الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذي قدره في الأزل، واقتضته الحكمة الإلهية، وهو أنه لا تنزل إلا باستئصال العذاب، وقد سبق في العلم القديم إنَّ من ذريتهم من سبقت كلمتنا له بالإيمان، أو يراد بالحق: العذاب، ويؤيده قوله: وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ أي:
ولو نزلت الملائكة لعوجلوا، وما كانوا، إذا نزلت، مُؤخرين عن العذاب ساعة.
ثم رد إنكارهم نزولَ الذكر واستهزاءَهُمْ، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ أي: القرآن، وأكده بأن وضمير الفصل، وحفظه بعد نزوله، كما قال: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من التحريف، والزيادة والنقص، بأن جعلناه معجزاً، مبايناً لكلام البشر، لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان. قال القشيري: نزل التوراة، وَوَكَلَ حفظها إلى بني إسرائيل، بما استُحفظوا من كتاب الله، فحرَّفوا وبَدَّلوا، وأنزل القرآن، وأخبر أنه حافظه، فلا جرم أنه كتاب عزيز، لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه. ويقال: إنه أخبر أنه حافظ القرآن، وإنما يحفظه بقرائه، فقلوبُ القُرَّاءِ هي خزائنُ كتابه وهو لا يضيع حفظة كتابه، فإن في ذلك تضييع كتابه. هـ.
وقال ابن عطية على قوله: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ «1» : ذهبت جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظاً من تلقائهم، وأن ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه. هـ.
الإشارة: كل ما جاء في القرآن من الإنكار على الرسل على أيدي الكفرة وتنقيصهم، والاستهزاء بهم، ففيه تسلية لمن بعدهم من الأولياء. وكذلك ما ذكره الحق تعالى من مقالات أهل الجهل في جانبه كقوله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ «2» ، وقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ «3» ، إلى غير ذلك من مقالات أهل الجهل، فكأن الحق تعالى يقول: لو سَلِم أحد من الناس، لسلمتُ أنا وأنبيائي، الذين هم خاصة خلقي، فليكن بي وبرسلي أسوة لمن أُوذي من أوليائي. وبالله التوفيق.
ثم تمم تلك التسلية، فقال:
[سورة الحجر (15) : الآيات 10 الى 15]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (11) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)
لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)
(1) من الآية 75 من سورة البقرة.
(2)
من الآية 181 من سورة آل عمران.
(3)
من الآية 64 من سورة المائدة.
يقول الحق جل جلاله فى تسلية رسوله- عليه الصلاة والسلام: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رسلاً فِي شِيَعِ: فرق الْأَوَّلِينَ أي: القرون الماضين، جمع شيعة، وهي: الفرقة المتفقة على طريق واحد، وتتشيع لمذهب أو رجل، من شاعه إذا تبعه، أي: نبأنا رجالاً فيهم، وجعلناهم رسلاً إليهم، فكذبوهم واستهزءوا بهم، فكانوا: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ كما يفعل بك هؤلاء المجرمون.
كَذلِكَ نَسْلُكُهُ أي: ندخل الاستهزاء فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. والسلك: إدخال الشيء فى الشيء كالخيط في المخيط، وفيه دليل على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوبهم. وإذا سلك في قلوبهم التكذيب لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أبداً. أو: نسلكه، أي: القرآن مستهزءاً به، أي: مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مُكَذَّباً غير مؤمن به، ثم هددهم على عدم الإيمان به، فقال: وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي: تقدمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء، حتى هلكوا بسبب ذلك، أو مضت سنته في الأولين بإهلاك من كذب الرسل منهم، فيكون وعيداً لأهل مكة.
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أي: على هؤلاء المقترحين المعاندين من كفار قريش، باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ: يصعدون إليها، ويرون عجائبها طول نهارهم، لكذبوا، أو فظلت الملائكة يعرجون فيها وهم يشاهدونهم لقالوا من شدة عنادهم وتشكيكهم في الحق: إِنَّما سُكِّرَتْ: حيرت أَبْصارُنا، فرأينا الأمر على غير حقيقته من أجل السكر الذي أصابنا بالسحر.
ويحتمل أن يكون مشتقاً من السَكر بفتح السين، وهو السد، أي: سُدَّت أبصارنا، ومُنعنا من الرؤية الحقيقية.
بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ سحرنا محمد، كما قالوا عند ظهور غيره من الآيات. قال البيضاوي: وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على جزمهم بأن ما يرونه لا حقيقة له، بل هو باطل خُيّل ما خيل لهم بنوع من السحر. هـ. وذلك من فرط عنادهم، وشقاوتهم. والعياذ بالله.
الإشارة: هذا كله من قبيل التسلية لأهل الخصوصية، إذا قوبلوا بالإنكار والاستهزاء، فيرجعون إلى الله، والاكتفاء بعلمه، والاشتغال بالله عنه. وقد قال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضى الله عنه: عداوة العدو حقاً هي اشتغالك بمحبة الحبيب، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك، وفاتتك محبة الحبيب. وقال الولي الصالح سيدي أبو القاسم الخصاصى رضى الله عنه لبعض تلامذته: لا تشتغل قط بمَن يؤذيك، واشتغل بالله يرده عنك، فإنه هو الذي حرَّكه عليك، ليختبر دعواك في الصدق. وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير اشتغلوا بإيذاء مَن آذاهم، فدام الأذى مع الإثم، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم، وكفاهم أمرهم. هـ.