الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النفوس، ولو فعلوا ذلك لضلوا عن طريق العبودية، وتركوا أوامر الله، وأعرضوا عن طاعته، ولزموا المخالفة، ألا ترى الله يقول: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ.
ثم بيَّن سبحانه أن حبيبه- عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى تلك المشاهدة بقوله: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) أي: مما أوضحه أنوار جماله وشاهَدْتَه، وهي طريق معرفته في قلوب الصِّدّيقين للأرواح القدسية. وتلك الطريقة منتهاها المحبة، وبدايتها الأسوة والمتابعة لقوله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «1» . هـ. قلت: المراد بالمحبة محبة الحق لعبده بدليل الآية التي ذكر. وقال ابن عطاء: إنك لتحملهم على مسالك الوصول، وليس كل أحد يصلح لذلك السلوك، ولا يوفق له إلا أهل الإستقامة، وهم الذين استقاموا مع الله ولم يطلبوا معه سواه، ولم يروا لأنفسهم درجة ولا مقاماً. هـ.
قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي: لا يؤمنون بالحياة الآخرة، وهي حياة النفوس بالمعرفة العيانية، بعد موتها بالجهل والوقوف مع الحس والعوائد، ممن لا يصدق بهذه الحياة، وأنكر وجود من يوصل إليها عن طريق الحق الموصلة إليه، لناكبون، فهم في الحيرة والتلف تائهون، عائذاً بالله من ذلك.
ثم ذكر انهماكهم فى الغفلة لسبق القضاء عليهم، فقال:
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 75 الى 77]
وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)
يقول الحق جل جلاله: وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ، كقحط وجدب، لَلَجُّوا: لتمادَوا فِي طُغْيانِهِمْ: إفراطهم في الكفر والعتو والإستكبار وعداوة الرسول- عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، يَعْمَهُونَ: يترددون عامهين عن الهدى. قال ابن عباس: لما أَسْلَمَ ثُمَامَةُ بن أَثالٍ الحنفي، ورجع إلى اليَمَامَةِ، مَنَعَ المِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّة، وَأَخَذَهُمُ الله تعالى بالسنين حَتَّى أَكلَّوا العِلْهِزَ «2» ، جَاءَ أبو سُفْيانَ إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أَنْشدُك الله والرَّحِمَ، ألسْتَ تزعمُ أَنّك بُعثْتَ رَحْمَة للعالَمين؟ قال: بَلَى، قال: قتلتَ الآباءَ بالسَّيف، والأبنَاءَ بالجوعِ، فنزلت «3» . قال ابن جزي: وفيه نظر فإن الآية مكية باتفاق، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بعد الهجرة، حسبما ورد في الحديث. هـ.
(1) فالآية 31 من سورة آل عمران.
(2)
قال فى النهاية: هى شىء يتخذونه فى سنى المجاعة، يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه. انظر النهاية (3/ 293) . والقاموس المحيط (2/ 90) .
(3)
أخرجه البيهقي فى الدلائل (باب سرية نجد) ، والنسائي فى الكبرى (التفسير، سورة المؤمنون) ، وابن جرير فى التفسير (18/ 45) .
قلت: والتحقيق: أن القحط نزل بهم مرتين، أحدهما قبل الهجرة، حين دعا عليهم- صلى الله عليه وسلم بقوله:«اللهم أَعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف» ، فأخذتهم سَنَةٌ حصدت كل شيء، حتى أكلوا الميتة والعظام، وكانوا يرون كهيئة الدخان من الجوع، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادعُ الله يغيثنا، فدعا لهم.. الحديث. وفيه نزل تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ «1» ، الآية، وقوله هنا: وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا
…
الآية. ومرة أخرى بالمدينة حين استغاثوا به عليه السلام وهو يخطب، ولعله هو الذي ذكره ابن عباس في إسلام ثمامة، ولعل قوله:«فنزلت الآية» سهو لأنها نزلت قبل الهجرة، إلاّ أن تكون الآية مدنية في السورة المكية، وقول ابن جزي:«دعا عليهم بعد الهجرة» ، التحقيق: أنه دعا عليهم قبلُ وبعدُ. والله أعلم.
والمعنى: لو رحمناهم، وكشفنا ما بهم من القحط والهزال برحمتنا إياهم، ووجدوا الخصب، لا رتدوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والاستكبار، ولذهب عنهم هذا الخلق والتعلق بك، وهذا كقوله تعالى في الدخان: إِنَّكُمْ عائِدُونَ «2» ، قيل: المراد بالضر: العذاب الأخروي، فيكون كقوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ «3» .
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ، وهو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر، وهو قوله- تعالى- في الدخان:
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى «4» . فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ بذلك، أي: لم يخضعوا ولم يتذللوا. و «استكانوا» :
افتعل من السكون، والألف زائدة، أو استفعل من الكون، أي: انتقل من كون إلى كون، كاستحال، إذا انتقل من حالٍ إلى حال لأن الخاضع ينتقل من كون إلى كون. وَما يَتَضَرَّعُونَ
أي: وليس من حالهم التضرع إليه تعالى، وعبَّر بالمضارع، ليدل على الاستمرار، أي: ليس شأنهم التضرع في هذه الحالة وغيرها، أو: فما استكانوا فيما مضى، وما يتضرعون فيما ينزل بهم في المستقبل، والمعنى: تالله لقد أخذناهم بالعذاب، وقتلناهم بالسيوف، وما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم، فما وُجدت، بعد ذلك، منهم استكانة ولا تضرع.
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ، وهو عذاب الآخرة، إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ: مُتحيرون آيسون من كل خير، وهذا هو الصواب من حمل العذاب على عذاب الآخرة، بدليل وصفه بالشدة والإياس. والله تعالى أعلم.
(1) الآية 10 من سورة الدخان.
(2)
من الآية 15 من سورة الدخان.
(3)
من الآية 28 من سورة الأنعام.
(4)
من الآية 16 من سورة الدخان.