الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بها من غير حقيقة ولا تحقيق لمعناها، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً: ما يقولون في ذلك إلا قولاً كذبًا، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلاً.
الإشارة: من كملت عبوديته لله، وصار حُرًّا مما سواه، بحيث تحرر من رق الأكوان، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان، أنزل الله على قلبه علم التحقيق، وسلك به منهاج أهل التوفيق، منهاجًا قيمًا، لا إفراط فيه ولا تفريط، محفوظًا في باطنه من الزيغ والإلحاد، وفي ظاهره من الفساد والعناد، قد تولى الله أمره وأخذه عنه، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر. فإن أَذِنَ له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارته، وجليت إليهم إشارته، فبَشَّر وأنذر، ورغّب وحذّر، يُبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان، وبالنظر إلى وجه الرحمن، ويُنذر أهل الشرك بعذاب النيران، وبالذل والهوان، نعوذ بالله من موارد الفتن.
ولمّا كانت قريش تتفوه بشىء من هذه الكلمات، التي شنّع الله على من تفوه بها، وكان عليه الصلاة والسلام يتأسف من ذلك، خفف عنه ذلك، وأمره بالتسلى عنهم، فقال:
[سورة الكهف (18) : الآيات 6 الى 8]
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (8)
قلت: (أسفًا) : مفعول من أجله لباخع، أو حال، أي: متأسفًا، وجواب «إنْ» : محذوف، أي: إن لم يؤمنوا فلعلك باخع نفسك.
يقول الحق جل جلاله: فَلَعَلَّكَ يا محمد باخِعٌ: مهلك نَفْسَكَ وقاتلها بالغم والأسف على تخلف قومك عن الإيمان وفراقهم عنك، عَلى آثارِهِمْ إذا تولوا عنك، عند ما تدعوهم إلى الله. شبهه، لأجل ما تداخله من الوجد على توليتهم، بمن فارقته أعزته، وهو يتحسر على آثارهم، ويبخع نفسه وجدًا عليهم. إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أي: القرآن الذي عبّر عنه في صدر السورة بالكتاب، صدر ذلك منك أَسَفاً أي:
بفرط الحزن والتأسف عليهم.
ثم علّل وجه إدبارهم عن الإيمان، وهو اغترارهم بزهرة الدنيا، فقال: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ من الأشجار والأزهار والثمار، وما اشتملت عليه من المعادن، وأنواع الملابس والمطاعم، والمراكب والمناكح، زِينَةً لَها أي: مبهجة لها، يستمتع بها الناظرون، وينتفعون بها مأكلاً وملبسًا، ونظرًا واعتبارًا، حتى إن الحيّات والعقارب من حيث تذكيرها بعذاب الآخرة، من قبيل المنافع، بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيثُ دلالته على الصانع، وكذلك الأزواج والأولاد، بل هم من أعظم زينتها، داخلون تحت الابتلاء. جعلنا ذلك لِنَبْلُوَهُمْ:
لنختبرهم، حتى يظهر ذلك للعيان، أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، أيهم أزهد فيها، وأقبلهم على الله بالعمل الصالح إذ لا عمل أحسن من الزهد في الدنيا إذ هو سبب للتفرغ لأنواع العبادة، بدنية وقلبية.
قال أبو السعود: وحسن العمل: الزهد فيها، وعدم الاكتراث بها، والقناعة باليسير منها، وصرفها على ما ينبغي، والتأمل في شأنها، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها، والتمتع بها حسبما أذن الشرع، وأداء حقوقها، والشكر على نعمها، لا جعْلها وسيلة إلى الشهوات، والأغراض الفاسدة، كما يفعله الكفرة وأهل الأهواء.. انظر بقية كلامه.
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها عند تناهي الدنيا، صَعِيداً جُرُزاً أي: ترابًا يابسًا، لا نبات فيه، بعد ما كان يَتَعجب من بهجته النظارُ، ويتشرف بمشاهدته الأبصار، فلا يغتر بما يذهب ويفنى إلا من لا عقل له، فلا تستغرب إدبارهم، إذ لا عقل لهم.
ويحتمل أن يكون تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم من حيث إنه أرشده إلى شهود تدبير الحق، فيسلو، بذلك، عن إعراضهم لغيبته في المصور المدبر عن الصور، وعن الزينة في المُزَيِّن، فالكون مظهر الصفات ومرآتها، ويغيب في الذات- التي هي معدنها- بإفناء الظاهر، وإفناء الأفعال، كما نبّه عليه بقوله: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ
…
الخ.
الإشارة: الخصوصية- من حيث هي- لها بداية ونهاية، فمن شأن أهل بدايتها: الحرص على الخير لهم ولعباد الله، فيتمنون أن الناس كلهم خصوص أو صالحون، فإذا رأوا الناس أعرضوا عنها تأسفوا عليهم، وإذا أقبلوا عليهم فرحوا من أجلهم، زيادة في الهداية لعباد الله، فإذا تمكنوا منها ورسخت أقدامهم فيها، وحصل لهم الفناء الأكبر، لم يحرصوا على شيء، ولم يتأسفوا من فوات شيء، لهم ولغيرهم. وقد يتوجه العتاب لهم على الحرص في بدايتهم تكميلاً لهم، وترقية إلى المقام الأكمل.
وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ
…
الخ، هو حكمة تخلف الناس عن الخصوصية، حتى يتميز الطالب لها من المعرض عنها، فمن أقبل على زينة الدنيا وزهرتها، فاتته الخصوصية، وبقي من عوام الناس، ومن أعرض عنها وعن بهجتها، وتوجه بقلبه إلى الله، كان من المخصوصين بها، المقربين عند الله.
وهذا هو أحسن الأعمال التي اختبر الله به عباده بقوله: لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وفي الحديث:«الدنيا مال مَن لا مَالَ لَهُ، لَهَا يَجَمعُ مَن لَا عَقل لَهُ. وعلَيها يُعَادى مَن لا عِلم عِنده» «1» . وفي الزهد والترغيب أحاديث كثيرة مفردة بالتأليف، وبالله التوفيق.
(1) أخرجه الإمام أحمد فى المسند (6/ 71) ، والبيهقي فى شعب الإيمان (باب فى الزهد/ 10637) عن السيدة عائشة.
رضى الله عنها، بدون العبارة الأخيرة.