الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مع بقاء أثره في القلب من ازدياد اليقين، والتعلق برب العالمين. (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) واصطبر أنت عليها، فإن رزقنا يأتيك لا محالة، في الوقت الذي نريده، (لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) لك ولا لأهلك، (نَحْنُ نَرْزُقُكَ) ، لكن رزق المتقين، لا رزق المترفين، (وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) . وبالله التوفيق.
ثم ذكر بعض أقاويل الكفرة، التي أمر عليه الصلاة والسلام بالصبر عليها. أو تقول: ثم ردّ على مَن طلب المعجزة، بعد هذا البيان التام، فقال:
[سورة طه (20) : الآيات 133 الى 135]
وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (135)
يقول الحق جل جلاله: وَقالُوا أي: كفار مكة: لَوْلا: هلاّ يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ تدل على صدقه، أو بآية مما اقترحوها من تفجير الأرض وتسيير الجبال، ولم يعدوا ما شهدوا من المعجزات التي تخر لها الجبال من قبيل الآيات مكابرة وعنادًا. قال تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى أي: أوَ لَمْ يأتهم القرآن الذي فيه بيان ما في الصُحف الأُولى التوراة والإنجيل والزبور، وسائر الكتب السماوية لاشتماله على ما فيها، وزيادة علوم وأسرار. وهذا رد من جهته تعالى لمقالتهم، وتكذيب لهم فيما دسوا تحتها، من إنكار إتيان الآية، بإتيان القرآن الكريم، الذي هو أبهر الآيات، وأسنى المعجزات، وأعظمها، وأبقاها لأن حقيقة المعجزة: اختصاص مدّعي النبوة بنوع من الأمور الخارقة للعادة، أيّ أمر كان، ولا ريب في أنَّ العلم أجلْ الأمور وأعلاها إذ هو أصل الأعمال، ولقد ظهر، مع حيازته لعلوم الأولين والآخرين، على يد أمي، لم يمارس شيئًا من العلوم، ولم يدارس أحدًا من أهلها أصلاً، فأيّ معجزة تراد بعد وروده؟ وأيّ آية ترام مع وجوده؟! وفي إيراده بعنوان كونه بينة لما في الصحف الأولى، أي: شاهدًا بحقية ما فيها من العقائد والأحكام، التي أجمعت عليها كافة الرسل، ما لا يخفى من تنويه شأنه وإنارة برهانه، ومزيد تقرير وتحقيق لإتيانه. وقال بعض أهل المعاني: أو لم يأتهم بيان ما في الكتب الأولى، من أنباء الأمم الذين أهلكناهم، لما سألوا الآيات، فأتتهم، فكفروا بها، كيف عجلنا لهم الهلاك؟ فما يُؤمن هؤلاء، إن أتتهم البينة، أن يكون حالهم كأولئك.
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ في الدنيا بِعَذابٍ مستأصل، مِنْ قَبْلِهِ أي: مِن قبل إتيان البينة، وهو نزول القرآن ومجىء محمد صلى الله عليه وسلم، لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا يدعونا مع كتاب يهدينا، فَنَتَّبِعَ آياتِكَ التي جاءنا بها، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ بالعذاب في الدنيا، وَنَخْزى بدخول النار يوم القيامة، ولكنا لم نهلكهم قبل إتيانها، فانقطعت حجتهم، فإذا كان يوم القيامة قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ «1» .
قُلْ لأولئك الكفرة المتمردين: كُلٌّ أي: كل واحد منكم ومنا، مُتَرَبِّصٌ: منتظر ما يؤول إليه أمرنا وأمركم، (فَتَرَبَّصُوا) فانتظروا. أو كُلٌّ منتظر دوائر الزمان، ولمن يكون النصر، فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ عن قريب مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ أي: المستقيم، أو السواء، أي: الوسط الجيد، وَمَنِ اهْتَدى من الضلالة، هل نحن أو أنتم. والله تعالى أعلم.
الإشارة: لا يُشترط في الولي العارف بالله، الداعي إلى الله، إظهار الآيات، ويكفي، برهانًا عليهم، كونهم على بينة من ربهم، وهداية الخلق على أيديهم، وما أظهروه من علم أسرار التوحيد، ومن فنون علم الطريق، مع كون بعضهم أميين، لم يتقدم له مدارسة علم قط، كما شهدناهم، بعثهم الله في كل عصر، يُعرفون بالله، ويدلون على أسرار ذاته وأنوار صفاته، على سبيل العيان، لتقوم الحجة على العباد، فإذا بُعثوا يوم القيامة جاهلين بالله محجوبين عن شهود ذاته، متخلفين عن مقام المقربين، يقولون: لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً يُعرفنا بك، فنتبع آياتك حتى نصل إليك، من قبل أن نذل بالانحطاط عن درجة المقربين، أو نخزى بإسدال الحجاب. يقول الحق تعالى:
قد بعثتهم، فأنكرتموهم، فإذا اغتروا اليوم، واحتجوا بقول من قال: انقطعت التربية، فقل: كلٌّ متربص فتربصوا، فستعلمون من أصحاب الصراط السَّوي ومن اهتدى. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق، وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليما.
(1) من الآية 9 من سورة الملك.