الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا أي: رسولاً لجرْهُم ومن والاهم، مخبرًا لهم بغيب الوحي، وكان أولاده على شريعته، حتى غيرها عَمرو بن لحي الخزاعي، فأدخل الأصنام مكة. فمازالت تُعبَد حتى محاها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بشريعته المطهرة.
وَكانَ إسماعيل يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ، قدَّم الأهل اشتغالاً بالأهم، وهو أن يُقبل بالتكميل على نفسه، ومن هو أقرب الناس إليه، قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «1» ، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ «2» ، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً «3» ، وقصد إلى تكميل الكل بتكميلهم لأنهم قدوة يُؤتَسى بهم.
وقيل: أهله: أمته لأن الأنبياء- عليهم السلام آباء الأمم. وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا لاتصافه بالنعوت الجليلة التي من جملتها ما ذكر من الخصال الحميدة. والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد وصف الحق- جل جلاله نبيه إسماعيل بثلاث خصال، بها كان عند ريه مرضيًا، فمن اتصف بها كان مرضيًا مقربًا: الوفاء بالوعد، والصدق في الحديث لأنه مستلزم له، وأمر الناس بالخير. أما الوفاء بالعهد فهو من شيم الأبرار، قد مدح الله تعالى أهله، ورغَّب فيه وأمر به، قال تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا «4» . وقال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ «5» فإخلاف الوعد من علامة النفاق، قال صلى الله عليه وسلم:
«آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» وخلف الوعد إنما يضر إذا كان نيته ذلك عند عقده، أو فرط فيه، وأما إن كان نيته الوفاء، ثم غلبته المقادير، فلا يضر، لا سيما في حق أهل الفناء، فإنهم لا حكم لهم على أنفسهم في عقد ولا حل، بل هم مفعول بهم، زمامهم بيد غيرهم، كل ساعة ينظرون ما يفعل الله بهم، فمثل هؤلاء لا ميزان عليهم في عقد ولا حل. فمثلهم مع الحق كمثل الأطفال المحجر عليهم في التصرف، ولذلك قالوا:(الصوفية أطفال في تربية الحق تعالى) . فإياك أن تطعن على أولياء الله إذا رأيت منهم شيئًا من ذلك، والتمس أحسن المخارج، وهو ما ذكرته لك، فإنه عن تجربة وذوق. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر نبيه إدريس عليه السلام، فقال:
[سورة مريم (19) : الآيات 56 الى 57]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (56) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (57)
(1) الآية 214 من سورة الشعراء.
(2)
الآية 102 من سورة طه.
(3)
الآية 6 من سورة التحريم.
(4)
الآية 177 من سورة البقرة.
(5)
الآية 91 من سورة النّحل.
يقول الحق جل جلاله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ وهو سبط شيث، وجَدّ أبي نوح، فإنه نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس عليه السلام، واشتقاقه من الدرس لكثرة دراسته لما أوحي إليه، وكثرة ذكره لله تعالى.
رُوِيَ أنه كان خياطًا فكان لا يدخل الإبرة ولا يخرجها إلا بذكر الله. ورُوي أنه جاء إليه الشيطان يفتنه بفستق، فقال له: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في هذه الفُسْتقة؟ فقال له عليه السلام: (الله قادر على أن يدخل الدنيا كلها في سم هذه الإبرة، ونخس عينه) ذكره السنوسي في شرح مقرأه. قال ابن وهب: إنه دعا قومه إلى لا إله إلا الله، فامتنعوا فهلكوا. وفي حديث أبي ذر: أنه رسول، وجمع بينه وبين حديث الشفاعة، وقولهم لنوح: إنك أول رسول، بأن تكون رسالته لقومه خاصة، كهود وصالح، وكذا آدم وشيث، فإنه أرسل لبنيه لتعليم الشرائع والإيمان، ولم يكونوا كفارًا، وخلفه في ذلك شيث، قال المحشي الفاسي: والأظهر عندي في نوح أنه أول رسول من أهل العزم، لا مطلقًا.
قال ابن عطية: والأشهر أن إدريس عليه السلام لم يرسل، وإنما هو نبي فقط، وذهب إلى ذلك ابن بطال، ليسلم من المعارضة، وهي مدفوعة بما ذكرنا. هـ. فالمشهور أن إدريس رسول إلى قومه. رُوي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم والحساب، وخاط الثياب. قيل: وهو أول نبي بُعث إلى أهل الأرض.
قال تعالى في وصفه: إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا: خبران لكان، والثاني مخصص للأول إذ ليس كل صديق نبي. وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا، هو شرف النبوة والزلفى عند الله تعالى. وقيل: علو الرتبة بالذكر الجميل في الدنيا، كما قال تعالى في حق نبينا: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «1» ، وقيل: الجنة، وقيل: السماء الرابعة، وهو الصحيح.
رُوِيَ عن كعب وغيره في سبب رفعه أنه مشى ذات يوم في حاجته، فأصابه وهج الشمس وحرها، فقال: يا رب أنا مشيت يومًا، فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد!، اللهمَّ خَفِّفْ عنه من ثقلها، واحمل عنه حرها، فلما أصبح الملَك وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف، فقال: يا رب كلفتني بحمل الشمس، فما الذي قضيت فيه؟ فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أُخفف عنك حملها وحرّها فأجبته، قال: يا رب اجعل بيني وبينه خُلَّة، فأذن له، حتى أتى إدريس، فقال له إدريس: أخبرت أنك أكرم الملائكة عند مَلَك الموت، فاشفع لي ليؤخر
(1) الآية 4 من سورة الشرح.