الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مضاف، أي: من أهل القرية، بدليل قوله: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ: خارجين عن طاعة الله ورسوله.
وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا أي: في أهل رحمتنا، أو جنتنا، إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، فنجيناه جزاء على صلاحه، كما أهلكنا قريته عقابا على فسادهم.
وَاذكر نُوحاً، وقدّم هؤلاء عليه لتعلقهم بإبراهيم، أي: خبره، إِذْ نادى أي: دعا الله تعالى على قومه بالهلاك، أي: اذكر نبأه الواقع وقت دعائه، مِنْ قَبْلُ هؤلاء المذكورين، فَاسْتَجَبْنا لَهُ دعاءه الذي من جملته قوله: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ «1» ، فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ المؤمنين به، من ولده وقومه، مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وهو الطوفان وتكذيب أهل الطغيان. وأصل الكرب: الغم الشديد، وَنَصَرْناهُ نصرًا مستتبعًا للانتقام، مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي: منعناه من إذايتهم، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ، تعليل لما قبله، فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم لأن الإصرار على تكذيب الحق، والانهماك في الشر والفساد، مما يُوجب الإهلاك العام. والله تعالى أعلم.
الإشارة: نبي الله لوط عليه السلام لمَّا هاجر من أرض الظلمة إلى الأرض المقدسة، أعطاه الله العلم والحكمة. فكل من هاجر من وطن الغفلة إلى محل الذكر واليقظة، وهجر ما نهى الله عنه عوَّضه الله علمًا بلا تعلم، وأجرى على لسانه ينابيع الحكمة. قال أبو سليمان الداراني رضى الله عنه: إذا اعتقدت النفس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، وعادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالمٌ علمًا. ومصداقه الحديث:«من عمل بما يعلم، ورثه الله عَلْمَ ما لم يعلم» .
ولمَّا أجهد نفسه في تغيير المنكر نجّاه الله من أذاهم وما لحق بهم، وكذلك نبيه نوح عليه السلام لما دعا قومه إلى الله، وأجهد نفسه في نصحهم، نجاه الله من شرهم، وجعل النسل من ذريته، فكان آدم الأصغر. وهذه عادة الله تعالى في خواصه، يُكثر فروعهم، ويجعل البركة في تركتهم. وبالله التوفيق.
ثم ذكر داود وسليمان- عليهما السلام فقال:
[سورة الأنبياء (21) : الآيات 78 الى 82]
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (82)
(1) من الآية 10 من سورة القمر.
قلت: (وَداوُدَ) : عطف على (نُوحاً) ، أو معمول لاذكر، و (إِذْ يَحْكُمانِ) : ظرف للمضاف المقدر، أي: اذكر خبرهما، و (إِذْ نَفَشَتْ) : ظرف للحكم. (فَفَهَّمْناها) : عطف على (يَحْكُمانِ) فإنه في حكم الماضي.
يقول الحق جل جلاله: وَاذكر خبر داوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ أي: وقت حكمهما فِي الْحَرْثِ أي: في الزرع، أو في الكرم المتدلي عناقيده، والحرث يطلق عليهما، إِذْ نَفَشَتْ: دخلت فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ فأفسدته ليلاً، فالنفش: الرعي بالليل، والهمَلُ بالنهار، وهما الرعي بلا راع. وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ أي: لهما وللمتحاكمين إليهما، أو على أنَّ أقل الجمع اثنان، شاهِدِينَ، كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، لم يغب عنا شيء منه، فَفَهَّمْناها أي: الحكومة، أو الفتوى، سُلَيْمانَ، وفيه دليل على أنَّ الصواب كان مع سليمان.
وقصتهما على ما قال ابن عباس وغيره: أن رجلين دخلا على داود عليه السلام، أحدهما: صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إنَّ هذا نفشت غنمه ليلاً، فوقعت في حرثي، فلم تُبق منه شيئًا، فقال له داود:
اذهب فإن الغنم لك، ولعله استوت قيمتاهما- أي: قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث- فخرج الرجلان على سليمان، وهو بالباب، وكان ابن إحدى عشرة سنة، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه، فقال: يا نبيَّ اللهِ لو حكمت بغير هذا لكان أرفق بالفريقين، قال: وما هو؟ قال: يأخذ صاحبُ الغنم الأرضَ ليُصلحها، حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنمَ ينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا كمل الزرع، رُدت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال داود: وُفقت يا بُني، وقضى بينهما بذلك.
والذي يظهر: أن حكمهما- عليه السلام كان باجتهاد، ففيه دليل على أن الأنبياء يجتهدون فيما لم ينزل فيه وحي، فإنَّ قول سليمان عليه السلام:«هَذَا أرفق» ، وقوله:«أرى أن تدفع..» الخ، صريح في أنه ليس بطريق الوحي، وإلا لبت القول بذلك، ولعله وجه حكم داود عليه السلام قياس ذلك على جناية العبد، فإنَّ العبد فيما جنى. وإذا قلنا: كان بوحي، يكون حكم سليمان ناسخًا لحكم داود عليه السلام.
وأما حُكْم إفساد المواشي للزرع في شرعنا: فقال مالك والشافعي: يضمن أربابُ المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك «1» ، على تفصيل في مذهب مالك فيما أفسدت بالنهار. وقال أبو حنيفة:
لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار لقوله عليه الصلاة والسلام: - «العَجْماءُ جُرْحُها جُبَار» «2» ، ما لم يكن معها سائق أو قائد، فيضمن عنده.
قال تعالى: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً أي: كل واحد منهما آتيناه حكمًا، أي: نبوة، وعلمًا: معرفة بمواجب الحكم، لا سليمان وحده. وفيه دليل على أنَّ خطأ المجتهد لا يقدح في علمه ولا يرفع عنه صفة الاجتهاد.
ثم بيَّن ما اختص به كل واحد منهما من المعجزات، فقال: وَسَخَّرْنا أي: ذللنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ، حال كونها يُسَبِّحْنَ أي: مسبحات ينزهْنَ الله تعالى بلسان المقال، كما سبّح الحصا في كف نبينا عليه الصلاة والسلام. وَسخرنا له الطَّيْرَ كانت تسبح معه. وقدَّم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أغرب وأدخل في الإعجاز لأنها جماد. قال الكواشي: كان داود إذا سبّح سبّح معه الجبالُ والطير، وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر، وكان إذا فتَر من التسبيح، يُسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. ورُوي أنه كان إذا سار سارت الجبال معه مسبحة، قال قتادة:«يُسبحن» ، أي: يصلين معه إذا صلى، وهذا غير ممتنع في قدرة الله تعالى. وفي الأثر:«كان داود يمرُّ، وصِفَاح الروحاءُ تجاوبه، والطير تساعده» .
وَكُنَّا فاعِلِينَ بالأنبياء أمثال هذا وأكثر، فليس ذلك ببدع منا ولا صعب على قدرتنا.
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ أي: صنعة الدروع. واللبوس لغة في اللباس، والمراد: الدرع، لَكُمْ أي: نافع لكم، لِتُحْصِنَكُمْ «3» أي: اللبوس، أو داود. وقرئ بالتأنيث، أي: الصنعة، أو اللبوس بتأويل الدرع. وقرئ بنون العظمة، أي: الله تعالى، وهو بدل اشتمال من «لكم» . وقوله: مِنْ بَأْسِكُمْ أي: من حرب عدوكم، أو من وقع السلاح فيكم، فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ الله على ذلك؟ وهو استفهام بمعنى الأمر للمبالغة والتقريع.
ثم ذكر ما اختص به سليمان عليه السلام فقال: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ أي: وسخرنا له الريح. وإيراد اللام هنا، دون الأولى للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخير ما سخر لسليمان عليه السلام كان بطريق الانقياد الكلي والامتثال لأمره ونهيه، بخلاف تسخير الجبال، لم يكن بهذه المثابة، بل بطريق التبعية والاقتداء. حال كون الريح
(1) عن البراء بن عازب: «كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطا، فأفسدت فيه، فكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى بأن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل» أخرجه أبو داود فى (البيوع، باب المواشي تفسد زرع القوم) وابن ماجه فى (الأحكام، باب الحكم فيما أفسدت المواشي) . [.....]
(2)
أخرجه البخاري فى (الزكاة: باب فى الركاز الخمس) ، ومسلم فى (الحدود، باب جرح العجماء) من حديث أبى هريرة رضى الله عنه.
(3)
قرأ أبو جعفر وابن عامر وحفص «لتحصنكم» بالتاء، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالنون، وقرأ الآخرون (ليحصنكم) بالياء. انظر الإتحاف (2/ 266) .
عاصِفَةً شديدة الهبوب، من حيث إنها كانت تقطع مسافة بعيدة في مدة يسيرة، وكانت رُخاء في نفسها، طيبة، وقيل: كانت رُخاء تارة، وعاصفة أخرى، على حسب ما أراد منها. أو رُخاء في ذهابه وعاصفة في رجوعه لأن عادة المسافرين: الإسراع في الرجوع، أو عاصفة إذا رفعت البساط ورخاء إذا جرت به.
تَجْرِي بِأَمْرِهِ بمشيئة سليمان، إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها بكثرة الأنهار والأشجار والثمار، وهي الشام. وكان منزله بها، وتحمله إلى نواحيها. قال وهب: كان سليمان إذا خرج من منزله عكفت عليه الطير، وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان غزّاءً لا يقصر عن الغزو، فإذا أراد غزوًا أمر فضرب له بخشب، ثم يُنصب له على الخشب، ثم حَمَلَ عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصف فدخلت تحت الخشب فاحتملته، فإذا استقلت، أمر الرخاء فمرت به شهرًا في روحته وشهرًا في غدوته، إلى حيث أراد. هـ.
وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ أي: أحاط علمنا بكل شيء، فنُجري الأشياء على ما سبق به علمنا، واقتضته حكمتنا.
وَمِنَ الشَّياطِينِ، قيل: لمَّا ذكر تسخير الريح- وهي شفافة لا تعقل- ذكر ما هو شفاف يعقل، وهم الشياطين، مع سرعة الحركة في الكل، أي: وسخرنا له من الشياطين مَنْ يَغُوصُونَ في البحار، ويستخرجون لَهُ من نفائسه، كالدر والياقوت، وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ أي: غير ما ذكر من بناء المدن والقصور والمحاريب والتماثيل والقدور الراسيات، وقيل: الحمام، والنورة، والطاحون، والقوارير، والصابون، مما استخرجوه له، وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أن يزيغوا عن أمره، أو يُبدلوا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه، على ما هو مقتضى جبلتهم. وقال الزجاج: كان يحفظهم من أن يُفسدوا ما عملوا، وكان دأبهم أن يُفسدوا بالليل ما عملوه بالنهار. وقيل: وكَّل بهم جمعًا من الملائكة، وجمعًا من مؤمني الجن. رُوي أن المُسَخَّر له عليه السلام: كفارهم، لا مؤمنهم لقوله تعالى:(وَمِنَ الشَّياطِينِ) . والله تعالى أعلم.
الإشارة: قوله تعالى: (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ)، قال الورتجبي: بيَّن، سبحانه، أن الفضل متعلق بفضله، لا يتعلق بالصغر والكبر والشيخوخة والاكتساب والتعلم، إنما الفهم تعريف الله أحكام ربوبيته بنور هدايته، وإبراز لطائف علومه الغيبية، فحيث يظهر ذلك فهناك مواضع الفهوم من العلوم، فهو سبحانه منَّ على سليمان بعلمه، ولم يمنّ عليه بشيء خارج عن نفسه من الملك، والحدثان أفضل من العلم فإنَّ العلم صفة من صفاته تعالى، فلمَّا جعله متصفًا بصفاته منَّ عليه بجلال كبريائه. هـ. وقال في قوله: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً: حُكمًا معرفة بالربوبية، وعلمًا بالعبودية. هـ.