الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم بيّن الفصل، الذي يفصل به يوم القيامة بين المؤمنين والكفرة بفرقها الخمس، فقال:
[سورة الحج (22) : الآيات 19 الى 24]
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (23)
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (24)
قلت: خَصْمانِ: صفة لمحذوف، أي: فريقان خصمان، والمراد: فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل: اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا: الجماعة، بدليل قوله:(اختصموا) بالجمع.
يقول الحق جل جلاله: هذانِ خَصْمانِ أي: مختصمان اخْتَصَمُوا أي: فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضى الله عنه: (راجع إلى أهل الأديان المذكورة) فالمؤمنون خَصْمٌ، وسائرُ الخمسة خصمٌ، تخاصموا فِي رَبِّهِمْ أي: في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده، ويُبطل اعتقاد خصمه. وقيل: تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهودُ: نحن أحق بالله وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبل نبيِّكم. وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به حسدًا «1» . وكان أبو ذر يُقسِمُ أنها نزلَتْ في ستة نفر من قريش، تبارَزوا يوم بَدر حمزةُ وعليٌّ، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعةَ، والوليد «2»
. وقال علىّ رضى الله عنه:
إني لأوَّلُ من يجثو بين يدَيِ الله يوم القيامة للخصومة «3»
. هـ.
(1) أخرجه الطبري فى التفسير (17/ 132) عن ابن عباس رضى الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري فى (المغازي باب قتل أبى جهل) ، وفى (تفسير سورة الحج.، باب هذان خصمان اختصموا فى ربهم) ، ومسلم فى (التفسير، باب فى قوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) .
(3)
أخرجه البخاري فى الموضعين السابق ذكرهما، وفى التفسير، عن قيس بن عبادة، عن سيدنا علي- كرّم الله وجهه-.
ثم بيَّن الفصل بينهم، المذكور في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، فقال: فَالَّذِينَ كَفَرُوا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ أي: فصّلت وقُدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبَّر بالماضي لتحقق وقوعه. يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ أي: الماء الحار. عن ابن عباس رضى الله عنه: «لو سقطت منه نقطة على الجبال الدنيا لأذابتها» . يُصْهَرُ: يُذاب بِهِ أي: بالحميم، ما فِي بُطُونِهِمْ من الأمعاء والأحشاء، وَالْجُلُودُ تذاب أيضًا، فيُؤثر في الظاهر والباطن، كلما نضجت جلودهم بُدلت.
وتقديم ما في الباطن للإيذان بأن تأثيرها في الباطن أقوى من تأثيرها في الظاهر، مع أن ملابستها على العكس.
وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ أي: ولتعذيب الكفرة، أو لأجلهم، مقامع: جمع مقمعة، وهي آلة القمع، أي: سيَاط من حديد، يُضربون بها. كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أي: أشرفوا على الخروج من النار، ودنوا منه، حسبما رُويَ: أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا بأعلاها ضُربوا بالمقامع، فَهَوَوْا فيها سبعين خريفًا. وقوله:
مِنْ غَمٍّ: بدل اشتمال من ضمير (منها) بإعادة الجار، والعائد: محذوف، أي: كلما أرادوا أن يخرجوا من غم شديد من غمومها أُعِيدُوا فِيها أي: في قعرها، بأن رُدوا من أعاليها إلى أسافلها، من غير أن يخرجوا منها، وَقيل لهم: ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي: الغليظ من النار، العظيم الإحراق.
ثم ذكر جزاء الخصم الآخر، وهم أهل الحق، فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، وغيَّر الأسلوب فيه، بإسناد الإدخال إلى الله عز وجل، وتصدير الجملة بحرف التأكيد إيذانًا بكمال مباينة حالهم لحال الكفرة، وإظهارًا لمزيد العناية بحال المؤمنين، يُحَلَّوْنَ فِيها من التحلية، وهو التزين، أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى مِنْ أَساوِرَ أي: بعض أساور: جمع سوار، مِنْ ذَهَبٍ للبيان، أي: يلبسون أساور مصنوعة من ذهب، وَلُؤْلُؤاً، من جَرَّهُ: عَطَفَهُ على «ذهب» ، أو «أساور» ، ومَنْ نَصَبَهُ:
فعلى محل «من أساور» ، أي: ويُحَلَّوْنَ لؤلؤًا، أو بفعل محذوف، أي: ويُؤْتَوْنَ لؤلؤًا. وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ:
أبريسِمْ، وغيَّر الأسلوب، فلم يقل: ويلبسون حريرًا لأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق غني عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنما المحتاج للبيان: أيُّ لباس هو، بخلاف الأساور واللؤلؤ، فإنها ليست من اللوازم الضرورية، فجعل بيان حليتهم بها مقصودًا بالذات. انظر أبا السعود.
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ، وهو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله أو: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بدليل قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ «1»
. وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ أي: المحمود، وهو الإسلام. أو:
(1) من الآية 10 من سورة فاطر.