الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاسمية - يفيدُ الدعاء، فكأنَّ الداعي يقول: اللهم اخلفني في أهلي أن تَلمَّ شعثهم وتداوي سقمهم وتحفظ عليهم دينهم وأمانتهم، أي أنت تقوم مقامي في إصلاح أمرهم (1).
وأما ما ورد عن أبي بكر رضي الله عنه أنَّه جاءه أعرابي فقال له: أنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: فما أنت؟ قال: الخليفة الذي يقوم مقام الذاهب ويسد مسدَّه، أنا الخالفة. فإنَّه قاله رضي الله عنه تواضعاً وهضماً لنفسه، وقد ظل الصحابة ينادونه بالخليفة لا بالخالف، لمعرفتهم بقصده هذا (2).
المعنى العام لكلمة خليفة (ما نفهمه من كلمة خليفة):
إنَّ كلمة (خليفة) تتضمن الإشارة إلى الزمن حيث أن هناك دائماً لاحقاً لسابق، وهي تتضمن أيضاً موضوعاً يتم الاستخلاف فيه، ووسائل تعين على هذا الاستخلاف.
فخلافة اللاحق تعني فرصته الزمنية في الحياة، وفي الخضوع لامتحان الله له، والمتمثل بامتثاله أو عدم امتثاله لأمر الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الموضوع الذي تدور حوله الخلافة، وبهذا الفهم فالخلافة تكون لكل عاقل وليس فقط لرئيس الدولة، وإن انصرف الإطلاق إلى رئيس الدولة فلعظم مسؤوليته في تطبيق شرع الله تعالى.
وأما وسائل الاستخلاف فهي تلك الصفات المستعارة من الله تعالى، والتي بها أصبح الإنسان مكلفاً، وهي السمع والبصر والفؤاد وغيرها من الصفات المساعدة في مهمة الاستخلاف والمشار إليها بقوله عز وجل: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
(1) تحفة الأحوذي: 9/ 280 عند الكلام عن الحديث السابق تخريجه في الحاشية السابقة.
(2)
مآثر الإنافة للقلقشندي: 1/ 14.
وَالْأَرْضِوَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا (الْإِنْسَانُإِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} الأحزاب/72. فيكون معنى الخليفة - بالنظر إلى المعاني الثلاثة التي تحويها الكلمة- هو آخِرُ مَنْ مُكِّن من تلك الصفات ليستخدمها في مهمته التي كلَّفه الله بها من الخلافة.
إنَّ الاستقراء لاستعمالات كلمة (الخليفة) وما يرادفها في كتاب الله، يوضح أنَّ بعض تلك الاستعمالات إنَّما تشير إلى الخلافة بمعنى الرئاسة والخلافة العظمى مثل قوله عز وجل:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} النور/55، بينما يشير بعضها الآخر إلى التكليف العام لكل الناس كقوله عز وجل:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} الأنعام/165. وكقوله عز وجل: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ} يونس/14. ويجمع بين الاستعمالين أنَّ الكلَّ مستخلفٌ ولكن تختلف درجة الاستخلاف، وهذا ما تشير إليه آية الأنعام السابقة من أنَّ الله رفع الناس درجات بعضهم فوق بعض ، وبالتالي فإنَّ درجة استخلافهم تختلف تبعاً لدرجاتهم.
وإذا قلتُ إنَّ الكلَّ مُستخلفّ فهذا يشمل الكفار أيضاً، فهُم قد مُلَّكوا وسائل الاستخلاف وطُلب منهم استخدامها في موضوعها الذي من أجله مُلِّكوها ولكنهم استخدموها في اتجاه معاكس، أو لم يستخدموها أصلاً.
والكفَّار والفسَّاق إِنْ تنصَّلوا من القيام بواجبهم أصبحوا جزءاً من الامتحان والفتنة التي يتعرض لها الصالحون والمؤمنون، كما أن الصالحين أصبحوا حجةً عليهم. ولا يخفى أنَّ هذا التفسير يميل إلى ملاحظة معنى النيابة التي تشير إليها كلمة خليفة، وبهذا يندفع اعتراض من رفض تسمية الإنسان أو الخليفة بأنه خليفة عن الله ظانَّاً أنَّ الخلافة إنَّما تكون عن الميت أو الغائب والله تبارك وتعالى ليس كذلك (1)، أو ظانَّاً بأنَّ الخلافة تكون بأن يَحلَّ المستخلَف مكان
(1) وهو رأي الخطيب الشربيني والنووي. انظر: مغني المحتاج للخطيب الشريني: 4/ 132. وقد أشرت إلى = = هذا الرأي وإلى من قاله عند الحديث عمن تكون الخلافة. انظر مراجع حاشية (4) من ص (55) في هذه الأطروحة.
المستخلِف (1)، لأنَّ للخلافة معنى آخر هو النيابة، والنيابة تكون مع وجود الأصيل، وحتى لو قلنا: إن الخليفة يقوم بما يقوم به مستخلِفه أو يحلُّ محلَّه في أمر ما، فلا تكون العلة للاستخلاف هي العجز أو الغيبة، بل تكون للامتحان من الله للمستخلَف، أو هي للتشريف والتكريم، قال الله عز وجل:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} الإسراء/70.
وهذا الفهم العام لكلمة خليفة يدل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (2).
وأعلى مراتب الخلافة خلافة الخليفة أو رئيس الدولة ثمَّ تتدرج نحو الأدنى كلما قلَّت مسؤوليةُ صاحبها، ومن هنا - وبعد انقطاع الوحي بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ كلمة الخليفة عند إطلاقها تنصرف إلى أمير المؤمنين ورئيسهم، إذ هو صاحب المسؤوليَّة الأعظم بين النَّاس، فهو المسؤول أمام الله تعالى عن الدفاع عن الشرع والبلاد والعباد وإقامة الحدود والقضاء بين الناس، وإن كان هذا لا يُخْلي طرَفَ الأفراد من مسؤولية الخلافة، فالخلافة هي مهمة الأمة الإسلامية أصالةً ومهمة القيادة العليا نيابةً (3).
(1) أشرت إلى هذا الرأي وإلى من قاله عند الحديث عمن تكون الخلافة. انظر مراجع حاشية (4) من ص (12) في هذه الأطروحة.
(2)
صحيح البخاري: 1/ 304 كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن رقم (853) عن ابن عمر. صحيح مسلم: 3/ 1459 كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل رقم (1829) عن ابن عمر.
(3)
انظر الخلافة والملك للمودودي: ص 19 وما بعدها حيث بين المودودي أن الخلافة عن الله هي خلافة جماعية وليست لفرد أو أسرة أو طبقة، فكل فرد شريك في الخلافة.