الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ألهمهم اللهُ في الآخرة أن يقولوا: الحمد لله الذى صدقنا وعده، وهداهم فيها إلى طريق الجنة. وقيل: إلى طريق الوصول إلى الله العزيز الحميد، والله تعالى أعلم.
الإشارة: قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر: الحق تعالى لا يُرى في دار الدنيا، ولا تُمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية: الحق تعالى يُرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يُحاذيه ويسير به، حتى يقول: ها أنت وربك، فحينئذٍ تشرق عليه شموسُ العرفان، فتُغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كُلف أن يرى غيره لم يستطع إذ لا غير معه حتى يشهده.
وقال بعضهم: (مُحال أن تشهده، وتشهد معه سواه) . وفي مناجاة الحكم العطائية: «إلهي، كيف يُسْتَدَلُّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غِبْتَ، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!» . وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه: (أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان) . وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدًا، فمن كفر بها وجحدها قُطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونًا بسرادقات محيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، لا يَرى إلا ظلمة الأكوان، يُصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حَرُّ التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حَيْرَةُ الدَّهَشِ، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له: ذق عذاب الحريق، وهو حِرْمانك من شهود التحقيق.
إِن الله يُدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يُحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهُدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهُدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنّه وكرمه.
ثم شرع فى المقصود من السورة، وهو أحكام الحج، وبدأ بتعظيم البيت تشويقا وترغيبا فى حجه، فقال:
[سورة الحج (22) : الآيات 25 الى 26]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)
قلت: خبر «إن» : محذوف، يدلّ عليه ما بعده، أي: الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم لأنه إذا كان الملحِدُ في الحرم معذّبا فالجامع بين الكفر والصد أَولى. ومن رفع «سواء» جعله خبرًا مقدمًا. و «العاكف» :
مبتدأ. ومن نصبه: جعله مفعولَ «جعل» ، و «العاكف» فاعل به.
يقول الحق جل جلاله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أي: واستمروا على الصد، ولذلك حسن عطفه على الماضي، وَيصدون أيضًا عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ والدخول فيه، كأهل مكة مع المسلمين، الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ أي: مقامًا ومسكنًا للناس، كائنًا من كان، لا فرق فيه بين مكي وآفاقي، وضعيف وقوي، حاضر وباد. فإن أُريد بالمسجد الحرام «مكة» ، ففيه دليل على أن دور مكة لا تُباع، وأن الناس فيها سواء، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها مِلك. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك وغيره: ليست الدور فيها كالمسجد، بل هي مُتَمَلَّكَةٌ. وإن أريد به البيت كان نصًا في إباحته لجميع المؤمنين. وهو مجمع عليه.
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ أي: مستوٍ المقيم فيه وَالْبادِ، أي: المسافر من أهل البادية، وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ أي: في المسجد، إحداث شيء بِإِلْحادٍ أي: بسبب ميل عن القصد، بِظُلْمٍ، وهما حالان مترادفان، أي: ومن يرد فيه إحداث شيء مائلاً عن الحق، ظالمًا فيه، نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ في الآخرة.
وكل من ارتكب فيه ذنبًا فهو كذلك.
وَاذكر يا محمد إِذْ بَوَّأْنا: حين هيأنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ وعيناه له، حتى بناه في مكانه مسامتًا للبيت المعمور، حيث كان بناه آدم عليه السلام، وقد كان رُفع إلى السماء الرابعة، أيام الطوفان، وكان من ياقوتة حمراء، فأعلم اللهُ إبراهيم مكانه، بريح أرسلها، يقال لها: الخَجُوح، فكنست مكان البيت، وقيل: سحابة على قدر البيت، وقيل: كلمته، وقالت له: ابنِ على قَدري. هـ. فبناه على أساسه القديم «1»
، وفي ابن حجر: أنه جعل طوله في السماء تسعة أذرع، ودوره في الأرض ثلاثين ذراعًا بذراعه. وأدخل الحِجْر في البيت، وكان قبل ذلك لغنم
(1) راجع هذه الأقوال فى تفسير الطبري (17/ 143) ، والبغوي (5/ 378) .
إسماعيل. وبنى الحجارة بعضها على بعض، أي: بلا تراب، ولم يجعل له سقفًا، وحفر له بئرًا، عند بابه خزانة للبيت، يُلقي ما يهدى له. هـ.
رُوِيَ أن الكعبة الشريفة بُنيت خمس مرات، إحداها: بنتها الملائكة، وكانت من ياقوتة حمراء، ثم رُفعت أيام الطوفان. والثانية: بناها إبراهيم عليه السلام، وقيل: إن جُرهم كانت بنتها قبله، ثم هدمت، ويدل عليه: التجاء عادٍ إليها، حين نزل بهم القحط. فأرسل الله عليهم الريح، وكان ذلك قبل إبراهيم عليه السلام، والثالثة: بنتها قريش، وقد حضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة. والرابعة: بناها ابن الزبير، والخامسة: الحجاج.
ثم قال تعالى: أَنْ لا تُشْرِكْ أي: وقلنا له: ألا تشرك بِي شَيْئاً، بل خلص عملك في بنائها وغيره، من شوائب حظ النفس، عاجلاً وآجلاً، لا طَمَعًا في جزاء، ولا خوفًا من عقوبة، بل محبة وشكرًا وعبودية. قال القشيري: أي: لا تلاحظ البيت ولا بنيانك. هـ. وقيل: في الآية طعن على من أشرك من قُطَّان البيت، أي: هذا الشرط كان على أبيكم فمَنْ بعده وأنتم، فلم تقبلوه، بل أشركتم وصددتم وألحدتم، فاستحققتم التوبيخ والذم على سلوككم على غير طريق أبيكم.
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ من الأصنام والأقذار، لِلطَّائِفِينَ به وَالْقائِمِينَ للصلاة فيه، أو المقيمين فيه، وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أي: المصلين، جمعًا من راكع وساجد. والله تعالى أعلم.
الإشارة: إِنَّ الذين كفروا بطريق الخصوصية، ويصدون الناس عن الدخول فيها، ويُعوقونهم عن مسجد الحضرة، الذي جعله للناس محلاً تسكن فيه قلوبهم، وتعشش فيه أرواحهم. فكل من قصده وباع نفسه وقلبه لله، وصله ودخله، وهو محل المشاهدة والمكالمة، والمساررة والمناجاة، محل شهود الحبيب والمساررة مع القريب، محل نزهة الأفكار في فضاء الشهود والاستبصار، فمن عاق عنها نذقه من عذاب أليم. وقوله تعالى: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ، قال القشيري: فيه إشارة إلى أن التفاوت إنما يكون في الطريق، وأما بعد الوصول، فلا تفاوت. ثم إذا اجتمعت النفوس، فالموضع الواحد مجمعها، ولكن لكلٍّ حالٌ يُعرف به «1»
. هـ. قلت: مقام التوحيد الخاص، وهو الفناء، هو محل الاجتماع، وتتفاوت بعد ذلك أذواقهم ومواجيدهم، وازدياد كشوفاتهم وترقياتهم، تفاوتًا بعيدًا، على حسب التفرغ والانقطاع، والتأهب والاتباع، حسبما سبقت به القسمة الأزلية.
وقال الورتجبي، على قوله تعالى: (وإذ بوأنا
…
) الآية: هيأ لخليله وجميع أحبائه بيته، ودلَّه إلى ما فيه من الكرامات والآيات، وما ألبسه من أنوار حضرته ليكون وسيلة لعبادته، ومرآة لأنوار آياته. هـ. قلت: الإشارة بالبيت
(1) بالمعنى.