الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلى المحبوب. قال الورتجبي: أوضح سبع طرائق لنا إلى أنوار صفاته السبعة. هـ. وقال القشيري: الحق- سبحانه- لا يستتر من رؤيته مُدْرَكٌ، ولا تخفى عليه من مخلوقاته خافية، وإنما الحُجُبُ على أبصارِ الخَلْق وبصائرهم، والعادةُ جاريةٌ أنه لا يخلق لنا الإدراك لِمَا وراء الحُجُب، ولذلك أدخِلَت الغفلةُ القلوبَ، واستولى عليها الذهول، سدَّت بصائرها، وغيبت فهومها، ففوقها حجب ظاهِرة وباطنة، ففي الظاهر: السموات حجبٌ تحول بيننا وبين المنازل العالية، وعلى القلوب أغشية وأغطية، كالشهوة والأمنية، والإرادات الشاغلة والغفلة المتراكمة.
ثم ذكر أن طرائق المريدين الفَتْرَة، وطرائق الزاهدين ترك عُروق الرغبة. قال: وأما العارفون فربما تظلهم في بعض أحيانهم وقفةٌ في تضاعيف سيرهم إلى ساحات الحقائق، فيصيرون موقوفين ريثما يتفضّلُ الحقُّ- سبحانه- عليهم بكفاية ذلك، فيجدون نفاذاً، ويدفع عنهم ما عاقهم من الطرائق، وفي جميع ذلك فالحق- سبحانه- غير تاركٍ للعبد ولا غافلٍ عن الخلق. هـ.
وقوله: وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ أي: وما كنا غافلين عن إرسال من يخرجهم من تلك الحجب القهرية، بل بعثنا الرسل، وفي أثرهم العارفين الربانيين، يُخرجون من تعلق بهم من تلك الطرائق، ويوصلونهم إلى بحر الحقائق.
وأنزلنا من سماء الغيوب ماء العلم اللدني، فأسكناه في أرض النفوس والقلوب، بقدر ما سبق لكل قلب منيب، وإنا على ذهاب به من القلوب والصدور لقادرون. ولذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، فأنشأنا بذلك العلم في قلوب العارفين جناتِ المعارف من نخيل الأذواق والوجدان، وأعناب خمرة العيان، لكم فيها فواكه كثيرة، أي: تمتع كثير بلذة الشهود، ومنها تتقوت أرواحكم وأسراركم، وشجرة المعرفة تخرج من القلوب الصافية، التي هي محل المناجاة، كطور موسى، أي: تنبت فيها ويخرج أغصانها إلى ظاهر الجوارح، تنبت في القلب بدهن الذوق والوجد، وصبغ للآكلين، أي: المريدين الآكلين من تلك الشجرة، فتصبغ قلوبهم بالمعرفة واليقين.
وقوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً، قال القشيري: الإشارة فيه: أنّ الكدوراتِ الناجمةَ المتراكمةَ لا عِبْرَةَ بها ولا مبالاة، فإنَّ اللَّبنَ الخالص السائغَ يخرجُ من أخلاف الإبل والأنعام، من بين ما ينطوي حواياها عليها من الوحشة، ولكنه صافٍ لم يؤثر فيها بُحكم الجِوار، والصفا يوجد أكثره فى عين الكدورة إذ الحقيقة لا يتعلق بها حق ولا باطل. ومَنْ أَشرف على سِرِّ التوحيد تحقَّقَ بأنَّ ظهور جميع الحدثان من التقدير، فتسْقُط عنه كلفة التمييز فالأسرارُ عند ذلك تصفو، والوقت لصاحبه لا يجفو، (وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ) لازمةٌ لكم، ومتعدية منكم إلى كلِّ متصلٍ بكم. انتهى على لحن فيه، فتأمله.
ولما دكّرهم بالنعم، ذكر من قابلها بالكفران فهلك، فقال:
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 23 الى 30]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)
قلت: ذكر في الحاشية وجوهاً من المناسبة، فقال: لمّا استطرد ذكر الفلك ناسب ذكر نوح إثره، لقوله:(اصْنَعِ الْفُلْكَ)، وأيضاً: هو أبو البشر الثاني، فَذُكِرَ كما ذكر أولاً آدم، في ذكر خلق الإنسان، وأيضاً في ذكر نجاة المؤمنين وفلاحهم، فناسب صدر السورة، وهلاك الكافر وهو ضد المؤمن، كما صرح بذلك في قوله في آخرها:(إنه لا يفلح الكافرون)، وفي النجاة في الفلك مناسبة للنعم المقررة قبل ذكره. هـ. (وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) :«إنْ» : مخففة، واسمها:
ضمير الشأن، واللام فارقة.
يقول الحق جل جلاله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا: وتالله لقد أرسلنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ، وقد مرّ في الأعراف نسبه وكيفية بعثته «1» ، فَقالَ لقومه حين أُرسل إليهم، متعطفاً عليهم، ومستميلاً لهم إلى الحق: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده إذ العبادة مع الإشراك لا عبرة بها، فلذلك لم يقيدها هنا، وقيدها في هود، بقوله: أَنْ لَاّ تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ «2» ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أي: مالكم فى الوجود إله يستحق أن يُعبد غيره، فالرفع على المحل، والجر على اللفظ. أَفَلا تَتَّقُونَ أفلا تخافون عقوبة الله، الذي هو ربكم وخالقكم، إذا عبدتم غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شيء، أو: أفلا تخافون عذابه الذي يستوجبه ما أنتم عليه، كما يُفصح عنه قوله تعالى: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ «3» .
(1) راجع تفسير الآية 59 وما بعدها، من سورة الأعراف.
(2)
من الآية 26 من سورة هود.
(3)
الآية 59 من سورة الأعراف.
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي: أشرافهم لعوامهم: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ في الجنس والوصف، يأكل ويشرب مثلكم، من غير فرق بينكم وبينه، يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أي: يطلب الفضل عليكم، ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية والخضوع للحَجَر، ولم يرضوا بنبوة البشر. ثم قالوا: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً أي: لو شاء الله إرسال الرسل لأرسل رسلاً من الملائكة.
وإنما قال: لأنزل ولم يقل: لأرسل لأنَّ إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، فمفعول المشيئة مطلق الإنزال، أي: لو شاء ربنا إنزال شيء من الوحي لأنزل ملائكة يرسلهم إلينا، ما سَمِعْنا بِهذا أي: بمثل هذا الكلام، الذي هو الأمر بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، أو: ما سمعنا بأنَّ البشر يكون رسولاً، أو بمثل نوح عليه السلام في دعوى النبوة، فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ أي: الماضين قبل بعثة نوح عليه السلام. وإنما قالوا ذلك إما من فرط عنادهم، أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة، وقيل: معناه: ما سمعنا به أنه نبي، إِنْ هُوَ أي: ما هو إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ أي: جنون، أو جن يخبلونه، ولذلك يقول ما يقول. فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ أي: انتظروا واصبروا إلى زمان حتى ينجلي أمره، فإن أفاق من جنونه، وإلا قتلتموه.
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ، لما أيس من إيمانهم دعا الله بالانتقام منهم، فالجملة استئناف نشأ عن سؤال، كأنه قيل: فماذا قال عليه السلام، بعد ما سمع هذه الأباطيل؟ فقيل: قال، لما رآهم قد أصروا على الكفر والتكذيب، وتمادوا في الغواية والضلال، حتى أيس من إيمانهم بالكلية، وقد أوحى إليه أَنَّهُ لِن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَاّ مَن قَدْ آمن:
رَبِّ انْصُرْنِي بإهلاكهم بالمرة، فهو حكاية إجمالية لقوله: لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «1» . بِما كَذَّبُونِ بسبب تكذيبهم إياي، أو بدل تكذيبهم، كقولك: هذا بذلك، أي: بدل ذاك، والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلَوة النصر عليهم.
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أجبنا دعاءه وأوحينا إليه عند ذلك أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا أي: ملتبساً بحفظنا وكلاءتنا، كأنَّ معك حُفاظنا يكلؤونك بأعينهم، لئلا يتعرض لك أحد، يفسد عملك، ومنه قولهم: عليه من الله عيون كالئة، وَوَحْيِنا أي: أمرنا وتعليمنا إياك صنعتها. رُوي: أنه أوحى إليه أن يصنعها مثل جُؤْجؤ الطائر.
وفي القاموس جُؤجؤ- كَهُدْهُد-: الصدرُ. فَإِذا جاءَ أَمْرُنا أي: عذابنا بأمرنا، وَفارَ التَّنُّورُ أي: فار الماء من تنور الخبز، فخرج سبب الغرق من موضع الحرق ليكون أبلغ في الإنذار والإعتبار. رُوي أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأهلك السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته، فركب، وكان
(1) من الآية 26 من سورة نوح. [.....]
التنور تنورَ آدم، فصار إلى نوح، وكان من حجارة. واختلف في مكانه، فقيل: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل، وقيل: بالشام، وقيل: بالهند.
فإذا فار فَاسْلُكْ فِيها: فَأَدْخِلْ في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ من كل أمة اثنين مزدوجين، ذكر وأنثى. قال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيص، فأما البق والدود والذباب، فلم يحمل منه شيئاً، وإنما يخرج من الطير. هـ. وَاحمل في السفينة أَهْلَكَ نساءك وأولادك، أو من آمن معك، إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ أي: القول من الله بهلاكه، وهو ابنه وإحدى زوجتيه، وإنما جيء بعلى لكون السابق ضاراً، كما جيء باللام في قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
…
«1» ، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ «2» لكونه نافعاً، ونحوه: لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ «3» ، وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي: لا تسألني نجاة الذين كفروا، إنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة لظلمهم بالإشراك والإصرار، ومَنْ هذا شأنه لا يُشفع له، وكأنه عليه السلام ندم على الدعاء عليهم، حين تحقق هلاكهم، فهَمَّ بمراجعة الحق فيهم شفقة ورحمة، فَنُهي عن ذلك.
ثم قال له: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فإذا تمكنتم عليها راكبين فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، أُمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم على طريق: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «4» . ولم يقل: فقولوا، وإن كان أهله ومن معه قد استووا معه لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولَهم، مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوة.
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي في السفينة، أو منها مُنْزَلًا مُبارَكاً أي: إنزالاً مباركاً، أو موضع إنزال يستتبع خيراً كثيراً، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ خير من ينزل في كل خير، أُمر عليه السلام بأن يشفع دعاءه بما يطابقه من ثنائه عليه تعالى، توسلاً به إلى إجابة دعائه، فالبركة في السفينة: النجاة فيها، وبعد الخروج منها: كثرة النسل وتتابع الخيرات، إِنَّ فِي ذلِكَ فيما فعل بنوح وقومه لَآياتٍ: لعبراً ومواعظ، وَإِنْ كُنَّا أي: وإن الشأن والقصة كنا لَمُبْتَلِينَ: مُصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد، أو: مختبرين بهذه الآيات عبادنا، لننظر من يعتبر ويذكر، كقوله: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ «5» . والله تعالى أعلم.
(1) مِنْ الآية 101 من سورة الأنبياء.
(2)
الآية 171 من سورة الصافات.
(3)
من الآية 286 من سورة البقرة.
(4)
الآية 45 من سورة الأنعام.
(5)
الآية 15 من سورة القمر.