الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفاصيل الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما:
كان أول كتاب يرسله علي رضي الله عنه إلى معاوية رضي الله عنه في بداية عهده مع سبرة الجهني وكان فيه (1): «من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد بلغك ما كان من مصاب عثمان رضي الله عنه وما اجتمع الناس عليه من بيعتي فادخل في السلام كما دخل الناس، وإلا فَأْذَنْ بحرب كما يؤذن أهل الفرقة، والسلام» . فلم يكتب معاوية رضي الله عنه بشيء ولم يجبه وردَّ رسولَه، وجعل كلما تنجز جوابه يؤجل الرد ويُعرِّض بعلي ويطلب القصاص حتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان رضي الله عنه في صفر، دعا معاوية رضي الله عنه برجل من بني عبس، ثم رجل من بني رواحة يدعى قبيصة، فدفع إليه طوماراً (2) مختوماً عنوانه: من معاوية إلى علي. وقال: إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ثم أوصاه بما يقول وخرجا فقدما المدينة في ربيع الأول لغرته فلما دخلا المدينة رفع العبسي الطومار كما أمره، وخرج الناس ينظرون إليه، فتفرقوا إلى منازلهم وقد علموا أنَّ معاوية رضي الله عنه معترض، ومضى حتى دخل على علي رضي الله عنه فدفع إليه الطومار ففضَّ خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة!! فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: آمنٌ أنا؟ قال: نعم إن الرسل آمنة لا تقتل. قال: ورائي أني تركت قوماً لا يرضون إلا بالقود. قال: ممن؟ قال: من خيط نفسك، وتركت ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان رضي الله عنه، وهو منصوب لهم قد ألبسوه منبر دمشق. فقال: مني يطلبون دم عثمان! ألست موتوراً كَتِرَةِ عثمان، اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، نجا والله قتلة عثمان رضي الله عنه إلا أن يشاء الله، فإنَّه إذا أراد أمراً
(1) كما في تاريخ الطبري: 3/ 4. والفتنة ووقعة الجمل للأسدي: 1/ 102. والكامل في التاريخ للشيباني: 3/ 94. والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي: 5/ 77. البداية والنهاية لابن كثير: 7/ 256.
(2)
الطُّومَارُ: واحدُ المَطَامِير. قال ابن سيده: الطامُورُ والطُّومارُ الصحيفةُ، قيل: هو دَخِيل، وأُراه عربيّاً محضاً لأَن سيبويه قد اعتدّ به في الأَبنية فقال: هو ملحق بِفُسْطاط. لسان العرب لابن منظور: 4/ 503 مادة (طمر).
أصابه، اخرج. قال: وأنا آمن؟ قال: وأنت آمن، فخرج العبسي وصاحت السبئية فقالوا: هذا الكلب، هذا وافد الكلاب اقتلوه. فنادى: يا آل مضر، يا آل قيس، الخيلَ والنبلَ إني أحلف بالله جلَّ اسمه ليردنَّها عليكم أربعة آلاف خصي فانظروا كم الفحولة والركاب. وتعاووا عليه ومنعته مضر وجعلوا يقولون له: اسكت. فيقول: لا والله لا يفلح هؤلاء أبداً فلقد أتاهم ما يوعدون. فيقولون له: اسكت. فيقول لقد حلَّ بهم ما يحذرون انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم. فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل فيهم، وأحب أهل المدينة أن يعلموا ما رأي علي رضي الله عنه في معاوية رضي الله عنه وانتقاضِه، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة أيجسر عليه أو ينكل عنه، وقد بلغهم أنَّ الحسن بن علي رضي الله عنهم دخل عليه ودعاه إلى القعود وترك الناس فدسوا إليه زياد بن حنظلة التميمي (1) وكان منقطعاً إلى علي فدخل عليه فجلس إليه ساعة ثم قال له علي: يا زياد تيَّسر. فقال: لأي شيء؟ فقال: تغزو الشام. فقال زياد: الأناة والرفق أمثل وقال:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة
…
يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
فتمثَّل عليٌ وكأنَّه لا يريده:
متى تجمع القلب الذكي وصارماً
…
وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم
فخرج زياد على الناس، والناس ينتظرونه فقالوا: ما وراءك؟ فقال: السيف يا قوم. فعرفوا ما هو فاعل.
ومنعت أخبارُ طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم خروجَ الجيش إلى الشام، وخرج بدلاً من ذلك إلى البصرة، وتوقفت المراسلة بينهما بسبب ذلك، ثم عادت بعد وقعة الجمل (2) عندما وجَّه عليٌ رضي الله عنه (عند منصرفه من البصرة إلى الكوفة وفراغه من وقعة الجمل) جريرَ بنَ عبد الله البجلي إلى معاوية يدعوه إلى بيعته، وكتب معه كتاباً يعلمه فيه باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته، ونكث طلحة والزبير وما كان من حربه إياهما، ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته. فشخص إليه جرير فلما قدم عليه ماطله واستنظره ودعا عَمْراً فاستشاره
(1) انظر ترجمة زياد بن حنظلة في فهرس التراجم: رقم (64).
(2)
وكان هذا في سنة 36 هـ كما ذكر الطبري في تاريخه: 3/ 70 وما بعدها.
فيما كتب به إليه فأشار عليه أن يرسل إلى وجوه الشام ويلزم علياً دم عثمان ويقاتله بهم ففعل ذلك معاوية. وخرج أمير المؤمنين فعسكر بالنخيلة وقدم عليه عبد الله بن عباس بمن نهض معه من أهل البصرة، فتهيأ إلى صفين فاستشار الناس في ذلك فأشار عليه قوم أن يبعث الجنود ويقيم، وأشار آخرون بالمسير فأبى إلا المباشرة فجهز الناس، فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص فاستشاره. فقال: أما إذ بلغك أنه يسير فَسِرْ بنفسك ولا تَغِبْ عنه برأيك ومكيدتك. قال: أما إذاً يا أبا عبد الله فجهز الناس.
ولبيان وجهةِ نظر من كان مع معاوية رضي الله عنه أذكر أنَّه: لما التقى الأشترُ (1) وهو على طليعة جيش علي رضي الله عنه، أبا الأعور (2) وهو على طليعة جيش معاوية، دعاه الأشترُ للمبارزة، فقال أبو الأعور: إنَّ خفة الأشتر وسوءَ رأيه حمله على إجلاء عمال ابن عفان رضي الله عنه من العراق، وانتزائه عليه يُقبِّح محاسنَه، ومن خفة الأشتر وسوء رأيه أن سار إلى ابن عفان رضي الله عنه في داره وقراره حتى قتله فيمن قتله فأصبح متبعاً بدمه وأصبح مبتغى بدمه، لا حاجة لنا في مبارزته (3).
وأيضاً لبيان التزام علي رضي الله عنه بالقواعد الإسلامية في هذه المعارك، بينما كانت قواعد الحرب والمكيدة هي السائدة في معاوية وأصحابه، أذكر أنه: لما تواقف الجيشان قبل الصدام ذهب شباب الناس وغلمتهم من جيش علي يستقون، فمنعهم أهل الشام، فأرسل علي إليهم صعصعةَ بن صوحان فقال له: ائت معاوية وقل له إنَّا سرنا مسيرنا هذا إليكم، ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، وإنك قدَّمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك وبدأتنا بالقتال، ونحن من رأينا الكف عنك حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها قد حِلْتم بين الناس وبين الماء والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليُخلُّوا بين الناس وبين الماء، ويكفوا حتى ننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له وقدمتم له، وإن كان أعجب إليك أن نترك ما جئنا له ونترك الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلْنا. قال معاوية رضي الله عنه: سيأتيكم رأيي. ثم إنه أرسل الخيل إلى أبي الأعور ليكفَّ
(1) انظر ترجمة الأشتر في فهرس التراجم: رقم (29).
(2)
انظر ترجمة أبي الأعور في فهرس التراجم: رقم (14).
(3)
صفين لنصر بن مزاحم: ص 155 - 156. تاريخ مدينة دمشق لا بن عساكر: 46/ 58.