الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلاصة القول إن سياسة الأمويين نحو دول المغرب ونحو الفاطميين في عهد الناصر والمستنصر وابن أبي عامر في زمن هشام المؤيد، كانت متشابهة، وكانت آخر مواجهة بين الأمويين في الأندلس وبين الفاطميين ثورة أبي ركوة زمن المستنصر الأموي ببرقة ضد الفواطم، لولا صمود جيوشهم وتمكنها من قتل أبي ركوة الأموي والقضاء على ثورته، وبهذه الثورة أسٍدل الستار على الصراع الأموي الفاطمي، لأن الخلافة الأندلسية دخلت مرحلة من أسوأ مراحلها، وهي مرحلة الضعف والإنحلال (1).
وبصفة عامة فإن الأندلس بقيت أموية خالصة لم يقم فيها تجمع شيعي يمكن أن يكون له كلمة، يقول المقدسي واصفاً شدة حكومة قرطبة على الشيعة والتشيع وبالذات بعد ظهور العبيديين:«إن الأندلسيين إِنْ ظهروا على شيعي أو معتزلي قتلوه» (2).
ما نستنتجه من هذا الفصل:
تبين لي أنه على الحقيقة لم يكن هناك تعدد للخلفاء، بل كان الأمر أقرب إلى تبادل أدوار الخلافة بين العباسيين والأمويين، فالخلافة العباسية كانت خلافة شرعية بعد سقوط الدولة الأموية في دمشق ولفترة طويلة ولم تنازعها الأندلس في هذا اللقب، إلا عندما ضعفت وصارت أقرب إلى الصورة منها إلى الحقيقة، فعندها برز عبد الرحمن الناصر خليفة في الأندلس، وهو وإن لم يملك كل البلاد الإسلامية - أو حتى أغلبها - لكنه كان ممسكاً بزمام الأمور في مكان خلافته بقوة، ولم يشترط جمهور الفقهاء لتصحَّ خلافة الخليفة أن يكون مسيطراً على كل الأرض الإسلامية (3)، إذاً فالخلافة الأموية في الأندلس والخلافة العباسية لم تكونا تعتبران إلا خصمين سياسيين يتبعان المبادئ نفسها، وأما الخليفة الفاطمي فلا يمكن اعتباره خليفة للمسلمين؛ ليس لأنه كان يمثل خصومة وصراعاً مذهبياً بين السنَّة والشيعة إضافة إلى الخصومة السياسية، ولكن لأنه كان يعلن المبادئ المخالفة لجوهر
(1) العلاقات السياسية للفيلالي: ص 16.
(2)
أحسن التقاسيم للمقدسي: ص 236. وانظر: العلاقات السياسية والثقافية لسالم الخلف: ص 315.
(3)
لأن سيدنا علياً رضي الله عنه لم يكن يسيطر على الشام أثناء خلافه مع معاوية رضي الله عنه، ومع ذلك فلم يقل أحد من الفقهاء المعتبرين إن سيدنا علياً لم يكن خليفة شرعياً.
الإسلام - التي أشرت إلى بعضها - لذا لا يمكن اعتباره إلا متغلباً بقوة السيف، إضافة إلى أن الخلافة الفاطمية ومنذ نشأتها لم تعترف بالخلافة العباسية في بغداد أو الأموية في دمشق وقرطبة، بل لم تعترف بالخلفاء الراشدين الثلاثة الأُوَل، ونازعت الكلَّ كما نازعها الكلّ في لقب الخلافة، وكانت خصماً حقيقياً ومظهراً عملياً للتعدد مبنياً على نظرتهم الخاصة إلى الإمامة، أما الأمويون في الأندلس فقد برزوا كخلفاء سدّاً للفراغ السياسي الحاصل في الساحة، ولعدم اعترافهم بخلافة الفاطميين التي أُعلنت في أفريقية قبلهم، أو التي كانت في مصر بعد ذلك.
فآل الأمر في الواقع إلى وجود خليفة واحد فقط وليس ثلاثة خلفاء كما قال المؤرخون، وعندما أُعلن سقوط الخلافة الأموية عادت الخلافة إلى العباسيين على ضعف الخليفة العباسي آنذاك.
إذاً مرة أخرى لا تعدد شرعياً في التاريخ، فالأمة الإسلامية والتي هي الإطار السياسي الرئيس الذي يمكِّن الشعوب الإسلامية على اختلاف خصوصياتها اللسانية والثقافية والقومية من الاتحاد والتعاون لتحقيق غايات الوجود الإنساني كما حددها الشرع الحنيف، هذه الأمة لم تقبل أن تكون لها خلافات متعددة تمثل كل منها جزءاً من الشرعية، وما وُجد إنما هو إماراتٌ مستقلة أو شبه مستقلة أو صراعات على الحكم ليس فيها ما يستشف منه جواز تعدد الخلفاء أو ما يدل على أنه كان مبنياً على قاعدة شرعية أو حكم فقهي يجيز التعدد، وبقيت العقيدة الإسلامية والانتماء إلى الأمة الإسلامية الواحدة هما الأساس المتين الذي حافظ تاريخياً على بقاء وحدة الأمة الثقافية والاقتصادية والعملية رغم تباين القوميات والشعوب الإسلامية، بل رغم قيام تقسيمات سياسية ودويلات مستقلة.
ويكفينا بعد هذه الجولة التاريخية الواسعة التي عرفنا خلالها رجحان قول من قال بضرورة وحدة الخلافة - بعد أن عرفنا قوة أدلته - أن نلاحظ أن ضعف الخلافة كان دائماً مقترناً بمخالفة الشرع وأهم مخالفتين للشرع هنا هما: التنازع على الخلافة، وأن يتولى منصب الخلافة من لم تتحقق فيه الشروط، كالصبي.
أما ظاهرة التنازع على الخلافة فقد كانت دائماً مؤشراً على الضعف كما حصل في:
1 -
آخر الخلافة الراشدة في عهد سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهما.
2 -
زمن الأمويين في عهد ابن الزبير ومن عاصره من الخلفاء الأمويين.
3 -
داخل الخلافة العباسية نفسها في عهد المستعين حيث كان خليفة في بغداد والمعتز خليفة في سامراء، وكذا لما خرج على الأغلب بن سالم التميمي (الذي استعمله المنصور على المغرب سنة 148 هـ) أبو قرة بن دوناس اليفرني المغيلي من الصفرية بجهة تلمسان وبايعت له زناتة بالخلافة، قبل أن يفر من الأغلب لما زحف إليه (1).
4 -
وكما حصل أيام حكم ملوك الطوائف، حتى بلغ عدد الخلفاء ستةً في وقت واحد، ومعهم صاحب مصر العبيدي والعباسي ببغداد عدا من كان يدعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج (2).
5 -
وكما حصل في أيام الحموديين سنة 412 هـ - الذين أعلنوا سقوط الخلافة الأموية في الأندلس - فقد كان هناك خليفتان في وقت واحد، يحيى بن حمود (المعتلي بالله) في قرطبة، والقاسم بن حمود (المأمون) في إشبيلية (3).
وأما تولي الصبي للخلافة: فقد كان الضعف في مؤسسة الخلافة مقترناً به على الدوام، وهو يعتبر صورة من صور التشبث بالدنيا من خلال التمسك بكرسي الحكم؛ إما من الخليفة الذي قبله كما حصل مع هشام المؤيد في الأندلس الذي ولاه أبوه الحكمُ المستنصر الخلافةَ وهو صبي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، الأمر الذي أدى إلى أن يسيطر ابن أبي عامر على الخلافة ثم سقوطها بعد ذلك، أو ممن حَوْلَ الخليفةِ الصبي نفسِه ليتحكموا بمقاليد الأمور معه، كما حصل مع المقتدر الذي ولي الخلافة وهو صبي بكيد من الأتراك حتى يتحكموا بالخلافة (4).
(1) الاستقصا للسلاوي: 1/ 185.
(2)
تاريخ الخلفاء للسيوطي: 1/ 12.
(3)
البيان المغرب: 3/ 120 - 122. وانظر: الدولة العربية للدكتور إبراهيم بيضون ص 344.
(4)
انظر العالم الإسلامي في العصر العباسي للدكتور حسن محمود: ص 337 - 358.