الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جسم مستدير، وأنهن تسعة، وهل هى السموات السبع، فيكون الكرسي ثامنًا، والعرش تاسعًا، أو غيرهن، فتكون تحت السموات أو فوقها؟ قولان لهم. والمراد هنا: الجنس، كقولك: كَسَاهُمُ الأميرُ حلةٌ، أي: حُلة حُلةً، وجعل الضمير واو العقلاء لأن السباحة حالُهم.
قال في المستخرج من كتاب الغزنوني: «كُلٌّ» أي: كل واحد من الشمس والقمر وسائر السيارة، وإن لم تذكرن لأنه جمعَ قوله:(يُسَبِّحُونَ) والمعنى: يجرون كالسابح، أو يدورون، والسيارة تجري في الفلك على عكس جري الفلك، ولها تسعة أفلاك، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زُحل، والثامن: فلك البروج، والتاسع: الفلك الأعظم. هـ. وقال في سورة يس: خص الشمس والقمر هنا، وفي سورة الأنبياء لأن سيرهما أبدًا على عكس دور الفلك، وسَيْر الخمسة قد يكون موافقًا لسيره عند رجوعها. هـ. والله تعالى أعلم.
الإشارة: أوَ لَم ير الذين كفروا بوجود التربية أن سموات الأرواح وأرض النفوس كانتا رتقًا صلبة، ميتة بالجهل، ففتقناهما بالعلوم وأسرار التوحيد؟ والمعنى: أن بعض الأرواح والنفوس تكون ميتة صلبة، فإذا صَحِبَتْ أهل التربية، انفتقت بالعلوم والأسرار، فهذا شاهد بوجود أهل التربية، ومن قال بانقطاعها فقوله مردود بالمشاهدة.
وجعلنا من ماء الغيب- وهي الخمرة الأزلية- كلَّ شيء حي، أفلا يؤمنون بوجود هذا الماء عند أربابه؟ وجعلنا في أرض النفوس جبالاً من العقول لئلا تميل إلى الهوى فتموت، وجعلنا فيها طُرقًا يسلك منها إلى الحضرة، وهي كيفية الرياضة وأنواع المجاهدة، وهي طرق كثيرة، والمقصد واحد، وهو الوصول إلى الفناء والبقاء، التي هي معرفة الحق بالعيان، وهو قوله تعالى:(لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) إلى الوصول إلى حضرتنا.
وجعلنا السماء، أي: سماء القلوب الصافية، سقفًا محفوظًا من الخواطر والوساوس والشكوك والأوهام والشياطين، قال بعضهم:(إذا كان الحق تعالى قد حفظ السماء بالشهب من الشياطين، فقلوب أوليائه أولى بالحفظ) . وهم عن آياتها، أي: عن دلائل حفظها وصيانتها معرضون لانهماكهم في الغفلة. وهو الذي خلق ليل القبض ونهار البسط وشمس العرفان وقمر توحيد الدليل والبرهان، كلٌّ في موضعه، لا يتعدى أحد على صاحبه، ولكل واحد سير معلوم وأدب محتوم. وبالله التوفيق.
ولمّا قامت الحجة على الكفرة بما ذكرَ من الآيات والدلائل القاطعة، وانقطعوا، قالوا: ننتظر به ريب المنون، فنستريح منه، فأنزل الله تعالى:
[سورة الأنبياء (21) : الآيات 34 الى 35]
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35)
يقول الحق جل جلاله لنبيه- عليه الصلاة والسلام: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أي: البقاء الدائم لكونه مخالفًا للحكمة التكوينية والتشريعية، أَفَإِنْ مِتَّ بمقتضى حكمتنا فَهُمُ الْخالِدُونَ بعدك؟
نزلت حين قالوا: نتربص به رب المنون، فنفى عنه الشماتة بموته، فإن الشماتة بالموت مما لا ينبغي أن يصدر من عاقل، أي: قضى الله ألا يخلد في الدنيا بشرًا، فإن مِّتَّ- يا محمد- أيبقى هؤلاء الكفرة؟ كلا كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي: ذائقة مرارة مفارقتها جسدها، فتستوي أنت وهم فيها، فلا تتصور الشماتة بأمر عام.
وَنَبْلُوكُمْ، الخطاب: إما للناس كافة بطريق التلوين، أو للكفرة بطريق الالتفات، وسمي ابتلاء، وإن كان عالمًا بما سيكون من أعمال العاملين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار، أي: نختبركم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ، أي: بالفقر والغنى، أو بالضر والنفع، أو بالعطاء والمنع، أو بالذل والعز، أو بالبلاء والعافية، فِتْنَةً اختبارًا، هل تصبرون وتشكرون، أو تجزعون وتكفرون. و «فِتْنَةً» : مصدر مؤكد «ل نَبْلُوكُمْ» ، من غير لفظه. وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ لا إلى غيرنا، فنجازيكم على حسب ما يُؤخذ منكم من الصبر والشكر، أو الجزع والكفران. وفيه إيماء إلى أن المقصود من هذه الدنيا: الابتلاء والتعرض للثواب والعقاب. والله تعالى أعلم.
الإشارة: لا بد لهذا الوجود بما فيه أن تنهد دعائمه، وتُسلَب كرائمه، ولا بد من الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار التعب إلى دار الهناء، ومن دار العمل إلى دار الجزاء. فالعاقل من أعرض بكليته عن هذه الدار، وصرف وجهته إلى دار القرار، فاشتغل بالتزود للرحيل، وبالتأهب للمسير، فلا مطمع للخلود في هذه الدار، وقد رحل منها الأنبياء والصالحون والأبرار، وتأمل قول الشاعر:
صبرًا في مجال الموت صبرًا
…
فما نيل الخلود بمستطاع
وقوله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، اعلم أن تخالف الآثار وتنقلات الأطوار على العبد من أفضل المنن عليه، إن صَحِبَتْه اليقظة، فيرجع إلى الله تعالى في كل حال تنزل به، إن أصابته ضراء رجع إلى الله بالصبر والرضا، وإن أصابته سواء رجع إليه بالحمد والشكر، فيكون دائمًا في السير والترقي، وهذا معنى قوله تعالى:
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ أي: بهما. فالرجوع إلى الله في السراء والضراء من أركان الطريق، والرجوع إلى الله في الضراء بالصبر والرضا، وفي السراء بالحمد والشكر، ورؤية ذلك من الله بلا واسطة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:«من ابتلي فَصَبَرَ، وأُعطِي فَشَكَرَ، وظُلِم فغفر أو ظلَم فاسْتَغْفَرْ» ، ثم سكت- عليه الصلاة والسلام فقالوا:
ماله يا رسول الله؟ قال: «أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مهتدون» «1» . وقال صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمرهُ كُلَّهُ خيرٌ، ولَيْسَ ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له» «2» .
(1) عزاه فى الجامع الصغير (ح 8281) ، للطبرانى والبيهقي، عن سخبرة، وحسّنه.
(2)
أخرجه مسلم فى (الزهد، باب: المؤمن أمره كله خير) ، عن صهيب رضي الله عنه.