الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل» (1) الحديث. ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش، فيحتمل - والقول لابن حجر - أن يقال لعل الإجماع انعقد بعد عمر رضي الله عنه على اشتراط أن يكون الخليفة قرشياً، أو تغير اجتهاد عمر رضي الله عنه في ذلك، والله أعلم} اهـ كلام ابن حجر.
أدلة من قال بعدم اشتراط القرشية:
أ- استدل أصحاب هذا الاتجاه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم مع الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة يشير إلى جريدة بيده» (2). وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين» (3). فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين وأمثالهما يُخبر عما سيكون ولا ينشئ حكماً، فيكون حديث «الأئمة من قريش» (4) إخباراً أيضاً، أو يؤخذ منهما أن اشتراط أن يكون الخلفاء من قريش مرهون بإقامتهم للدين فإذا لم يفعلوا ذلك فلا يشترط ذلك. واستدلوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم:«اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» (5).
ولكن رد ابن حزم تفسير الحديث بأنه للإخبار فقال: «ولا يصح هذا التفسير لأن الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يتحقق، إذ لو جاز أن يوجد الأمر في غير قريش لكان تكذيباً لخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر ممن أجازه» (6).
والواقع الذي حصل عبر التاريخ أنه قد تولى الخلافة غير القرشيين كسلاطين
(1) مسند أحمد: 1/ 263 رقم (108) عن عمر قال محقق الكتاب: «حسن لغيره وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن شريح بن عبيد وراشد بن سعد لم يدركا عمر» .
(2)
سنن البيهقي الكبرى: 8/ 144 كتاب قتال أهل البغي، باب الأئمة من قريش، عن عطاء بن يسار.
(3)
صحيح البخاري: 3/ 1289 كتاب المناقب، باب مناقب قريش رقم (3309) عن معاوية.
(4)
سبق تخريجه في ص: (115) حاشية (1).
(5)
صحيح البخاري: 1/ 246 كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى رقم (660) عن أنس بن مالك بلفظ قريب. سنن ابن ماجه: 2/ 955 كتاب الجهاد، باب طاعة الإمام رقم (2860) عن أنس. وأحمد في مسنده: 19/ 178 عن أنس رقم (12127) قال محقق الكتاب: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وانظر في أدلة النافين لشرط القرشية والرد عليها: الإمامة للآمدي: ص 180 - 181. فتح الباري لابن حجر: 13/ 115 وما بعدها. مقدمة ابن خلدون: ص 194.
(6)
المحلى لابن حزم: 9/ 360.
الدولة العثمانية، فالسبيل الأسلم أن تؤول الأحاديث التي جاءت بصيغة الإخبار على الأحاديث التي وردت بصيغة الأمر.
ب- استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «أطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع» (1)، لأنه لا عبرة بالنسب في مصالح الملك والدين. ورُدَّ بحمل الحديث على غير الإمام جمعاً بين الأدلة، وبأن لشرف الأنساب أثراً في جمع الآراء، ولا أشرف من قريش، إلا في حال الضرورة فيسقط هذا الشرط (2).
وأمَّا لماذا بدا أن ابن خلدون أسقط شرطَ القرشية رغم نقله الإجماع على اشتراطه، فيمكن فهمه أن ابن خلدون فَهِمَ من اشتراط القرشية أنها كانت مظنة العصبية، فلما كانتا مقترنتين في بداية الإسلام لم يُخالِف في شرط القرشية أحدٌ يُعتد به، فلما افترقتا بعد ضعف عصبية قريش لَحِقَ الحكمُ العصبيةَ وتَرَكَ القرشيةَ، فكأن ابن خلدون رأى أن مناط اشتراط القرشية هو العصبية فالحكم يدور مع العصبية لا مع القرشية (3).
أو لأنَّه استند إلى نظريَّة الضَّرورة لإعطاء الشرعية لمن تسلَّط على الخلافة من غير قريش لضرورة تصحيح المعاملات ولردم الهوة بين الواقع والشرع، أو بين الأمَّة وبين من يحكمها، ولا ينبغي فهمُ إسقاط ابن خلدون لشرط القرشية إلا ضمن هذا الإطار، إذ لا يُمْكِنُ له ولا لغيره إسقاط ما تم الإجماع عليه من قِبَلِ الصحابة ومَنْ بَعدهم، والضرورة تُقدَّر بقدرها، فعندما يمكن تنصيب القرشي ويتمتع بالعصبية القوية يسقط العمل بأحكام الضرورة، وبهذا الاتجاه نفهم قول من اشترط القرشية عندما قال: فإن لم يوجد قرشي مستجمع الشروط فكِناني (4)، فإن لم يوجد فرجلٌ من ولد إسماعيل، فإن لم يكن، يولَّى رجلٌ من العجم أو جُرهمي (5)
(1) رواه بلفظ قريب البخاري في صحيحه: 1/ 246 كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى رقم (660). و: 6/ 2612 كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام رقم (6723) عن أنس بن مالك. ومسلم في صحيحه: 2/ 944 كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة رقم (1298) عن أم الحصين. وغيرهما.
(2)
شرح المقاصد للتفتازاني: 5/ 244.
(3)
هذا ما يفهم من كلام ابن خلدون في مقدمته: ص 194.
(4)
من أولاد كنانة الوارد في سلسلة نسب النبي صلى الله عليه وسلم.
(5)
أي من بني جُرهُم، وجُرهُم أصل العرب ومنهم تزوج سيدنا إسماعيل حين أنزله أبوه صلى الله عليه وسلم أرض مكة. مغني المحتاج للخطيب الشربيني: 4/ 130.
فإن لم يوجد، فمن ولد إسحاق (1).
ويقول التفتازاني في شرح العقائد النسفيَّة {وهو يتكلم عن جواز إطلاق اسم (خليفة) على من جاء بعد الثلاثين سنة التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:
…
«الخلافة بعدي ثلاثون سنة» (2)}: «وأما بعد الخلفاء العباسية فالأمر مشكل» (3)، ونجد حل هذا الإشكال في قول القاضي عضد الدين في المواقف مجيباً عن اعتراض مَنْ مَنَعَ من وجوب نصب الإمام عندما استدل المانع بوجوهٍ منها أنَّ للإمامة شروطاً قلَّما توجد في كل عصر فإن أقاموا فاقدَها لم يأتوا بالواجب، وإن لم يقيموه فقد تركوا الواجب. فقال: إن تركهم لنصبه لتعذره وعدمِ شرط الإمامة ليس تركاً للواجب، إذ لا وجوب.» ويقوي الشارح الجرجاني هذا الجواب بسكوته (4). ومعنى قوله: إذ لا وجوب. أي على الناس لا في الشرع.
وقال صدرُ الشريعة في (تعديل العلوم): وسقط من الشرائط ما تسقطه الضرورة ثُمَّ في زماننا سقطت القرشية أيضاً.
وأَحسِب أنَّ نظريَّة الضَّرورة هي أقوى أدلة من نفى اشتراط القرشية، بل هي دليل كل من أجاز تولية مَنْ فقد شرطاً من الشروط الواجب توفرها في الخليفة، ونظراً لأهميتها فسأفردها بالحديث في المبحث الثالث، لأنها تعتبر إلى اليوم الأساس الشرعي لأنظمة الحكم التي لا تتوافر فيها كل الشروط الواجب توفرها، بل
(1) مغني المحتاج للخطيب الشربيني: 4/ 130. روضة الطالبين للنووي: 10/ 42 كتاب الإمامة وقتال البغاة. = = أسنى المطالب للأنصاري: 4/ 109. شرح المقاصد للتفتازاني: 5/ 233.
(2)
سبق تخريج الحديث في ص (20) حاشية (4).
(3)
شرح العقائد النسفية للتفتازاني: ص 174.
(4)
المواقف للإيجي: 3/ 577. شرح المواقف للجرجاني: 8/ 348.
(5)
غاية المرام للآمدي: ص 386. الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي: ص 282. وانظر نظرية الضرورة في هذه الأطروحة: ص (174).