الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويمكن هنا طرح ثلاث مسائل: الإكراه على تغيير المناهج وعدم تحكيم شرع الله، والإكراه على التزام البعد عن صناعات معينة كالطاقة النووية، والإكراه على البعد عن السعي لتوحيد الدول الإسلامية ولمِّ شملها.
وللضرورة السياسية أمثلة منها:
1 -
قَبول سيدنا علي رضي الله عنه ما عرضه عليه معاوية رضي الله عنه من الهدنة سنة أربعين للهجرة بعد عجز كلٍ منهما عن هزيمة الآخر، بأن يضعا الحرب بينهما ويكون لعلي رضي الله عنه العراق، ولمعاوية رضي الله عنه الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو، فأقام معاوية بالشام بجنوده يجبيها وما حولها وعلي بالعراق يجبيها ويقسمها بين جنوده (1).
2 -
جواز مبايعة المفضول مع وجود الفاضل أو الأفضل: أي إنه إذا توافرت شروط الولاية العامة في رجل، ولم تتوافر كلها في آخر فيجوز مبايعة هذا الأخير وتوليته للضرورة منعاً من الفتنة والاضطراب في الداخل، وتحاشياً من التعرض للأذى والعدوان من العدو في الخارج، وذلك إذا حالت ظروف معينة من تولية المستجمع لشرائط الولاية، أو لم تستكمل تلك الشروط في شخص ما.
ويمكن القول إن جميع الشروط - باستثناء التي حصل الاتفاق عليها على الإطلاق كما مر- الواجب توفرها في الخليفة يمكن التنازل عنها عند الضرورة (2).
وفي هذا يقول التفتازاني: «وبالجملة مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار، وأما عند العجز والاضطرار، واستيلاء الظلمة والكفار والفجار فقد صارت الرياسة الدنيوية تغلبية، وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ضرورة، ولم يعبأ بسائر الشرائط، والضرورات تبيح المحظورات» (3).
ويقول القلقشندي: «واعلم أن لصحة عقد البيعة خمسة شروط: الأول: أن
(1) تاريخ الطبري: 3/ 154. الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3/ 252. البداية والنهاية لابن كثير: 7/ 357.
(2)
تحفة المحتاج للهيتمي: 11/ 353. شرح منح الجليل لعليش: 9/ 196. وقال في تسهيل منح الجليل لعليش أيضاً: 9/ 196. كشاف القناع للبهوتي: 6/ 159. الروضة الندية للقنوجي: ص 785. الخلافة لرشيد رضا: ص 43 - 44. المسايرة ومعه المسامرة رسالة دبلوم لحسن عبيد: ص 342، 343، 347. غياث الأمم للجويني: ص 153. شرح كتاب النيل لأطفيش: مجلد 14/ 1 ص 307. حاشية الدسوقي: 4/ 298. نظرية الضرورة للدكتور وهبة الزحيلي: ص 155 - 156.
(3)
شرح المقاصد للتفتازاني: 5/ 245.
يجتمع في المأخوذ له البيعة شروط الإمامة، فلا تنعقد مع فوات واحد منها إلا مع الشوكة والقهر» (1).
ويقول الغزالي: «فإن قيل: فإن تسامحتم بخصلة العلم، لزمكم التسامح بخصلة العدالة وغير ذلك من الخصال. قلنا: ليست هذه مسامحة عن الاختيار، ولكن الضرورات تبيح المحظورات، فنحن نعلم أن تناول الميتة محظور، ولكن الموت أشد منه، فليت شعري من لا يساعد على هذا ويقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شروطها، وهو عاجز عن الاستبدال بالمتصدي لها بل هو فاقد للمتصف بشروطها، فأي أحواله أحسن؟ أن يقول: القضاة معزولون، والولايات باطلة، والأنكحة غير منعقدة، وجميع تصرفات الولاة في أقطار العالم غير نافذة، وأن الخلق كلهم مقدمون على الحرام، أو أن يقول: الإمامة منعقدة، والتصرفات والولايات نافذة بحكم الحال والاضطرار
…
وأهون الشرين خير بالإضافة، ويجب على العاقل اختياره» (2).
كما نقل عن الإمام أحمد إسقاط شرط العدالة والعلم - عند الضرورة - في حال الاستيلاء على الحكم ممن لا يملك صفة العدالة والعلم (3). وهو رأي المذهب الشافعي (4) والمالكي (5) والزيدي (6).
3 -
نفاذ تصرفات الإمام المستولي على الناس رغم عدم توفر شروط الإمامة فيه، فتولية من لم تتوفر فيه شروط الإمامة حكم مستند إلى الضرورة والمصلحة المرسلة، ونفاذ تصرفاته حكم مستند إلى الضرورة أيضاً، كما قال العز بن عبد
(1) مآثر الإنافة للقلقشندي: 1/ 41.
(2)
الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي: ص 282 - 283. الصواعق المحرقة للهيتمي: 1/ 26.
(3)
المبدع لابن مفلح: 10/ 24. كشاف القناع للبهوتي: 6/ 159. الأحكام السلطانية للفرَّاء: ص 20. منار السبيل: 2/ 353. المعتمد للفرَّاء: ص 242. شرح منتهى الإرادات للبهوتي: 6/ 274 - 275.
(4)
منهاج الطالبين للنووي: 3/ 196. روضة الطالبين للنووي: 10/ 46 كتاب الإمامة وقتال البغاة. غياث الأمم للجويني: ص 154، 155. مغني المحتاج للخطيب الشربيني: 4/ 130، 132. تحفة المحتاج للهيتمي: 11/ 349.
(5)
حاشية الدسوقي: 4/ 129، 298. شرح منح الجليل لعليش: 8/ 255 - 259.
(6)
البحر الزَّخَّار لابن المرتضى: 5/ 379.