الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومفعولُ الإنزال محذوفٌ، التقدير: ويُنَزِّلُ من السماء من جبالِ بَرَدٍ فيها بَرَدًا، فاستغنَى عن ذكرِ المفعول للدِّلالة عليه، فـ {مِنْ} الأولى: للغاية؛ لأنّ ابتداءَ الإنزال من السماء، والثانيةُ: للتبعيض؛ لأن البَرَدَ بَعْضُ الجِبالِ التِي في السماء، والثالثةُ: لتبيين الجِنس؛ لأنّ جنسَ تلك الجبال جنسُ البَرَد، فالأُولَيانِ متعلِّقتان بـ {يُنَزِّلُ} ، والثالثة متعلِّقةٌ باستقرارٍ محذوف
(1)
.
وقوله تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} ؛ أي: ضوء برق السحاب {يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)} من شدة ضوئه وبرقه، والسنا: الضوء وهو مقصور، والسَّناءُ ممدودًا: الرِّفْعةُ
(2)
.
وقوله: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} يعني: اختلافَهما بالمجيء والذهاب، يأتي بالليل، ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار، ويذهب بالليل، سحابًا مرةً، وصَحْوًا مرةً، وأحيانًا مطرًا، وأحيانًا شمسًا، وحرًّا مرةً، وبردًا مرةً، وضوءًا مرةً، وظُلمةً مرةً، كلُّ ذلك في يوم واحدٍ وفي ليلةٍ واحدة، يقلِّبُ اللَّه الليلَ والنهار ضروبًا. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الذي ذكره من صُنعِه {لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44)} يعني: لَدِلالةً لأهل العقول والبصائر في أمر اللَّه تعالى، وفي قدرته وتوحيده.
فصل
عن أبي هريرةَ، قال: قال اللَّه تعالى: "يؤذْيني ابنُ آدم، يَسُبُّ الدهرَ وأنا
(1)
من أول قوله: "فـ "مِن" الأولى للغاية. . . إلخ" قاله طاهر بن أحمد في شرح الجمل 1/ 139، وينظر في هذه المسألة: إعراب القرآن 3/ 142، المسائل المشكلة ص 241 - 244، مشكل إعراب القرآن 2/ 124، الكشاف 3/ 70، 71، التبيان ص 974، الفريد للهمداني 3/ 610، البحر المحيط 6/ 426، الدر المصون 5/ 225.
(2)
ينظر: المقصور والممدود للفراء ص 37، المقصور والممدود لابن ولاد ص 53، 54.
الدهرُ، بِيَدِي الأمرُ، أقلِّبُ الليلَ والنهار"
(1)
. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} .
قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} يعني: كلَّ حيَوانٍ يُشاهَدُ في الدنيا، ولا يدخُل الملائكةُ والجنُّ في هذا؛ لأنا لا نشاهدُهم. وهذه قراءةُ العامة، وقَرأَ حمزةُ والكسائي
(2)
: {وَاللَّهُ خَلَقَ} على وزن فاعِل {كُلَّ دَابَّةٍ} بخَفْض {كُلَّ} على الإضافة.
وقوله: {مِنْ مَاءٍ} ؛ أي: من نُطفةٍ {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} كالحيّات والهوامِّ والحيتان {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ} كالإنسان والطير {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ (45)} كالبهائم والأنعام، قال المبرّد
(3)
: قوله: {كُلَّ دَابَّةٍ} يريدُ: الناسَ وغيرَهم، وإذا اختَلطَ النوعانِ حُمِلَ الكلامُ على الأغلب، ولذلك قال:{مِنْ} لغيرِ ما يَعقِل.
وقال طاهر بن أحمدَ في شرح الجُمَل
(4)
: فإنه لمّا وقَع في الآية عمومٌ تَناوَلَ مَنْ يَعْقِلُ وما لا يعقل [غُلِّبَ من يعقل]
(5)
.
وقال موسى بن أحمدَ
(6)
في شرح اللُّمَع: {مِنْ} بفتح الميم: اسمٌ
(1)
رواه البخاري في صحيحه 6/ 41 كتاب التفسير: سورة الجاثية، 8/ 197 كتاب التوحيد، ورواه مسلم في صحيحه 7/ 45 كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها: باب النهي عن سب الدهر.
(2)
وهذه أيضًا قراءة ابن مسعود والأعمش وابن وثاب وخلف، ينظر: السبعة ص 457، إعراب القراءات السبع 2/ 110، 111، حجة القراءات ص 502، تفسير القرطبي 12/ 291، البحر المحيط 6/ 427، الإتحاف 2/ 300.
(3)
المقتضب 2/ 49، 50، الكامل في اللغة والأدب 2/ 276.
(4)
شرح جمل الزجاجي 1/ 38.
(5)
زيادة يقتضيها السياق.
(6)
هو: موسى بن أحمد بن يوسف التباعي اليمني الفقيه الشافعي، أبو عمران الوُصابِيُّ، =
ناقصٌ مبنيٌّ على فتح الميم وسكونِ النُّون، يُستعمَلُ فيمن يَعقِل خاصةً، وقد يُستعمَلُ نادرًا فيما لا يَعقِل، كقوله تعالى:{فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} .
ومحَلُّ {مَنْ} : رفعٌ في الجميع على خبرِ الصِّفة.
قوله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ} يعني: المنافقين {يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)} ؛ أي: مسرِعينَ مطيعينَ مقرِّينَ خاضِعين منقادين لحُكمِه، يعني: النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو منصوبٌ على الحال، قال الزَّجّاج
(1)
: الإذعان: الإسراعُ مع الطاعة، يقال: أَذْعَنَ لِي بِحَقِّي: أي: طاوَعَنِي لِما كُنْتُ ألتمسُ منه، فأسرع إليه.
أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى أنّ المنافقينَ يُعْرِضُونَ عن حُكْمِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم لِما يعلمون أنه حُكْمٌ بالحق، فإذا كان لهم على غيرهم أسرَعوا إلى حُكمِه لثقتِهم بأنه كما يَحكُم عليهم بالحقِّ يَحكُم لهم أيضًا بالحق.
ثم أَخْبر اللَّه تعالى بما في قلوبهم من الشكِّ، فقال:{أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ؛ أي: شكٌّ {أَمِ ارْتَابُوا} يعني: شَكُّوا في القرآن، وهذا استفهام ذَمٍّ وتوبيخ {أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} الحَيْفُ: الميل في الحكم، يقال: حافَ الحاكمُ في قَضِيَّيهِ؛ أي: جارَ ومالَ فيما حَكَمَ {بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)} ؛ أي: لا يَظْلِمُ اللَّهُ ورسولُهُ في الحكم، بل هم الظالمون أنفُسَهم بالكفر والإعراض عن حكم الرسول.
= صَنَّفَ شرح اللمع في أصول الفقه لأبِي إسحاق الشيرازي، وأقبل عليه الناس في أيامه، توفِّي سنة (620 هـ). [هدية العارفين 2/ 479، الأعلام 7/ 319، معجم المؤلفين 13/ 35].
(1)
معاني القرآن وإعرابه 4/ 50.
ثم نَعَت اللَّهُ الصادقينَ في إيمانهم، فقال تعالى:{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (51)} يقولون: سَمِعنا قولَ النبي صلى الله عليه وسلم، وأطَعْنا أمرَه، وإن كان ذلك فيما يكرهونَه ويَضُرُّهُم، ونَصْبُ القول على خبر {كَانَ} ، واسمُها في قوله تعالى:{أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ، ومن قَرأَ بالرَّفع
(1)
جَعَله اسمَ {كَانَ} ، و {أَنْ يَقُولُوا} خبَره
(2)
.
ثم أَثْنى على من أطاعهما، فقال:{وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} قال ابن عباس: يريد: فيما ساءَهُ وسَرَّهُ {وَيَخْشَ اللَّهَ} في ذنوبه التي عملها {وَيَتَّقْهِ} فيما بَعْدُ، فلم يَعصِه {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)} شرطٌ وجزاء.
وعدَمُ الإشباع في هاءِ {وَيَتَّقْهِ} على نيّةِ ثبوتِ الياء، فإنّ الأصل: يتَّقيهِ، والجَزْم لأنّ الحركةَ والإشباع زائدتان، تقول العرب: هَذِهْ أَمةُ اللَّهِ: في الوصل
(3)
، وجَزْمُ القافِ تَخْفِيفٌ، نحو: فَخْذٍ وفَخِذٍ
(4)
.
(1)
قرأ برفع القول عَلِيُّ بنُ أبِي طالب والحسنُ بخلاف عنه وابن أبي إسحاف، ينظر: مختصر ابن خالويه ص 104، المحتسب 2/ 115، 116، تفسير القرطبي 12/ 295، البحر المحيط 6/ 429، الإتحاف 2/ 300، 301.
(2)
ذكر سيبويه أن اسم "كان" وخبرها إذا كانا معرفتين -كما هو هنا- فأنت بالخيار في جعل أحدهما اسمها والآخر خبرها، ينظر: الكتاب 1/ 49، 50، ولكن ابن جني قال:"أقوى القراءتين ما عليه الجماعة من نصب القول، وذلك أن في شرطِ اسم "كان" وخبرها أن يكون اسمها أعرف من خبر ها، وقوله تعالى:{أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أَعْرَفُ من: {قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ} . المحتسب 2/ 115، 116، وينظر: الكشاف 3/ 72، البحر المحيط 6/ 429.
(3)
قال سيبويه: "إلا أن من العرب من يسكن هذه الهاء في الوصل، تشبيها بميم "عليهم" و"عليكم". . .، سمعت من يوثق بعربيته يقول: هَذِهْ أَمةُ اللَّه، فيُسَكِّنُ". الكتاب 4/ 198، وينظر: الحجة للفارسي 3/ 203.
(4)
ذكر سيبويه ذلك في باب ما يُسَكَّنُ استخفافًا، وهو في الأصل متحرك، وذكر أنه لغة بكر ابن وائل وأناس كثير من تميم. الكتاب 4/ 113، 114، وينظر الحجة للفارسي 3/ 203.
وقرأه العامة: {وَيتَّقْهِي} موصولةً بياء، وهو الوجهُ؛ لأنّ ما قبلَ الهاء متحرِّك، وحُكمُها إذا تحرَّك ما قبلَها أن تتبَعَها الياءُ في الوصل.
وَرَوَى قالُونُ
(1)
عن نافع بكسر الهاء مختلَسةً، ولا يَبْلُغُ بها الياءَ؛ لأنّ حركةَ ما قبلَ الهاء ليست تلزم، ألا ترى أنّ الفعلَ إذا رُفِع فقيل: يتقيه، اختير حذفُ الياء بعد الهاءِ مثلَ: عَلَيْهِ
(2)
؟
وقَرأَ أبو عَمْرٍ و وأبو بكرٍ عن عاصم: {وَيَتَّقِهْ} جزمًا، وذلك أنّ ما يلحَقُ هذه الهاءَ من الواو والياء زائدٌ، فرُدَّ إلى الأصل، وحُذِفت الزيادة، وقَرأَ حفصٌ ساكنةَ القاف مكسورةَ الهاءِ مختلَسةً
(3)
.
قال ابنُ الأنباري
(4)
: وهو على لغة مَن يقول: لم أَرْ زيدًا، ولم أَشْتَرْ طعامًا، ولم يُبِقْ زيدٌ، فيُسقطونَ الياءَ للجزم، ثم يُسكِّنون الحرفَ الذي قبلَها، ومنه قول الشاعر:
(1)
هو عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى المدنِي، أبو موسى، راوية نافع المدنِي، وأحد القراء المشهورين، انتهت إليه الرياسة في القراءة والعربية في زمانه بالحجاز، كان أَصَمَّ يُقرأ عليه القرآنُ وهو ينظر إلى شفتي القارئ، فيرد عليه اللحن والخطأ، توفي سنة (220 هـ). [غاية النهاية 1/ 615 - 616، الأعلام 5/ 110].
(2)
من أول قوله: "موصولة بياء وهو الوجه" قاله الفارسي في الحجة 3/ 203.
(3)
وقرأ باختلاس الكسرة أيضًا يعقوبُ وهشامٌ وابنُ ذكوان وأبو جعفر وحفصٌ، وقرأ بإسكان الهاء أيضًا: ابنُ عامر وحمزةُ، ينظر: السبعة ص 457، 458، إعراب القراءات السبع 2/ 111، حجة القراءات ص 503، تفسير القرطبي 12/ 295، التيسير ص 163، الإتحاف 2/ 301.
(4)
ينظر قوله في الوسيط 3/ 325، ولكن الفارسي قال: "ومثل ذلك في الإسكان قراءة من قرأ: {وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ} ، وليس ذلك على نحو ما أنشده أبو زيد:
قالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنا دَقِيقا
لأن ذلك إنما يجوز في الشعر". التكملة للفارسي ص 8.
47 -
قالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنا دَقِيقا
(1)
وقوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} يعني: المطيعينَ للَّه ورسوله الخائفين المتَّقين، هم الذين نالوا ما طَلَبوا من رضا اللَّه ونَيْل جنَّتِه.
قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} اللامُ: لامُ جوابِ القسم، و {جَهْدَ}: منصوبٌ على مذهبِ المصدر
(2)
، تقديره: إقسامًا بليغًا باللَّه لَيَخرُجنَّ إلى الغزو، أو من ديارهم وأموالهم.
وذلك أنّ المنافقينَ كانوا يقولون لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أينما كنتَ نكنْ معك، إن أقمتَ أقمنا، وإن خَرَجتَ خرَجْنا، وإن جاهدتَ جاهَدْنا معك، فقال اللَّه تعالى:{قُلْ} لهم {لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} رَفَعَه على خبرِ ابتداءِ محذوف؛ أي: هذه طاعةٌ بالقول واللسان دونَ اعتقادٍ في القلب، فهي معروفةٌ منكم بالكذبِ أنّكم تكذِبون فيها، وقيل: معناه: طاعةٌ معروفةٌ أمثلُ وأفضلُ من هذا القَسَمِ الذي تَحْنِثُونَ فيه، فحذف خبرَ الابتداء للعلم به، قاله الزَّجّاج
(3)
.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)} يريد: مِن طاعتِكم بالقول، ومخالفتِكم بالفعل.
(1)
من الرجز المشطور، للعُذافِرِ الكِنْدِيِّ، ونُسِبَ لسُكَيْنِ بن نضرة، ويروى:"اشْتَرْ لَنا سَوِيقا".
التخريج: الخصائص 2/ 340، 3/ 96، المحتسب 1/ 361، المنصف 2/ 237، شرح شواهد الإيضاح ص 258، شرح المفصل 9/ 124، شرح الشافية للرضي 2/ 298، تفسير القرطبي 1/ 452، شرح شواهد شرح الشافية ص 224 - 226.
(2)
قاله السجاوندي في عين المعاني ورقة 90/ أ، ويجوز أن يكون "جَهْدَ" منصوبًا على الحال، والتقدير: جاهدين أَيْمانَهُمْ، ينظر: الكشاف 3/ 73، الدر المصون 5/ 230.
(3)
معاني القرآن وإعرابه 4/ 51.
قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: لَيُورثنهُمْ أَرْضَ الكفار من العرب والعجم، فيَجعَلُهم ملوكَها وساستَها وسكَّانَها، {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (55)} يعنِي: بَنِي إسرائيلَ، إِذْ أَهْلَكَ الجبابرةَ بِمِصْرَ والشامِ، وأَوْرَثَهُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ.
وإنّما دَخَل اللامُ في قوله: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} لجوابِ اليمين المضمَر؛ لأنّ الوعدَ قولٌ
(1)
، مجازها: وقولُ اللَّه عز وجل للذين آمنوا وعملوا الصالحات: واللَّه لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرض كما استَخْلفَ الذين من قبلِهم.
ورَوَى أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ
(2)
: {كَمَا اسْتَخْلَفَ} بضم التاء وكسر اللام، ووجهُه: أنه أريد به ما أريد بـ {اسْتَخْلَفَ} ، وإذا كان المعنى كذلك فالوجهُ قراءةُ العامة.
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ} هذه لام الأمر، والمعنى: لِيَسْتَأْذِنْكُمْ في الدخول عليكم {الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني: العبيدَ والإماء، {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} يريد: مِن أحراركم من الرجال والنِّساء. {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} نَصبٌ على المصدر
(3)
؛ أي: ثلاثَ استئذاناتٍ في ثلاثةِ أوقات، ثم
(1)
ينظر: معاني القرآن للفراء 2/ 258، معاني القرآن وإعرابه 4/ 51، معاني القرآن للنحاس 4/ 550.
(2)
ورواها أيضًا المفضلُ عن عاصم، وقرأ بها أيضًا الأعمشُ وعيسى بنُ عمر، ينظر: السبعة ص 458، إعراب القراءات السبع 2/ 114، حجة القراءات ص 504، الإتحاف 2/ 301.
(3)
هذا القول ذكره مَكِّيٌّ بغير عزو في مشكل إعراب القرآن 2/ 126، واختاره أبو حيان في البحر 6/ 433. ولكن الراجح أن {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} نصوب على الظرف، قال المنتجب الهمدانِي: "والدليل على أنه ظرف، وأن انتصابه عليه، لا على المصدر كما زعم بعضهم، كونُهُ فُسِّرَ بزمانٍ، وهو قوله: {مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ}، ومن شرط المُفَسِّرِ أن يكون من جنس المُفَسَّرِ". الفريد للهمداني 3/ 614.
بيَنَ ذلك، فقال:{مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ} وذلك أنّ الإنسانَ ربما يبيتُ عُريانًا، أو على حالٍ لا يحبُّ أن يراه غيرُه في تلك الحال، {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ} يريد: وقتَ المَقِيلِ، وهي مشتقّةٌ من الظهور، وهو ضدُّ الاختفاءِ والاستتار، {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} حين يَأوي الرجلُ الى امرأته، ويَخْلو بها.
أَمَرَ اللَّهُ تعالى بالاستئذان في الأوقات التي يَتَخَلَّى الناسُ فيها ويتكشَّفون، وفصَّلها، ثم أَجْمَلَها بعد التفصيل، فقال:{ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} . قَرأَ الكوفيُّونَ إلّا حفصًا والأعمشَ
(1)
: {ثَلَاثُ} بالنصب ردًّا على قوله: {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ}
(2)
، ورَفَعه الآخَرون على معنى: هذه الأوقاتُ ثلاثُ عوراتٍ لكم، والمعنى: ثلاثةُ أوقاتٍ
(3)
من أوقاتِ العورة، وسُمِّيت هذه الأوقات عوراتٍ لأنّ الإنسانَ يضعُ فيها ثيابَه، فتبدو عورته.
قال السُّدِّي
(4)
: كان أُناس من الصحابة يُعجبُهم أن يُواقِعُوا نساءهم في هذه الساعات؛ ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم اللَّه تعالى أن يأمروا الغِلمانَ والمملوكينَ أن يستأذِنوا في هذه الثلاثِ الساعاتِ، قال موسى بن أبي
(1)
ينظر: السبعة ص 459، إعراب القراءات السبع 2/ 114، حجة القراءات ص 505، التيسير ص 163.
(2)
يعني: أنه منصوب على البدل، ولا بُدَّ على هذا من تقدير مضاف محذوف؛ أي: أَوْقاتَ ثَلَاثِ عَوْراتٍ، لأن {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} ظرف زمان، و {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ} ليس ظرفًا، ويجوز أن يكون النصب على تقدير: أعني أو اتقوا، ينظر: الحجة للفارسي 3/ 206، التبيان للعكبري ص 977، الفريد 3/ 614، الدر المصون 5/ 334.
(3)
في الأصل: "ثلاث أوقات".
(4)
ذكره الواحدي في الوسيط 328.
عائشة
(1)
: قلتُ للشَّعبيِّ في هذه الآية: أمنسوخةٌ هي؟ قال: لا، قلت: قد تَرَكَها الناسُ، قال: اللَّه المستعان
(2)
.
قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ} يعني: المؤمنين الأحرارَ {وَلَا عَلَيْهِمْ} يعني: العبيدَ والإماءَ والخَدَمَ والأطفال {جُنَاحٌ} في الدخول عليكم بغيرِ إذنٍ {بَعْدَهُنَّ} ؛ أي: بعدَ الأوقات الثلاثة التي نُهِيَ عن الدخول فيها بغير إذن.
وقوله: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} ؛ أي: هم طَوّافونَ عليكم، يدخلون ويَخرجون ويذهبون ويجيئون، ويتردَّدون في أحو الِهم وأشغالِهم بغيرِ إذن، {بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ (58)} ابتداءٌ وخبر، أي: بعضُكم يَطُوفُ على بعض، وقيل: يَطُوفُ بعضُكم -وهم المماليك- على بعض -وهم الموالِي-.
قيل: هذه الآية منسوخةٌ لا يُعْمَلُ بها اليومَ، وقيل: هي مُحكَمة، والعملُ بها واجبٌ لِما ذكرناه من قول الشَّعبي.
قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ} يعني: اللاتِي قعَدْنَ عن الأزواج والحَيْض، يعني: المرأةَ الكبيرةَ التي لا تَحيضُ من الكِبَرِ، وهو رفعٌ بالابتداء
(3)
، وواحدُ القواعد: قاعِدٌ بغير هاءٍ، وقواعدُ البيت: أساسُه، واحدُها: قاعدةٌ بهاءٍ
(4)
.
(1)
هو: موسى بن عبد اللَّه بن أيوب بن أبي عائشة الهمدانِيُّ المخزومي، أبو الحسن الكوفِيُّ، ثقة عابد، حَدَّثَ عن أبيه وابن جبير، وحَدَّثَ عنه شعبةُ وابن عيينة. [سير أعلام النبلاء 6/ 150، 151، تهذيب التهذيب 10/ 315].
(2)
ينظر: جامع البيان 18/ 216، الكشف والبيان 7/ 117، الوسيط 3/ 328.
(3)
وخبره: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ} ، ودخلت الفاء فيه لِما في المبتدأ من معنى الشرط، ينظر: الفريد للمنتجب الهمداني 3/ 615.
(4)
قاله ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص 307، 308.
وقوله: {لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ} محل {أَنْ} : نصبٌ بِنَزْعِ الصِّفةِ، تقديره: في أنْ يضَعْن ثيابَهنَّ {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} ؛ أي: مُظْهِراتٍ مَحاسِنَهُنَّ بما لا ينبغي أن يُظهِرنَه
(1)
، وقيل
(2)
: أصلُ التبرُّج: صعودُ البُرْجِ للإظهارِ أو الكشف، مأخوذٌ من بَرَجِ العَيْنِ، وهو السَّعةُ.
ونَصَبَ غَيْرًا: على الحال من الضمير في {يَضَعْنَ} ، {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ} فلا يضَعْن الجِلبابَ {خَيْرٌ لَهُنَّ}؛ أي: هو خيرٌ لهن، وفيه معنى الشرط والجزاء، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لقولكم:{عَلِيمٌ (60)} بما في قلوبكم.
وما بعدَ هذا ظاهرُ الإعراب إلى قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} جَمْع شَتٍّ، وهم المتفرِّقون، وهما منصوبانِ على الحال.
قيل
(3)
: نَزَلتْ هذه الآيةُ في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلونَ إذا نزل بهم ضيفٌ إلّا معَ ضيفِهم، فرَخَّصَ اللَّهُ تعالى لهم أن يأكلوا كيفما شاءوا، مجتمعينَ أو متفرِّقين.
قوله: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} ؛ أي: يُسَلِّمُ بعضُكم على بعض، كقوله تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}
(4)
؛ أي: لا يَقْتُلْ بعضُكم بعضًا
(5)
،
(1)
قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 69.
(2)
حكاه الأزهري عن الليث في التهذيب 11/ 55، 56، وينظر أيضًا: عين المعاني ورقة 89/ أ، اللسان: برج.
(3)
ينظر: الكشف والبيان 7/ 119، الوسيط 3/ 330.
(4)
النساء 29.
(5)
قاله الحسن وابن زيد، ينظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص 309، جامع البيان 18/ 231، معانِي القرآن للنحاس 4/ 562.
فإنْ لم يكن في البيت أحدٌ فليقُل: السَّلامُ علينا من ربِّنا، السَّلامُ علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، السّلامُ على أهل البيت ورحمةُ اللَّه وبركاته.
وقال ابنُ عباس: المرادُ بالبيوت هاهنا: المساجد، قال النَّخَعيُّ
(1)
: فإذا لم يكن في المسجدِ أحدٌ فقُل: السَّلامُ على رسول اللَّه، فإذا لم يكنْ في البيت أحدٌ فقل: السَّلامُ علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، هكذا ذكره صاحبُ الشِّفا بتعريفِ حقوق المصطفى
(2)
.
وقوله: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} : نَصْبٌ على المصدر؛ أي: تُحَيُّونَ أنفسَكم بها تحيةً
(3)
، وقيل
(4)
: على الحال، بمعنى: تفعلونها تحيّةً من عند اللَّه {مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} ، قال ابن عباس: حسَنةً جميلة، وقال الزَّجّاج
(5)
: أَعْلَمَ اللَّهُ تعالى أن السَّلامَ مُبارَكٌ طَيِّبٌ؛ لِما فيه من الأجرِ والثواب.
(1)
هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي، من أكابر التابعين صلاحًا وصدقَ روايةٍ وحفظًا للحديث، من أهل الكوفة، كان فقيه العراق إمامًا مجتهدًا، له مذهب، مات مختفيًا من الحجاج سنة (96 هـ). [غاية النهاية 1/ 29، 30، سير أعلام النبلاء 4/ 520 - 529، الأعلام 1/ 80].
(2)
الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2/ 67، وصاحبه هو القاضي عياض بن موسى بن عياض اليَحْصُبِيُّ، أبو الفضل السَّبْتِيُّ، عالم أهل المغرب وإمام أهل الحديث في زمنه، كان أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم وأيامهم، وَلِيَ قضاء سبتة ثم غرناطة، وتوفِّي بمراكش مسمومًا سنة (544 هـ)، من كتبه: الشفا، شرح صحيح مسلم. [إنباه الرواة 2/ 363، سير أعلام النبلاء 20/ 212، الأعلام 5/ 99].
(3)
لأن {سَلِّمُوا} بمعنى: حَيُّوا، فهو مصدر من معنى العامل، ينظر: معانِي القرآن وإعرابه 4/ 54، إعراب القرآن للنحاس 3/ 149.
(4)
قاله الفراء في معاني القرآن 2/ 262.
(5)
معاني القرآن وإعرابه 4/ 55.