه على المنابر! قَالَ: لَا يستقيم الأمر إلّا بذلك. رواه ابن أبي خَيْثَمَة. بإسناد قويٍّ، عَنْ عُمَر [1] . وَقَالَ الواقِديّ، عَنِ ابن أبي سَبْرَة، عَنْ سعيد بْن أبي زيد، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: كان لعثمان عند خازنه يوم قُتِل ثلاثون ألف ألف درهم، وخمسون ومائة ألف دينار، فانتهبت وذهبت، وترك ألف بعيرٍ بالرَّبذَة، وترك صدقاتٍ بقيمة مائتي ألف دينار [2] .
وَقَالَ ابن لهيعة، عَنْ يزيد بْن أبي حبيب قَالَ: بلغني أنّ الركب الذين ساروا إلى عثمان عامَّتُهُم جُنُّوا [3] .
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ طاووس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عَلِيًّا يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُ- يَعْنِي عُثْمَانَ- وَلا أَمَرْتُ، وَلَكِنْ غُلِبْتُ، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلاثًا [4] . وَجَاءَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ [5] . وَجَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ لَعَنَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ [6] .
وعن الشَّعْبِيّ قَالَ: مَا سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك [7] :
[1] أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف- ص 184 و 85 انظر الجزء الخاص بترجمة عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب رضي الله عنه، تحقيق الشيخ محمد باقر المحمودي- طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت 1394 هـ. / 1974 م.
[2]
طبقات ابن سعد 3/ 76، 77.
[3]
تاريخ دمشق 458.
[4]
طبقات ابن سعد 3/ 82، تاريخ دمشق 462.
[5]
انظر تاريخ دمشق 461- 466.
[6]
انظر تاريخ دمشق 466- 468.
[7]
«بن مالك» سقطت من نسخة دار الكتب، والاستدراك من المنتقى نسخة المكتبة الأحمدية، و (ع) ، وتاريخ دمشق 547، والبداية والنهاية لابن كثير 7/ 196.
ونسبت الأبيات لرجل من الأنصار، وللمغيرة بن الأخنس، وللوليد بن عقبة بن أبي معيط،
فكَفَّ يديه ثُمَّ أغلق بابه
…
وأيقن أنّ الله ليس بغافل
وَقَالَ لأهل الدّار: لَا تقتلوهم [1]
…
عفا الله عَنْ كل [2] امرئٍ لم يُقاتل
فكيف رأيتَ الله صبَّ عليهمُ-
…
العداوة والبغضاء بعد التوَّاصُلِ
وكيف رأيت الخير أدبر بعده [3]
…
عَنِ النّاس إدبار [4] النَّعامٍ الْجَوَافِلِ
ورثاه حسّانُ بْن ثابت بقوله:
مَنْ سَرَّه الموتُ صِرْفًا لَا مِزاجَ له
…
فلْيأتِ مأدُبةً [5] في دار عُثمانا
ضحُّوا بأشْمَطَ [6] عُنْوانُ السُّجُود به
…
يقطّع اللّيل تسبيحا وقُرآنا [7]
صبْرًا فِدًى لكم أمّي وما وَلَدَتْ
…
قد ينفع الصَّبْرُ في المكروه أحيانا
لَتَسْمَعَنَّ وَشِيكًا في ديارهُم:
…
الله أكبر يا ثاراتِ عثمانا
[ () ] ولحسّان بن ثابت. (انظر: أنساب الأشراف ق 4 ج 1/ 562، وتاريخ دمشق 547 و 548، ونهاية الأرب للنويري 19/ 512، والاستيعاب لابن عبد البر 3/ 82) .
والأبيات في ديوان كعب بن مالك 309 وفي الأغاني 16/ 233 له.
[1]
في الديوان، والأغاني:«وقال لمن في داره لا تقاتلوا» .
[2]
في نهاية الأرب 19/ 512 «ذنب» بدل «كل» وكذا في رواية عند ابن عساكر 548 منسوبة لرجل من الأنصار.
[3]
في الديوان والأغاني «عنهم» بدل «بعده» .
[4]
في الديوان والأغاني «وولّى كإدبار» .
[5]
هكذا في نسخة دار الكتب، والاستيعاب لابن عبد البرّ 3/ 81، وفي ديوان حسّان- ص 215، والبداية والنهاية لابن كثير 7/ 196 «مأسدة» ، وفي العقد الفريد لابن عبد ربّه 3/ 285 «ما سرّه» و 4/ 297 «مأسدة» .
[6]
الأشمط: الأشيب.
[7]
هذا البيت ليس في ديوان حسّان. وهو في العقد الفريد 3/ 81 و 4/ 159 و 284 و 298، وفي البدء والتاريخ 5/ 207 «أبا شمط» .