الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمعنى: أفحسِبتُم أنكم خُلِقْتُمْ للعبث فتعبَثوا ولا تعمَلوا بطاعةِ اللَّه؟ {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)} في الآخِرة للجزاءِ والحساب. وقَرأَ حمزة والكسائي
(1)
: {تَرْجِعُونَ} بفتح التاء وكسر الجيم.
رُوِيَ عن عبد اللَّه بن مسعود، أنه مَرَّ بِمُصاب مُبْتَلًى، فقَرأَ في أذُنه:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} حتى خَتَمَ السورةَ فَبَرِئَ، فقال له رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم:"ماذا قرأتَ في أذُنه؟ " فأخبره، فقال:"والذي بعثني نبيًّا، لو أن رجلًا مؤمنًا قرأها على جَبَلٍ لَزالَ"
(2)
.
فصلٌ في ذِكْرِ وجوهِ الحكمةِ في خَلْقِ اللَّهِ تعالى الخَلْقَ على الاختصار
قال المحقِّقون
(3)
: خَلَق اللَّه تعالى الخلْقَ ليدلَّ على وجوده وكمال علمِه وقدرته، إذ لو لم يَخلُق الخلقَ لم يكن لوجودهم معنًى.
وسُئِلَ جَعْفَرُ بنُ محمدٍ الصادقُ
(4)
رضي الله عنه: لِمَ خَلَقَ اللَّهُ تعالى
(1)
وهي أيضًا قراءة خلف ويعقوب، ينظر: السبعة ص 449، 450، الكشف عن وجوه القراءات 2/ 132، حجة القراءات ص 494، تفسير القرطبي 12/ 156، البحر المحيط 6/ 391، الإتحاف 2/ 289.
(2)
رواه الطبراني في كتاب الدعاء ص 331، والعقيلي في الضعفاء الكبير 2/ 164 وقال:"قال أَبي: هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين"، وكذلك أورده ابن الجوزي في الموضوعات 1/ 256، 3/ 211، وينظر: مجمع الزوائد 5/ 115 كتاب الطب/ باب رقية الجنون، الدر المنثور 5/ 17، كنز العمال 1/ 589.
(3)
ينظر: الكشف والبيان 7/ 60.
(4)
هو: جعفر بن محمدٍ الباقرِ بن عَلِيٍّ زينِ العابدين بن الحسين بن عَلِيٍّ رضي الله عنه، أبو =
الخَلْقَ؟ قال: لأن اللَّه عز وجل كان محسنًا بما لم يزَلْ فيما لم يَزَلْ على ما لم يَزَلْ، فأراد سبحانه وتعالى أن يفوِّض إحسانَه إلى خلقه، وكان غنيًّا عنهم، لم يخلُقْهم لِجَرِّ منفعة، ولا لدفع مَضَرّةٍ، ولكنْ خَلَقَهُمْ وأَحْسَنَ إليهم، وأرسل إليهم الرُّسُلَ حتى يفصِلوا بين الحقِّ والباطل، فمن أطاعه كافأه بالجنة، ومن عصاه كافأه بالنار
(1)
.
وقال محمد بن عَلِيٍّ الترمذيُّ
(2)
: إنّ اللَّهَ تعالى خَلَق الخلق عبيدًا ليعبدوه، فيُثِيبَهُمْ على العبادة، ويُعاقِبَهُم على تَرْكها، فإن عبدوه فهم اليومَ عبيدٌ أحرارٌ كرام، وغدًا أحرارٌ وملوكٌ في دار السلام، وإن رفَضوا العبادة فهم اليومَ عبيدٌ أُبّاقٌ سِفْلةٌ لئامٌ، وغدًا أعداءٌ في السجون بين أطباقِ النيران.
وقيل
(3)
: خَلَق اللَّه الملائكةَ للقُدرة، وخَلَق الأنبياءَ للعبرة، وخَلَق آدمَ للمحنة. وقيل: خَلَقهم لإظهار القدرة، ثم رَزَقهم لإظهار الكرم، ثم يميتهم لإظهار القهر والجَبَروت، ثم يُحييهم لإظهار العدل والفضل، والثواب
= عبد اللَّه الصادقُ، سادس الأئمة الاثني عشر، من أجلاء التابعين، أخذ عنه أبو حنيفة ومالك، ولد بالمدينة، وتوفِّي بها سنة (148 هـ). [سير أعلام النبلاء 6/ 255: 270، الأعلام 2/ 126].
(1)
ينظر: الكشف والبيان 7/ 60.
(2)
محمد بن عَلِيِّ بن الحسن بن بشر، أبو عبد اللَّه الحكيم الترمذي، محدث حافظ صوفي، سمع الكثير بخراسان والعراق وقدم نيسابور وحَدَّثَ بها، وتُوُفِّيَ بعد سنة (318 هـ). من كتبه: رياضة النفس، علل العبودية. [حلية الأولياء 10/ 233 - 235، سير أعلام النبلاء 13/ 439 - 442، الأعلام 6/ 272]، وينظر قوله في الكشف والبيان 7/ 60، تفسير القرطبي 12/ 156.
(3)
ينظر: الكشف والبيان 7/ 61.
والعقاب، قال اللَّه تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ. . .} الآية
(1)
.
وقال الأَوْزاعي
(2)
: بَلَغَنِي أنّ في السماء مَلَكًا ينادي كلَّ يوم: ألا ليت الخَلْقَ لم يُخْلَقُوا، وليتَهم إذْ خُلِقُوا عَلِمُوا لماذا خُلِقُوا، وجلسوا فتذاكروا ماذا عملوا.
وكان أبو عبد الرحمن الزاهد
(3)
يقولُ في مناجاته: إلهي، غيَّبْتَ عَنِّي أَجَلِي، وأحصيتَ عَلَيَّ عملي، ولا أدري إلى أيِّ الدارينِ يُصَيِّرُنِي القَدَرُ إنْ أوقفتَنِي موقفَ المحزونين أبدًا ما أبقيتَنِي.
وقال أبو القاسم الحكيم
(4)
: إنّ اللَّهَ تعالى خَلَق ابنَ آدم بين الهوى
(1)
الروم 40، وفي الأصل:"وهو الذي خلقكم".
(2)
هو: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، أبو عمرو الدمشقي، من فقهاء المُحَدِّثينَ، ولد ببغداد، وأقام بدمشق، ثم رابطَ ببيروت إلى أن توفِّي سنة (157 هـ)، من كتبه: السنن في الفقه، المسائل في الفقه. [حلية الأولياء 6/ 135 - 149، سير أعلام النبلاء 7/ 107 - 134، الأعلام 3/ 320]، وينظر قوله في الكشف والبيان 7/ 60، وحكاه القرطبي عن وهب بن منبه في تفسيره 13/ 165، وينظر: البداية والنهاية 9/ 309، وحكاه الهندي عن ابن عمر في كنز العمال 16/ 78.
(3)
هو: عبد اللَّه بن مُنَيَّر أو ابن محمد، أبو عبد الرحمن الزاهد المروزي، ثقة عابد حجة حافظ، كان واسع الرحلة كثير الحديث، توفِّي سنة (241 هـ). [التاريخ الكبير 5/ 212، سير أعلام النبلاء 12/ 316، الأعلام 1/ 538]، وينظر قوله في كتاب الهَمِّ والحَزَنِ لابن أبي الدنيا ص 71.
(4)
هو: إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أبو القاسم الحكيم السمرقندي، قاض حنفي، كان ممن يضرب به المثل في الحلم والحكمة وحسن العشرة، تولى قضاء سمرقند طويلًا، توفِّي سنة (342 هـ)، من كتبه: الصحائف الإلهية، السواد الأعظم. [الأنساب للسمعاني 2/ 243 - 244، الأعلام 1/ 296].
والبَلْوى، فما دام الرَّوح في جسده لا يخلو من البَلْوى، فإذا فارقَت الرُّوح جسدَه صار إلى البِلَى، فأين له السرورُ وهو بين البِلَى والبَلْوَى؟
ومنهم من قال: خَلَقَ اللَّهُ تعالى الخَلْقَ كُلَّهُمْ لأَجْل محمدٍ صلى الله عليه وسلم، يدلُّ عليه ما رُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أَوْحَى اللَّهُ عز وجل إلى عيسى عليه السلام: "يا عيسى، آمِنْ بمحمدٍ، وأْمُرْ أُمَّتَكَ أن يؤمنوا به، فلولا محمدٌ ما خلقتُ آدمَ، ولولا محمدٌ ما خلقتُ الجنةَ والنار، ولقد خلقتُ العرشَ فاضطرب، فكتبتُ عليه: لا إلَه إلّا اللَّه محمدٌ رسولُ اللَّه، فسَكَنَ"
(1)
، واللَّه أعلم.
ثم أمر اللَّه سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستغفرَ للمؤمنين، فقال:{وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)} ؛ أي: وأنت أفضلُ رَحْمةً من الذين يَرْحَمُونَ، واللَّه أعلم.
* * *
(1)
رواه الحاكم في المستدرك 2/ 615 كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين/ باب دلائل النبوة، وينظر: الكشف والبيان 7/ 61.