الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصلٌ
عَن أنسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَعَلَّمِ القُرآنَ وعَلِّمْهُ، ومنْ عَلَّقَ مُصْحَفًا لمْ يَتَعاهَدْهُ ولمْ يَنْظُرْ فِيهِ، جاء يوْمَ القِيامةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يقُولُ: يارَبَّ العالَمِين! عَبْدُكَ هذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ بَيْني وبَيْنَهُ"
(1)
.
وعن حُذَيفةَ، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "قِراءةُ الرَّجُلِ في غَيْرِ المُصْحَفِ أَلْفُ دَرَجةٍ، وفي قِراءَتِهِ في المُصْحَفِ يُضاعَفُ عَلَى ذَلِكَ أَلْفَي دَرَجةٍ"
(2)
.
ثم عَزَّى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} يعني: لا تحزَنْ على ما فَعَلَ قومُكَ، فإنّ الأنبياءَ قبلَك قد لقِيتَ هذا التكذيبَ من قومهم، {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا} مرشدًا لك {وَنَصِيرًا (31)} ناصرًا لك على أعدائك، وهما منصوبانِ على الحال أو التمييز
(3)
.
قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} ؛ أي: هلّا نُزِّلَ عليك القرآنُ في وقتٍ واحد، كما أُنزلت التوراة والإنجيلُ والزَّبُورُ؟ فقال اللَّه تعالى:{كَذَلِكَ} أنزلناه متفرِّقًا {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} لِنُقَوِّيَ به قلبَكَ فيزدادَ بصيرةً {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)} ؛ أي: بيَّنّاهُ بيانًا، وفصَّلناه تفصيلًا، والترتيل: التحقيقُ والتبيين، وهو مصدرٌ جاء على غير الصدر، ونَصْب {جُمْلَةً وَاحِدَةً}: على الحال.
(1)
ينظر: الكشف والبيان 7/ 132، الكشاف 3/ 90، المحرر الوجيز 4/ 209، عين المعاني ورقة 92/ أ، تفسير القرطبي 13/ 28.
(2)
رواه الطبرانِيُّ في المعجم الكبير 1/ 221، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7/ 165 كتاب التفسير: باب القراءة في المصحف وغيره.
(3)
ينظر: معاني القرآن وإعرابه 4/ 66.
قوله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} يضربونه لك فِي إبطال أمرك {إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ} لنبطل به كيدهم {وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)} مما أَتَوْا به من المثل، أي: أحسن بيانًا وكشفًا، والتفسير:"تفعيل"، من الفَسْر، وهو: كَشْفُ ما غُطِّيَ، وهو منصوبٌ على التفسير.
وقوله: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} قال مُقاتلٌ: هم كفارُ مكّة، وذلك أنّهم قالوا لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ: هم شَرُّ خَلْقِ اللَّه، فقال اللَّه تعالى:{جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} يعني: منزلًا ومصيرًا {وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)} يعني: دينًا وطريقًا من المؤمنينَ، ونَصْب {مَكَانًا} و {سَبِيلًا}: على التمييز.
قوله تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ (37)} بالطُّوفان، قال الزَّجّاج
(1)
: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فقد كَذَّبَ جميعَ الأنبياء.
ونَصْب {قَوْمَ نُوحٍ} بإضمار: اذكرْ، أو على العطف على المضمَر في {فَدَمَّرْنَاهُمْ}
(2)
، ويجوز أن يكون معطوفًا على الضمير في {جَعَلْنَاهُمْ}
(3)
، وزَعَم الفَرّاء أنه منصوبٌ بـ {أَغْرَقْنَا}
(4)
، وهذا لا يحصل؛ لأن {أَغْرَقْنَا} ليس ممّا يتَعدَّى إلى مفعولَيْن، فيعملَ في المضمر
(5)
.
وكذلك قوله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ
(1)
معاني القرآن وإعرابه 4/ 67، 68.
(2)
في قوله تعالى: {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} . الآية 36.
(3)
إذا كان يعني أنه معطوف على الضمير فِي {وَجَعَلْنَاهُمْ} الآتي فهذا غير جائز؛ لأنه لا يتقدم المعطوف على المعطوف عليه، كما أنه غير مستقيم من جهة المعنى.
(4)
معاني القرآن 2/ 268.
(5)
قاله النحاس في إعراب القرآن 3/ 161.
كَثِيرًا (38)} عطفٌ على {قَوْمَ نُوحٍ} إِذْ كان {قَوْمَ نُوحٍ} منصوبًا على العطف، أو بمعنى {اذْكُرْ} ، ويجوز أن يكون هذا كله منصوبًا على أنه معطوفٌ على المضمَر الذي في {وَجَعَلْنَاهُمْ} ، وهو أَوْلى؛ لأنه أقربُ إليه
(1)
.
وقَرأَ حفصٌ وحمزةُ: {ثَمُودَ} بغير تنوين، والباقونَ بالتنوين
(2)
، والرَّوسُّ في كلام العرب: كُلُّ محفورٍ، كالبئرِ والمعدِن والقبر ونحوِها، وجَمْعُها: رِساسٌ
(3)
، قال الشاعر:
56 -
تَنابِلةً يَحفِرونَ الرِّساسا
(4)
وقال أبو عُبيدة
(5)
: الرَّسُّ في كلام العرب: كُلُّ رَكِيّةٍ لمْ تُطْوَ بالحجارة
(1)
من أول قوله: "إذ كان قوم نوح" قاله النَّحاس بنصه في إعراب القرآن 3/ 161.
(2)
قرأ ابنُ مسعود وعمرُو بن ميمون والحسنُ وعيسى بنُ عمر، وحَفْصٌ عن عاصم، وحمزةُ ويعقوبُ:{وَثَمُودَ} بغير تنوين، وقرأ الباقون، وأبو بكر عن عاصم:{وَثَمُودًا} بالتنوين، ينظر: السبعة ص 337، إعراب القراءات السبع 1/ 286، التيسير ص 125، البحر 6/ 457، الإتحاف 2/ 308.
(3)
في الأصل: "أرساس".
(4)
هذا عجز بيت من المتقارب، للنابغة الجعدي، وصدره:
سَبَقْتُ إِلَى فَرَطٍ ناهِلٍ
اللغة: الفَرَطُ: المتقدم إلى الماء يتقدم الواردة فيهيئ لهم الأَرْسانَ والدِّلَاءَ ويملأ الحياض ويستقي لهم، الناهل: العطشان، والناهل أيضًا: الرَّيّانُ، وهو من الأضداد، التنابلة: جمع تِنْبال، وهو الزَّرِيُّ القصير والكسلان.
التخريج: ديوانه ص 151، الجيم 2/ 31، مجاز القرآن 2/ 75، 223، تهذيب اللغة 12/ 290، المحرر الوجيز 5/ 158، شمس العلوم 2/ 776، 4/ 2346، تفسير القرطبي 13/ 32، اللسان والتاج: رسس.
(5)
قال أبو عبيدة: "وَأَصْحابَ الرَّسِّ: المَعْدِنُ وكُلُّ رَكيِّةٍ لم تُطْوَ". مجاز القرآن 2/ 223.
والآجُرِّ والخشب. قال الكَلْبيُّ
(1)
: أصحابُ الرَّسِّ أُرْسِلَ إليهم نَبِيٌّ فأكلوه، وهم أولُ من عَمِلَ نساؤُهم بالسحر.
وقال السُّدِّيُّ: الرَّسّ: بئرٌ بأنطاكيةَ قتَلوا فيها حَبِيبًا النجارَ فنُسِبُوا إليها، وهذا قولُ ابن عباس، قال: سألتُ كَعْبًا عن أصحاب الرّسَّ فقال: هم الذين قَتلوا صاحبَ يَس الذي قال: {يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}
(2)
، وَرَسُّوهُ فِي بئرٍ لهم يقال لها: الرَّسُّ؛ أي: دَسُّوْهُ فيها.
وقال وَهبٌ: كانوا أهلَ بئرٍ نُزُولًا عليها وأصحابَ مَواشٍ، فكَذَّبُوا شُعَيْبًا فانهارت البئرُ بهم وبمنازلِهم، فهَلَكوا جميعًا.
قوله: {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ} ؛ أي: بيَّنّا لهم أنّ العذابَ نازِلٌ بهم {وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39)} ؛ أي: أهلَكْنا بالعذاب إهلاكًا، وكلُّ شيءٍ كَسَّرْتَهُ وفتَّتَّهُ فقد تَبَّرْتَهُ، و {كُلًّا}: مفعولٌ مقدَّم، والتقدير: ضربنا كُلًّا، وتبّرنا كلًّا
(3)
.
قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ} يا محمّدُ {إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} ، ثم ذكر ما يقولون من الاستهزاء، فقال تعالى:{أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41)} ؟ استفهامُ إنكارٍ، وأراد: بَعَثَهُ اللَّهُ إلينا رسولًا، ومتى كان العائدُ متّصلًا بفعل وهو مفعول، جاز إثباتُه وحذفه، مثلَ: أَعْجَبَ زيدًا ما كَرِهَ عَمْرٌو وما كَرِهَهُ عَمْرٌو، ومتى كان العائدُ متّصلًا بحرف جَرٍّ أو باسمٍ، لم يَحسُن حذفه مثلَ قولك:
(1)
ينظر: عين المعاني ورقة 92/ ب.
(2)
يَس 20.
(3)
{كُلا} الأول مفعول بفعل مضمر؛ أي: وأنذرنا كُلًّا ضربنا له الأمثال، قاله مَكِّيٌّ في المشكل 2/ 133، وقال المنتجب الهمداني:"وأما {كُلًّا تَبَّرْنَا} فمنصوب بـ {تَبَّرْنَا} ليس إلا؛ لأنه فارغ له عارٍ عن ضميره". الفريد للهمداني 3/ 631.
يعجبُني الذي مررتَ به والذي أنت ضاربُه؛ لأنّ المضافَ يبقى بلا مضافٍ إليه، وحرفُ الجرِّ يبقى بلا مجرور، فإنْ حذفتَ الجارَّ والمجرور أخلَلْتَ بالاسم. ونَصْب {رَسُولًا} على الحال، وقيل: على المصدر وهو بمعنى: رسالة
(1)
.
قوله تعالى: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا} ؛ أي: يُضلُّنا، واللام هاهنا مقحَمةٌ زائدة، وهي مفتوحة
(2)
، والمعنى: لقد كاد محمدٌ أن يصرفَنا عن عبادة آلهتنا {لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} ؛ أي: على عبادتها، وجوابُ "لَوْلَا"
(3)
محذوفٌ، دَلَّ عليه ما قبله
(4)
.
قوله: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} في الآخرة عِيانًا {مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)} ؛ أي: مَنْ أَخْطَأُ طريقًا عن الهُدى، أَهُمْ أم المؤمنون؟ ونَصْب {سَبِيلًا} على التمييز.
قولُه تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلّ (45)} معناه: أَلم تَرَ إلى ربِّك كيف مدَّ الظل؟ وقال مُقاتلٌ: معناه: ألم ترَ إلى فعل ربِّك، فحذف المضاف.
(1)
أي: أنه مصدر من معنى "بَعَثَ"؛ أي: أرسله إرسالًا، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال، أي: ذا رسول، أي: رسالة، ينظر: إعراب القرآن 3/ 162، الفريد للهمداني 3/ 632.
(2)
"إِنْ" هنا هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وهذه اللام هي الفارقة بينها وبين "إنْ" النافية، واللام لازمة عند سيبويه، ينظر: الكتاب 3/ 104، وذهب الكوفيون إلى أن "إِنْ" نافية وأن اللام بمعنى "إلا" وأن المعنى: ما كاد إلا يضلنا. ينظر: مشكل إعراب القرآن 2/ 133، الفريد للهمداني 3/ 23، 24، 632، مغني اللبيب ص 305، 306، وأما كون اللام مقحمة زائدة، كما قال المؤلف، فقد ورد في الجمل المنسوب للخليل ص 263.
(3)
في الأصل: "لو".
(4)
تقديره: لولا صَبْرُنا ثابِتٌ عليها لصُرِفْنا عنها، قاله المنتجب الهمدانِيُّ في الفريد 3/ 632.
وقال الزَّجّاج
(1)
: معناه: ألم تعلَم؟ وهذا من رؤية القلب، وذكروا أن هذا على القلب، تقديرُه: ألم ترَ إلى الظلِّ كيف مَدَّهُ رَبُّكَ؟ وهو: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وإنما جعله ممدودًا لأنه لا شمسَ معه، كما قال في الجنة:{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}
(2)
؛ أي: لم تكن معَه شمسٌ.
قال أبو عُبيدةَ
(3)
: الظِّلُّ: ما تنسَخُه الشمس، وهو بالغَداة، والفَيْء: ما نَسَخَ الشَّمْسَ، وهو بعدَ الزوال، وسُمِّيَ فَيْئًا لأنه فاء من جانب المغرب، أي رَجَع.
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا} ؛ أي: سِتْرًا تستترون به وتسكنون فيه، والمعنى: أنّ ظُلمتَه تَلبَسُ كلَّ شخصٍ وتغشاه كاللباس؛ أي: يشتمل على لابسه.
قوله: {وَالنَّوْمَ سُبَاتًا} ؛ أي: راحةً لأبدانكم وقَطْعًا لعملكم، وأصل السُّبات: القَطْعُ، ومنه: يومُ السَّبت والنِّعالُ السَّبْتِيّةُ
(4)
، ويُقالُ: أَسْبَتَ الرَّجُلُ: إذا اعْتَرَتْهُ سَكْتة، وسَبَتُوا عُنُقَهُ: إذا قَتَلُوهُ، والسُّباتُ مأْخُوذٌ منَ الإِقامةِ وَلُزُوم المكان
(5)
.
قوله: {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)} ؛ أي: يقَظةً وحياةً تنتشرون فيه لأشغالكم وابتغاءِ الرزق، والنُّشورُ هاهنا معناه: التفوق والانبساط بالتصرُّف.
(1)
معاني القرآن وإعرابه 4/ 70.
(2)
الواقعة 30.
(3)
مجاز القرآن 2/ 75، 76.
(4)
النعال السبتية: اللينة المدبوغة التي لا شعر عليها. التهذيب 12/ 388.
(5)
ينظر في هذه المعاني: التهذيب 12/ 386، 387.
قوله: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} وقَرأَ ابن كثيرٍ وحدَه: {الرِّيحَ} على التوحيد
(1)
{بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} هو جَمْع بَشُورٍ، مثلَ: رَسُولٍ ورُسْلٍ
(2)
، وهو منصوبٌ على الحال، وقد ذكرتُ نظيرَها فِي سورة الأعراف
(3)
.
قوله: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48)} ، وهو الطّاهِرُ في نفسه المُطَهِّرُ لغيره، {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} ولم يقُلْ: ميِّتة؛ لأنه رَجَع إلى المكان والموضع
(4)
.
قال كعبُ الأحبار
(5)
: المطر رُوحُ الأرض، والمعنى: لنُحييَ -بالمطر- بلدةً ليس فيها نباتٌ {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49)} قَرأ العامة: {وَنُسْقِيَهُ} بضمِّ النون، ورُوِيَ
(6)
عن عاصم بفتح النون، وهي قراءة عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنه.
والأَناسِيُّ: جَمْع الإنسان
(7)
، فتكونُ الياء بدلًا من النون؛ لأنّ أصلَه:
(1)
ينظر: السبعة ص 173، حجة القراءات ص 511، الإتحاف 2/ 309.
(2)
على هذا فـ "بُشْرًا" مُخَفَّفٌ من "بُشُرٍ"، كما أن "رُسْلًا" مُخَفَّفٌ من "رُسُلٍ".
(3)
يعني قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} الأعراف 57.
(4)
وقال سيبويه: "وقد جاء شيء من "فَيْعِلٍ" في المذكر والمؤنث سواءً، قال اللَّه -جل وعز-:{وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} . الكتاب 3/ 643، وينظر: مجاز القرآن 2/ 76.
(5)
هو: كعب بن ماتع، أبو إسحاق الحميري، تابعي كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، وأسلم في عهد أبي بكر، وقدم المدينة في عهد عمر، فأخذ عن الصحابة، وأخذ عنه الصحابة وغيرهم كثيرًا من أخبار الأمم الغابرة، سكن حمص وتوفي بها سنة (32 هـ)، وقيل: 34 هـ. [سير أعلام النبلاء 3/ 489: 494، الأعلام 5/ 228].
(6)
رواها المفضل عن عاصم، وهي أيضًا قراءة ابن مسعود والأعمش وأبي عمرو وأبي حيوة وابن أبي عبلة والمُطَّوِّعِيِّ، ينظر: مختصر ابن خالويه ص 106، تفسير القرطبي 13/ 56، البحر المحيط 6/ 463، الإتحاف 2/ 359.
(7)
هذا مذهب سيبويه، وأجازه الفرَّاء والزَّجّاج، ينظر: الكتاب 3/ 216، معاني القرآن للفرَّاء =
أَناسِينُ -بالنون- مثلَ: سَراحِينَ جَمْع: سِرْحانٍ، فلما أُلْقِيَت النونُ من آخره عُوِّضَت الياءُ، ولو قيل
(1)
: هو جمع "إِنْسِيٍّ"، فهو أيضًا مذهبٌ صحيحٌ، وهو واحدُ الإنس، جَمْعه على لفظه، مثل: كُرْسِيٍّ وكَراسِيَّ. والإنس: جمع الجنس يكونُ بطرح ياء النسبة، مثلَ: رُومِيٍّ ورُوم
(2)
.
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} ؛ أي: خَلَطَهما وأجراهما وأفاض أحدَهما في الآخر، وأصلُ المَرْجِ: الخَلْطُ والإرسال، ومنه قوله تعالى:{فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ"
(3)
، {هَذَا} يعني: أحد البحرين {عَذْبٌ} طَيِّبٌ، يقال: عَذُبَ الماءُ يَعْذُبُ عُذُوبةً فهو عَذْبٌ {فُرَاتٌ} الفرات: أَعْذَبُ المِياهِ، يقال: فَرُتَ الماءُ يَفْرُتُ فُرُوتةً: إذا عَذُبَ، فهو فُراتٌ، {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} شديدُ المُلوحة، {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا} يعني: البحرَيْن، وهما: بَحْرُ فارِسَ وبَحْرُ الرُّومِ {بَرْزَخًا} حاجزًا من القُدرة {وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)} يعني: سِتْرًا ممنوعًا، كقوله:{حِجَابًا مَسْتُورًا}
(4)
، نظيرها في سورة الرحمن
(5)
.
= 2/ 269، ما ينصرف وما لا ينصرف للزجّاج ص 47، 48، معاني القرآن وإعرابه 4/ 71، وحكاه النَّحاس بغير عزو في معاني القرآن 5/ 35.
(1)
هذا قول الفرَّاء والأخفش والمبرِّد والزَّجّاج ومكِّي، ينظر: معاني القرآن للفرَّاء 2/ 269، 270، معاني القرآن للأخفش ص 422، معاني القرآن وإعرابه 4/ 71، مشكل إعراب القرآن 2/ 134، وقول المبِّرد في معاني القرآن للنَّحاس 5/ 35، إعراب القرآن 3/ 163، وينظر: شرح الشافية للرضِّي 2/ 163، البحر المحيط 6/ 463، الدُّر 5/ 257.
(2)
قال الأزهري: "وقال أبو زيد: إِنْسِيٌّ وِإنْسٌ وجِنِّيٌّ وجِنٌّ وعَرَبِيٌّ وعَرَبٌ". التهذيب 13/ 86.
(3)
ق 5، وجاءت الآية في الأصل هكذا:"بل هم في أمر مريج".
(4)
الإسراء 45.
(5)
وهو قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} الرحمن 19، 20.
قوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} ؛ أي: على تبليغ الوحي والقرآن {مِنْ أَجْرٍ} ، "مِنْ": صلةٌ؛ أي: أَجْرًا {إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)} .
قال أهل المعانِي
(1)
: هذا من الاستثناء المنقطع، مجازه: لَكِنْ مَنْ شاء أن يتَّخذ إلى ربِّه سبيلًا، بإنفاقِهِ مالَهُ في سبيل اللَّه.
قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)} : نَصْبٌ على الحال أو التمييز.
قوله: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} ، محَلُّ {الَّذِي} من الإعراب: الخفضُ: على نعت {الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} ، وقوله:{أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)} قيل
(2)
: معناه: فاسألْ خبيرًا بالرحمن، وقيل: فاسألْ به خبيرًا وهو اللَّه تعالى، وقيل: جِبريل عليه السلام، والباءُ بمعنى:"عَنْ"
(3)
، أي: فاسألْ عنه، كقول الشاعر عَلْقَمةُ ابنِ عَبَدةَ
(4)
:
(1)
ينظر: معاني القرآن للأخفش ص 423، إعراب القرآن 3/ 164 - 165، مشكل إعراب القرآن 2/ 134.
(2)
أي: أن الباء على معناها، وأنها متعلقة بـ {خَبِيرًا} الذي هو مفعول {اسْأَلْ} ، ينظر: التبيان ص 989، الفريد 3/ 637، الدُّر المصون 5/ 260.
(3)
وإذا كانت بمعنى "عَن" فهي متعلقة بـ "اسْأَلْ"، وهذا مذهب الكوفيين والأخفش وابن قتيبة، ينظر: تأويل مشكل القرآن ص 568، معاني القرآن وإعرابه 4/ 73، إيضاح الوقف ص 809، الفريد 3/ 637، الدر المصون 5/ 260.
(4)
علقمة بن عبدة بن ناشرة بن قيس التميمي: شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، كان معاصرًا لامرئ القيس، وله معه مساجلات، ويعرف بعلقمةَ الفحلِ، مات سنة (603 م). [الشعر والشعراء ص 224 - 228، الأعلام 4/ 247].
57 -
فإنْ تَسأَلوني بِالنِّساءِ فإنَّني
…
بَصِيرٌ بِأدواءِ النِّساءِ طَبيبُ
(1)
وفي رَفْع {الرَّحْمَنُ} ثلاثةُ أوجه: يجوز أن يكونَ بدلًا من المضمَر الذي في {اسْتَوَى} ، ويَجوز أن يكون مرفوعًا بمعنى: هو الرَّحمن، ويَجوز أن يكونَ مرفوعًا بالابتداء، وخبره {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} ، ويجوز الخَفْض، بمعنى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ. . . الرَّحْمَنِ، يكونُ نعتًا، ويجوز النَّصب على المدح
(2)
.
قوله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} يعني: لكفّارِ مكة {اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} ما نعرفُ الرَّحمنَ إلّا رَحْمانَ اليمامةِ، يعني: مُسَيْلِمةَ الكذاب، {أَنَسْجُد لِمَا تَأْمُرُنَا} استفهامُ إنكار؛ أي: لا نسجد للرَّحمن الذي تأمُرُنا بالسجود له.
قَرأَه العامةُ بالتاء، وقَرأَ حمزةُ والكسائي وعبدُ اللَّه بن مسعود والأسودُ ابن يزيد
(3)
والأعمَشُ: بالياء
(4)
، والمعنى: أنسجُد لما يَأمُرُنا محمدٌ بالسجود
(1)
من الطويل، ويروى:"خَبِيرٌ بِأَدْواءِ النِّساءِ"، والأدواء: جمع داء وهو اسم جامع لكل مرض وعيب، والشاهد فيه قوله:"بالنساء"، فقد جاءت الباء بمعنى "عن"، والمعنى: عن النساء.
التخريج: ديوانه ص 23، أدب الكاتب ص 397، تأويل مشكل القرآن ص 568، الزاهر لابن الأنباري 1/ 231، الأزهية ص 284، الاقتضاب 2/ 271، 3/ 344، الحلل ص 43، البيان 2/ 207، عين المعاني ورقة 93/ أ، الجنى الداني ص 41، ارتشاف الضرب ص 1698، البحر المحيط 6/ 466، المقاصد النحوية 3/ 16، 4/ 155، همع الهوامع 2/ 338.
(2)
من أول قوله: "وفي رفع الرحمن ثلاثة أوجه" قاله النَّحاس بنصه في إعراب القرآن 3/ 165، وينظر: مشكل إعراب القرآن 2/ 135، الفريد للهمداني 3/ 637.
(3)
الأسود بن يزيد بن قيس، أبو عمرو النخعي الكوفي، أدرك الجاهلية والإسلام: تابعي فقيه ثقة حافظ عابد، كان عالِمَ أهل الكوفة فِي عصره، وتوفي بها سنة (75 هـ). [غاية النهاية 1/ 171، سير أعلام النبلاء 4/ 55، الأعلام 1/ 335].
(4)
ينظر: السبعة ص 466، إعراب القراءات السبع 2/ 123، تفسير القرطبي 13/ 64، البحر المحيط 6/ 466، الإتحاف 2/ 315.
له؛ {وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)} قال مُقاتِل: زادهم ذِكْرُ الرحمن تباعُدًا عن الإيمان.
قوله عز وجل: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} يعني: منازلَ الكواكب السبعة السيّارة، وهي اثنا عشَرَ برجًا: الحَمَلُ والثَّور والجَوْزاءُ والسرطان والأسَد والسُّنبلة والميزان والعقرب والقَوْس والجَدْي والدَّلو والحوت، فالحَمَلُ والعقرب: بَيْتا المِرِّيخِ، والثَّور والميزان: بَيْتا الزُّهَرة، والجَوْزاء والسُّنبلة: بَيْتا عُطارِد، والسرطان: بَيْتُ القمر، والأسد: بَيْتُ الشمس، والقوس والحوتُ: بَيْتا المشتري، والجَدْي والدَّلو: بَيْتا زُحَلَ. وهذه البروجُ مقسومةٌ على الطبائع الأربع، فيكون نصيبُ كلِّ واحدةٍ ثلاثة بروج تسمى المُثَلَّثاتِ، فالحَمَلُ والأسدُ والقوس مُثَلَّثةٌ ناريّة، والثَّور والسُّنبلة والجَدْي مثلَّثةٌ أرضيّة، والجَوْزاء والميزان والدَّلو مثلثةٌ هوائيّة، والسرطانُ والعقرب والحوت مثلَّثةٌ مائيّة
(1)
.
والبروج قيل: هي القصور، دليله قوله تعالى:{وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}
(2)
، قال الأخطل:
58 -
كأنّها بُرجُ رُومِيٍّ يُشَيِّدُهُ
…
بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحجارِ
(3)
(1)
من أول قوله: "منازل الكواكب السبعة" قاله الثعلبي في الكشف والبيان 7/ 143، وينظر أيضًا: عين المعاني ورقة 93/ أ.
(2)
النساء 78.
(3)
البيت من البسيط، للأخطل، يصف ناقته، ونسبه القرطبي لطرفة، وهو خطأ، ورواية العجز فى ديوان الأخطل:
لُزٌّ بجِصٍّ وآجُرٍّ وجَيّارِ
اللغة: الآجر: جمع آجُرّةٍ وهو: ماَ طبخ من الطين، لُزَّ الشيءُ بالشيء: قُرِنَ به وأُلْصِقَ، الجيار: قال ابن الأعرابي: إذا خُلِطَ الرمادُ بالنُّورةِ والجَصِّ فهو الجيار، ينظر: التهذيب: جير. =
وقيل: هي النجوم الكبار، سُمِّيت بروجًا لظهورها، وقيل: هي الشَّرَجُ، وهي أبواب السماء التي تُسمى المَجَرّةُ
(1)
.
قوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا} يعني: في السماء {سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61)} يعني بالسِّراج: الشمس، نظيرها قوله تعالى:{وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}
(2)
، وقَرأ حمزةُ والكسائي:{سِرَاجًا} على الجمع
(3)
، قال الزَّجّاج
(4)
: أراد: الشمسَ والكواكبَ معها.
ودليلُ هذه القراءة قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}
(5)
.
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} أراد: مختلِفةَ الألوان للاعتبار والتفكُّر والتذكر، قال أبو عُبيدة
(6)
: الخِلْفةُ: كلُّ شيءٍ بعد شيء، الليلُ
= التخريج: ديوانه ص 139، جامع البيان 19/ 39، 29/ 298، إعراب القرآن للنحاس 5/ 119، المحرر الوجيز 5/ 425، 460، عين المعاني 93/ أ، تفسير القرطبي 5/ 282، اللسان: جير، التاج: جير.
(1)
ينظر في هذه الأقوال: معاني القرآن للفرَّاء 3/ 252، جامع البيان 19/ 38، 39، معاني القرآن وإعرابه 4/ 72، معاني القرآن للنَّحاس 4/ 15، 5/ 43، تهذيب اللغة 10/ 478، الكشف والبيان 7/ 144.
(2)
نوح 16.
(3)
وقرأ بها أيضًا: ابنُ مسعود والأعمشُ وخَلَفٌ والنخعي وعلقمةُ، وقرأ الأعمشُ والنخعيُّ أيضًا وابنُ وثاب:"سُرْجًا" بإسكان الراء، ينظر: السبعة ص 466، إعراب القراءات السبع 2/ 123، البحر المحيط 6/ 467، الإتحاف 2/ 310.
(4)
معاني القرآن وإعرابه 4/ 74.
(5)
الملك 5.
(6)
مجاز القرآن 2/ 79، ونص كلامه:"خِلْفةً؛ أي: يجيء الليل بعد النهار، ويجيء النهار بعد الليل يَخْلُفُ منه".
خِلْفةٌ للنهار، والنهار خِلْفةٌ لِلَّيْلِ؛ لأنّ أحدَهما يَخْلُفَ صاحبَه، هذا يذهب، وهذا يَجِيءُ، فهما متعاقبان.
وقوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} قرأه العامة بالتشديد على الإدغام، وقرأ حمزةُ مخفَّفًا
(1)
على معنى أنه يَذْكُرُ اللَّه ويسبح فيهما، قال الفَرّاء
(2)
: ويَذْكُرُ ويتذكر يأتيانِ بمعنًى واحد، قال اللَّه تعالى:{وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} واذْكُرُوا ما فِيهِ"
(3)
، وفي حرف عبد اللَّه:{وَتَذَكَّرُوا ما فِيهِ}
(4)
.
وفِي جَعْلِ اللَّهِ تعالى الليلَ والنهارَ مُتَعاقِبَيْنِ يَخْلُفُ أحدُهُما صاحِبَهُ، اعتبارٌ واستدلالٌ على قدرته، ومُتَّسَعٌ لذِكْرِهِ وطاعتِهِ وشكرِهِ، وذلك قوله تعالى:{أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)} يقال: شَكَرَ يَشْكُرُ شُكْرًا وشُكُورًا، قال صاحبُ إنسان العَيْن
(5)
: والشُّكُورُ: إشارة إليه فِي عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لِفَواتِ وِرْدِهِ.
فإنْ فاتَ رَجُلًا من النهار شيءٌ من وِرْدِهِ أَدْرَكَهُ بالليل، وإن فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، وذلك قوله:{لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} .
قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} ؛ أي: رِفقًا بالسَّكينة والوقار والطاعة والتواضع معَ الاستغفار، غيرَ أَشِرِينَ ولا متكبرين ولا
(1)
قرأ بالتخفيف أيضًا: ابنُ مسعود وخَلَفٌ والنَّخَعِيُّ وابنُ وثاب وطلحةُ وزيدُ بنُ عَلِيٍّ والأعمشُ، ينظر: السبعة ص 466، تفسير القرطبي 13/ 67، التيسير ص 164، البحر المحيط 6/ 468، الإتحاف 2/ 310.
(2)
معاني القرآن 2/ 271.
(3)
البقرة 63، والأعراف 171.
(4)
ينظر: معاني القرآن للفرَّاء 1/ 29، مختصر ابن خالويه ص 14، البحر المحيط 1/ 407.
(5)
ينظر: عين المعاني ورقة 93/ أ.
مَرِحِينَ ولا مفسِدين، والهَوْنُ في اللغة: الرُّفق واللين، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما عسى أن يكون بغيضَكَ يومًا ما، وأَبْغِضْ بغيضَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكون حبيبَكَ يومًا ما"
(1)
، والهَوْنُ: مصدر الهَيِّن في السكينة والوقار، يقال: فلانٌ يمشي هَوْنًا: إذا كان يمشي في اقتصاد وتواضع وسَكِينة ووقار.
قوله: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ} يعني: السُّفهاءَ بما يكرهونَه {قَالُوا سَلَامًا (63)} نَصْبٌ على المصدر؛ أي: سلَّموا عليهم سلامًا، وقال طاهر ابن أحمد
(2)
: ليس المرادَ بالسلام في الآية الكرامةُ والتحيّة، وإنما المرادُ به التَّبَرُّؤُ والتَّخْلِيةُ؛ لأنه خطابُ المؤمنين للجاهلين، كأنهم قالوا: تَبَرَّأْنا منكم تَبَرُّؤًا، وسُلِّمْنا منكم تَسْلِيمًا، فأَوْقَعَ السلامَ موقعَ التسليم، فانتصب بانتصابه، فلذلك وجب نصبه.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)} هذا وَصُفُ لَيْلِهِمْ، قال الزَّجّاج
(3)
: كُلُّ مَنْ أدركه الليل فقد بات يبيت، نام أو لم يَنَمْ، يقال: بات فلانٌ قَلِقًا، والمعنى: يَبيتون لربِّهم بالليل فِي الصلاة سُجَّدًا وقيامًا، قال ابن عباس
(4)
: مَن صلَّى بالليلَ ركعتَيْنِ أو أكثرَ فقد بات للَّه -سبحانه- ساجدًا وقائمًا، وهما منصوبانِ على الحال.
(1)
رواه الترمذي في سننه 3/ 243 أبواب البر والصلة: باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض، والطبرانِيُّ في المعجم الأوسط 3/ 357، 5/ 213، 6/ 201، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 88 كتاب الأدب: باب "أحبب حبيبك هونًا ما"، وذكر الهيثمي أنه ضعيف، وذكره الفتني في تذكرة الموضوعات ص 199.
(2)
في شرح جمل الزَّجّاجي 2/ 152.
(3)
معاني القرآن وإعرابه 4/ 75.
(4)
ينظر: عين المعاني ورقة 93/ أ.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)} ؛ أي: مَلْجَأً دائمًا لازمًا، غيرَ مُفارِقٍ مَن عُذِّبَ به من الكفار، ومنه سُمِّيَ الغَريمُ غريمًا؛ لِطَلَبِهِ حَقَّهُ وإِلْحاحِهِ على صاحبه وملازمتِهِ إِيّاهُ، ويقال: فلانٌ مُغْرَمٌ بفلان: إذا كان مُولَعًا به، لا يصبر عنه، ولا يفارقه
(1)
، قال الأعشى:
59 -
إنْ يُعاقِبْ يكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْـ
…
طِ جَزِيلًا فإنَّنا لا نُبالِي
(2)
قوله تعالى: {إِنَّهَا} يعني: جهنَّم {سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)} ؛ أي: بئس موضعَ قرارٍ وإقامة، من: أقام يُقيم، وإذا فُتِحت الميم فهو المجلس، من: قام يقوم، وهما نَصْبٌ على التفسير.
قوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} يقال: قَتَرَ الرَّجُلُ على عياله يَقْتُرُ ويَقْتِرُ قَتْرًا، وأَقْتَرَ إقتارًا: إذا ضَيَّقَ عليهم ولم يُنفقْ إلّا قَدْرَ ما يمسك الرَّمق.
قَرأَ نافعٌ وابنُ عامر بضمِّ الياء وكسر التاء، وقَرأ أبو عَمْرو وابنُ كثير بفتح
(1)
قاله الأزهري في التهذيب 8/ 131.
(2)
البيت من الخفيف، للأعشى من قصيدة يمدح بها الأسودَ بنَ المنذر، ويستعطفه ليعفو عن ذبيان، ورواية ديوانه وغيره من المصادر:"فإنَّهُ لَا يُبالي".
التخريج: ديوانه ص 59، مجاز القرآن 1/ 325، 2/ 80، الزاهر لابن الأنباري 1/ 239، إعراب القرآن للنَّحاس 4/ 341، تهذيب اللغة 8/ 131، المخصص 4/ 62، 12/ 98، المحرر الوجيز 5/ 249، زاد المسير 4/ 316، عين المعاني ورقة 93/ أ، البحر المحيط 6/ 470، 8/ 211، اللسان: غرم، الدر المصون 6/ 264، اللباب في علوم الكتاب 18/ 422، التاج: غرم.
الياء وكسر التاء
(1)
، وقرأ الباقونَ بفتح الياء وضم التاء، قال أبو عُبيد
(2)
: هي ثلاثُ لغات، معناها: لم يُضيِّقوا في الإنفاق.
{وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ} ؛ أي: وكان الإنفاق بين الإسراف والإقتار {قَوَامًا (67)} لا إسرافًا يدخل به في حدِّ التبذير، ولا تضييقًا يصير به فِي حَدِّ المنع لِما يجِبُ، وهذا هو المحمُودُ من النفقة، وقال قَتادة: الإسراف: النفقة في معصية اللَّه، والإقتار: الإمساك عن حقِّ اللَّه، والقَوامُ من العيش: ما أقامك وأغناك.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} يعني: هذه الخِصالَ جميعًا {يَلْقَ أَثَامًا (68)} ؛ أي: عقوبةً وجزاءً لِما فَعَلَ، وهو شرطٌ ومجازاة، والأثام: الإثم، قال الفَرّاء
(3)
: أَثَمَهُ اللَّهُ يأثِمُهُ إِثْمًا وأَثامًا؛ أي: جَزاهُ جَزاءَ الإثم، قال عامر بن الطفيل
(4)
:
(1)
قرأ بضم الياء وكسر التاء أيضًا: الكسائيُّ عن أبي بكر عن عاصم، وأبو جعفر وأبو عبد الرحمن السلمي، وقرأ بفتح الياء وكسر التاء أيضًا: يعقوبُ والحسنُ وابنُ محيصن واليزيديُّ ومجاهدٌ، ينظر: السبعة ص 466، إعراب القراءات السبع 2/ 124، 125، حجة القراءات ص 513، تفسير القرطبي 13/ 74، البحر المحيط 6/ 471، الإتحاف 2/ 311.
(2)
ينظر قوله في الوسيط للواحدي 3/ 346.
(3)
ينظر قوله في تهذيب اللغة 15/ 160.
(4)
عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر، أبو علي العامري، فارس قومه وأحد فُتّاكِ العربِ وشعرائهم وسادتهم في الجاهلية، ولد ونشأ بنجد، أدرك الإسلام شيخًا، فوفد على النبي يريد الغدر به، فلم يجرؤ عليه، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فلم يسلم، ومات وهو عائد لقومه سنة (11 هـ). [الشعر والشعراء ص 341 - 343، الأعلام 3/ 252].
60 -
ورَوَّيْنا الأَسِنّةَ مِن صُداءٍ
…
ولاقَتْ حِمْيَرٌ مِنّا أَثاما
(1)
وقال المفسِّرون
(2)
: أثامٌ: وادٍ في جهنَّم من دم وقَيْح.
ثم ذكر ما يُجازَى به، وفَسَّرَ لُقِيَّ الأثام بقوله:{يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وهو بدَلٌ من قوله: {يَلْقَ أَثَامًا} ؛ لأن لُقِيَّ الأثام مضاعفةُ العذاب
(3)
، وهو بدَلُ فعلٍ من فعل، قال الشاعر:
61 -
مَتَى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا في دِيارِنا
…
تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا
(4)
(1)
البيت من الوافر، لعامر بن الطفيل يفخر بانتصار قومه في يوم شعب جَبَلةَ، ورواية ديوانه:
وطَحْطَحْنا شَنُوءةَ كُلَّ أَوْبٍ
…
ولَاقَتْ حِمْيَرٌ مِنّا غَراما
اللغة: طَحْطَحَ بهم: بَدَّدَهُمْ وأهلكهم، شَنُوءةُ: يعني: الأزد، الأوب: الرجوع والسرعة.
التخريج: ديوانه ص 109.
(2)
قاله ابن عمر، ينظر: عين المعاني ورقة 93/ أ.
(3)
قال سيبويه: "وسألته [يعني الخليل] عن قوله -جل وعز-: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} فقال: هذا كالأول؛ لأن مضاعفة العذاب هو لُقِيُّ الأَثامِ، ومثل ذلك من الكلام: إِنْ تَأْتِنا نُحْسِنْ إليك نُعْطِكَ ونَحْمِلْكَ. تفسر الإحسان بشيء هو هو، وتجعل الآخر بدلًا من الأول". الكتاب 3/ 87، وينظر أيضًا: المقتضب للمبرِّد 2/ 61.
(4)
البيت من الطويل، لعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ الحُرِّ الجُعفيِّ، من قصيدة قالها لما حبسه مصعب بن الزبير، وصدره يُرْوَى بروايات مختلفة.
اللغة: تُلْمِمْ بنا: تنزل بنا، الحطب الجَزْلُ: اليابس، وقيل: ما عظم منه ويبس، وقوله:"تأججا" ذَكَّرَ الفعل لأن النار في تأويل الشهاب، أو أن الأصل "تأجَّجَنْ" بنون التوكيد الخفيفة فأبدل منها ألفًا.
التخريج: ديوانه ص 257، الكتاب 3/ 86، معاني القرآن للأخفش ص 473، المقتضب 2/ 61، الزاهر 2/ 103، إعراب القرآن للنَّحاس 2/ 365، شرح أبيات سيبويه 2/ 66، سر صناعة الإعراب ص 678، شرح المفصل 7/ 53، 10/ 20، شرح التسهيل لابن مالك 3/ 341، رصف المباني ص 32، 335، اللسان: نور، الدر المصون 6/ 212، اللباب في علوم الكتاب 18/ 196، خزانة الأدب 5/ 204، 9/ 96، 99.
مجازُه: متَى تأْتِنا، ومتى تُلممْ بنا؛ لأن الإلمامَ هو: الإتيان، وإنما قال:"تأجَّجا"، ولم يقل: تأجَّجَتْ، والنارُ مؤنَّثة؛ لأنه أراد: وَقودًا ولَهَبًا، والمذكر يغلِب المؤنث.
قوله: {وَيَخْلُدْ فِيهِ} يعني: في العذاب {مُهَانًا (69)} : عطفٌ على قوله: {يُضَاعَفْ} ، قرأهما العامّةُ بجزم الفاءِ والدال على جواب الشرط، ورفعهما ابنُ عامر وأبو بكر عن عاصم على الابتداء، غيرَ أنّ ابن عامر حذف الألف من {يُضَاعَفْ} هو وشدَّد العين على أصله، وكذلك ابنُ كثير أيضًا يحذف الألف ويشدِّد العين على أصله
(1)
، وقَرأَ ابنُ كثيرٍ وحفص:{فِيهِي مُهَانًا} بوَصْل الهاء بياء
(2)
، وهو منصوبٌ على الحال.
ثم اسْتَثْنَى، فقال تعالى:{إِلَّا مَنْ تَابَ} من ذنبِه {وَآمَنَ} بربِّه {وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} فيما بينَه وبينَ اللَّه {فَأُولَئِكَ} يعني: أهلُ هذه الصفة {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} التبديلُ في الدنيا: طاعة اللَّه بعد عصيانه، وذكر اللَّه بعد نسيانه {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)} لذنوب التائبين.
(1)
تفصيل هذه القراءات: أن ابن عامر قرأ: {يُضَعَّفُ. . . وَيَخْلُدُ} بالرفع فيهما وتشديد العين من {يُضَعَّفُ} ، وقرأ أبو بكر عن عاصم:{يُضاعَفُ. . . وَيَخْلُدُ} بالرفع فيهما وبالألف في {يُضاعَفُ} ، وأما ابن كثير فإنه قرأ:{يُضَعَّفْ. . . وَيَخْلُدْ} بالجزم فيهما وتشديد العين من {يُضَعَّفْ} ، ووافقه أبو جعفر والحسن ويعقوب، وقرأ الباقون وحفصٌ عن عاصمٍ:{يُضَاعَفْ. . . وَيَخْلُدْ} بالجزم فيهما وبالألف في {يُضَاعَفْ} ، ينظر: السبعة ص 467، إعراب القراءات السبع 2/ 126، 127، حجة القراءات ص 514، تفسير القرطبي 13/ 76 - 77، البحر المحيط 6/ 472، الإتحاف 2/ 311.
(2)
وقرأ الباقون باختلاس الكسرة، ينظر: السبعة ص 467، إعراب القراءات السبع 2/ 127، الإتحاف 2/ 311.