المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقوله: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ - البستان في إعراب مشكلات القرآن - جـ ١

[ابن الأحنف اليمني]

فهرس الكتاب

- ‌كلمة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية

- ‌مقدِّمة

- ‌ومن الأسباب التي دفعَتْني إلى تحقيق هذا الكتاب:

- ‌الجِبْلِيُّ وكتابُهُ "البُسْتانُ في إِعرابِ مُشْكِلاتِ القُرْآنِ

- ‌الفصل الأول الجِبْلِيُّ - حياتُهُ وآثارُهُ

- ‌المبحث الأول كُنْيتُه واسْمُهُ ونَسَبُه ولقَبُه

- ‌1 - كُنْيته واسْمُهُ ونَسَبُه:

- ‌2 - لقَبُه:

- ‌المبحث الثاني مولدُه

- ‌المبحثُ الثالث عصرُه

- ‌1 - الحياةُ السياسيّة:

- ‌2 - الحياةُ العِلميّة:

- ‌3 - المدارس التي أُنشئت في مدينة جِبْلةَ:

- ‌4).4 -اهتمامُ الدّولة الرَّسُوليّة بالعلم والعلماء:

- ‌5 - تأثُّر اليمنيِّين بالنَّحوِّيين المَشارِقة والمصريِّين:

- ‌المبحث الرابع شيوخه وتلاميذه

- ‌1 - شيوخه:

- ‌2).2 -تلاميذُه

- ‌المبحثُ الخامس مَنْزلةُ الجِبْليِّ العلميّةُ وثناءُ العلماءِ عليه

- ‌المبحثُ السادس آثارُه ووفاتُه

- ‌1 - آثاره:

- ‌2 - وفاتُه:

- ‌المبحثُ السابع موقفُ الجِبْليِّ من أصول النَّحو

- ‌المطلبُ الأول: موقفُه من السَّماع:

- ‌أولًا: موقفُه من الاستشهاد بالقرآن الكريم وقراءاتِه

- ‌1 - موقفه من القراءاتِ الصّحيحة:

- ‌أ - ارتضاء الجِبْلِيِّ القراءاتِ الصحيحةَ:

- ‌ب - اعتراضاتٌ للجِبْلِيِّ على قراءاتٍ صحيحة:

- ‌جـ - مفاضلةُ الجِبْليِّ بين قراءاتٍ صحيحة:

- ‌2 - موقفُ الجِبْلي من القراءات الشّاذّة:

- ‌3 - نظراتٌ في استشهاد الجِبْلِّي بالقراءات:

- ‌ثانيًا: موقفُ الجِبْليِّ من الاستشهاد بالحديث:

- ‌ثالثًا: موقفُ الجِبْليِّ من الاستشهاد بكلام العرب

- ‌أولًا- استشهاد الجِبْليِّ بالأمثال والأقوال:

- ‌ثانيًا - استشهاد الجِبْليِّ بالشعر:

- ‌ نظراتٌ في استشهاد الجِبْليِّ بالشعر:

- ‌ مآخذُ على استشهاد الجِبْلي بالشِّعر:

- ‌المطلب الثاني: موقفُ الجِبْلي من القياس:

- ‌ القياسُ عند الجِبْلي:

- ‌المطلبُ الثالث: موقفُ الجِبْلي من الإجماع

- ‌المبحثُ الثامن مذهبُه النَّحْويُّ واختياراتُه

- ‌فمن أمثلة ما اختار فيه مذهبَ البصريِّين:

- ‌ومما اختار فيه مذهبَ الكوفيِّين:

- ‌الفصلُ الثاني كتابُ البُستان في إعرابِ مشكلاتِ القرآن

- ‌المبحث الأول عنوانُ الكتاب، وتوثيق نِسبتِهِ للجِبْلي، وموضوعُه

- ‌المطلبُ الأول: عُنوانُ الكتاب:

- ‌المطلبُ الثاني: توثيق نِسبتِهِ للجِبْلي:

- ‌المطلبُ الثالث: موضوعه:

- ‌المبحثُ الثاني مصادرُه

- ‌أولًا: مصادرُ بصَرْيّةٌ، ومنها:

- ‌ثانيًا: مصادرُ كوفيّة، ومنها ما يلي:

- ‌ثالثًا: مصادرُ بغداديّةٌ:

- ‌رابعًا: مصادرُ مِصريّة:

- ‌خامسًا: مصادرُ أخرى:

- ‌المبحثُ الثالث منهجُ الجِبْليِّ في البستان

- ‌1 - خُطّةُ الكتاب:

- ‌2 - نُقولُه عن العلماء:

- ‌3 - اهتمامُه باللغة:

- ‌4 - اهتمامُه بتوضيح التصحيف:

- ‌5 - استطرادُه في ذكر أشياءَ بعيدةٍ عن موضوع الآية التي يشرحها:

- ‌6 - ترْكُه آياتٍ بدون إعراب أو شرح:

- ‌7 - تأثُّرُه بِلُغةِ الفقهاءِ والمتكلِّمين:

- ‌9 - أشعارٌ في الزهد والحِكمة:

- ‌المبحثُ الرابع المصطَلحاتُ النَّحوّية في البستان

- ‌المبحثُ الخامس العلّة النَّحويّةُ في البستان

- ‌العلّة البسيطةُ والمركَّبة:

- ‌أولًا- العِلَلُ البسيطة:

- ‌ثانيًا- العِلَل المُركَّبة:

- ‌المبحثُ السادس ملحوظاتٌ على الكتاب

- ‌أولًا: ملحوظاتٌ على المنهج:

- ‌أ- أخطاءٌ في النُّقول عن العلماء:

- ‌ب - آراءٌ منسوبةٌ خطأً:

- ‌جـ - نَقْلُهُ عن العلماء من كتُبِ غيرِهم:

- ‌ثانيًا: ملحوظات على الأسلوب:

- ‌1 - إيهامُ كلامِه خلافَ المراد:

- ‌2 - وقوعُ التناقُض في كلامه:

- ‌3 - ملحوظاتٌ نَحْويّة:

- ‌خاتمةُ الدِّراسة

- ‌ التحقيق

- ‌1 - وصفُ نُسخةِ المخطوط

- ‌2 - منهَجُ التحقيق

- ‌3 - نماذج مصوَّرة من المخطوط

- ‌سورةُ الأنبياء عليهم السلام

- ‌بابُ ما جاء في فَضْل قراءتها

- ‌بابُ ما جاء فيها من الإعراب

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌فصل

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌سورةُ الحجِّ

- ‌بابُ ما جاء في فضل قراءتها

- ‌بابُ ما جاء فيها من الإعراب

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌‌‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌سورةُ المؤمنين

- ‌بابُ ما جاء في فَضْل قراءتها

- ‌بابُ ما جاء فيها من الإعراب

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ في معنى الآية

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ في ذِكْرِ وجوهِ الحكمةِ في خَلْقِ اللَّهِ تعالى الخَلْقَ على الاختصار

- ‌سورةُ النُّور

- ‌بابُ ما جاء في فضل قراءتها

- ‌باب ما جاء فيها من الإعراب

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌فصل

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ في معنى المشكاةِ والمِصباح والزَّجاجة والشَّجرة

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌فصل

- ‌فصلٌ

- ‌سورةُ الفرقان

- ‌بابُ ما جاء في فَضْل قراءتها

- ‌بابُ ما جاء فيها من الإعراب

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌فصلٌ

- ‌سورةُ الشُّعراء

- ‌بابُ ما جاء في فَضْل قراءتها

- ‌بابُ ما جاء فيها من الإعراب

- ‌فصلٌ

- ‌فصل

- ‌سورةُ النمل

- ‌باب ما جاء في فضل قراءتها

- ‌باب ما جاء فيها من الإعراب

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌سورةُ القَصَص

- ‌باب ما جاء في فضل قراءتها

- ‌باب ما جاء فيها من الإعراب

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

الفصل: وقوله: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ

وقوله: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)} أراد [بقوله]: {فِي الظُّلُمَاتِ} : ظُلمة اللَيل وظُلمةَ البحر وظُلمةَ بطن الحوت، وهذا قولُ أكثر المفسِّرين، وقال سالم بن أبي الجَعْد

(1)

: حوتٌ في حوتٍ وظُلمةِ البحر، قال: ابتلعه حوتٌ، ثم ابتلعه حوتٌ آخَر.

‌فصلٌ

رَوَى سعيدُ بن المسيِّب

(2)

، عن سعد بن مالك

(3)

، قال: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "اسمُ اللَّه الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى: دعوهُ يونُسَ بن مَتَّى"، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه: هي ليونُسَ خاصةً أم لجماعة المسلمين؟ قال: "هي ليونُسَ خاصةً وللمسلمين عامةً، إذا دَعَوْا بها، ألم تسمعْ قوله تعالى:{فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} إلى قوله: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} ؟

(4)

(1)

سالِمُ بن رافع الأشجعي بالولاء الكوفي أبو مسلم، تابعي ثقة، روى عن عَلِيٍّ وابن عباس وابن عمر وغيرهم، روى عنه الأعمش وقتادة، توفِّي سنة (97 هـ) أو (98 هـ). [سيَر أعلام النبلاء 5/ 108 - 110، تهذيب التهذيب 3/ 373، 374]، وقوله في الكشف والبيان 6/ 303.

(2)

سعيد بن المسيب بن حَزْن المخزومي القرشي، أبو محمد، سيد التابعين وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع الحديث والفقه والزهد، وكان يعيش من تجارة الزيت، كان أحفظ الناس لأحكام عمر، حتى سمي راوية عمر، توفِّي سنة (94 هـ). [سير أعلام النبلاء 4/ 217: 246، الأعلام 3/ 102]

(3)

سعد بن مالك بن سنان بن عبيد اللَّه أبو سعيد الخُدْري، رَدَّهُ النبيُّ يوم أُحُدٍ لِصِغَرِهِ، وغزا بعد ذلك اثنتي عَشْرة غزوةً، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبيه وأَخيه لأمه قتادة بن النعمان وعن أبي بكر وعمر، كان من أعيان الصحابة وفقهائهم، توفِّي سنة (74 هـ). [أسد الغابة 2/ 289، 290، سير أعلام النبلاء 3/ 168 - 172].

(4)

واه الحاكم في المستدرك 1/ 506 كتاب الدعاء/ باب "أيما مسلم دعا بدعوة يونس. . . "، وينظر: الدر المنثور 4/ 334، الجامع الصغير 1/ 156، كنز العمال 1/ 451، 452.

ص: 203

وعن سعد بن أبي وَقّاص، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّي لَأعلمُ كلمةً لا يقولها مكروبُ إلّا فَرَّجَ اللَّهُ عنه، كلمة أخي يونُسَ:{فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}

(1)

.

قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} ؛ أي: أجبنا دعاءه {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} يعني: من تلك الظلمات {وَكَذَلِكَ} ؛ أي: وكما نجيَّناه {نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} وقَرأَ ابنُ عامر

(2)

وأبو بكرٍ

(3)

عن عاصم

(4)

: {نُجِّي}

(5)

بنونٍ واحدة وتشديد الجيم، وجَميع النَّحويِّين حَكَموا على هذه القراءة بالغَلَط وأنها لحنٌ

(6)

،

(1)

ينظر: الأذكار النووية ص 122، زاد المسير 5/ 383، الدر المنثور 4/ 334، كنز العمال 2/ 120.

(2)

عبد اللَّه بن عامر بن يزيد أبو عمران اليحصبي الشامي، أحد القراء السبعة، كان إمام أهل الشام في القراءة، انتهت إليه مشيخة الإقراء بها، تولى قضاء دمشق في خلافة الوليد بن عبد الملك، وتوفِّي بها سنة (118 هـ). [غاية النهاية 1/ 423 - 425، تهذيب التهذيب 5/ 240، الأعلام 4/ 95].

(3)

شعبة بن عياش بن سالم، أبو بكر الأزدي النهشلي الكوفي، راوية عاصم، عرض القرآن على عاصم ثلاث مرات، كان إمامًا كبيرًا عالمًا عاملًا من أئمة السنة، توفي بالكوفة سنة (193 هـ)، أو (194 هـ). [غاية النهاية 1/ 325 - 327، سير أعلام النبلاء 8/ 495 - 508، الأعلام 3/ 165].

(4)

عاصم بن بهدلة أبي النَّجُودِ أبو بكر الأسدي بالولاء الكوفي، أحد القراء السبعة شيخ الإقراء بالكوفة، انتهت إليه رياسة الإقراء بها بعد أبي عبد الرحمن السلمي، تابعي ثقة في القراءات صدوق في الحديث، توفي بالكوفة سنة 127 هـ. [غاية النهاية 1/ 346 - 349، سير أعلام النبلاء 5/ 256 - 261، الأعلام 3/ 248].

(5)

ينظر: السبعة لابن مجاهد ص 430، التيسير للداني ص 155، النشر لابن الجزري 2/ 324.

(6)

لم يحكم النحويون جميعًا على هذه القراءة بأنها لحن، بدليل ما أورده المؤلف نفسه من آراء في تخريجها، ثم إن هذه القراءة قراءة سبعية، فكيف يحكم عليها بأنها لحن؟ قال السمين:"وهذه القراءة متواترة، ولا الْتِفاتَ على من طَعَنَ على قارئها"، الدر المصون 5/ 106.

ص: 204

ثم ذكر الفَرّاءُ لها وجهًا، فقال

(1)

: أضمَر المصدر في {نُجِّي} فنَوَى به الرَّفعَ، ونَصَبَ {الْمُؤْمِنِينَ} كقولك: ضُرِبَ الضربُ زيدًا، ثم تقول: ضُرِب زيدًا، على إضمار المصدر. وأنشد ابنُ قُتيبةَ حجةً لهذه القراءة

(2)

:

8 -

ولَوْ وَلَدَتْ قُفَيْرةُ جَرْوَ كَلْبٍ

لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلَابا

(3)

قال أبو عليٍّ الفارسيُّ

(4)

: هذا إنَّما يَجُوزُ في ضرورة الشعر، وراوِي هذه القراءةِ عن عاصم غالطٌ في الرواية، فإنه قرأ:{نُنْجِي} بنونَيْن كما روى حفصٌ، ولكن النونَ الثانية من {نُنْجِي} تخفى مع الجيم، ولا يجوز تبيينها، فالتبس على السامع الإخفاءُ بالإدغام فظُنَّ أنه إدغام، ويدلُّ على هذا إسكانه الياءَ من {نُجِّي} ونَصْبُ قوله:{الْمُؤْمِنِينَ} ، ولو كان على ما لم يُسَمَّ فاعله ما سكَّن الياء، ولَوَجَبَ أن ترفع {الْمُؤْمِنِينَ} .

(1)

معاني القرآن 2/ 210، وهذا رأي الكوفيين والأخفش، أما البصريون فإنهم لا يرتضونه؛ لأنهم لا يجيزون نيابة المصدر مع وجود المفعول الصريح لما في ذلك من عدم الفائدة، ينظر: شرح التسهيل لابن مالك 2/ 128، 129، المساعد 1/ 398، 399.

(2)

تأويل مشكل القرآن ص 55، 56، على أن إنشاد ابن قتيبة لهذا البيت لا يعني أنه يؤيد هذا الوجه كما يوهم كلام الجبلي هنا.

(3)

البيت من الوافر لجرير يهجو الفرزدق، وليس في ديوانه.

اللغة: قُفَيْرةُ: اسم أم الفرزدق، الجَرو مثلثة الجيم: ولد السباع ومنها الكلب.

التخريج: إعراب القراءات السبع 2/ 66، الخصائص 1/ 397، الكشف والبيان 6/ 304، أمالي ابن الشجري 2/ 518، شرح الجمل لابن بابشاذ 1/ 155، شرح المفصل 7/ 75، عين المعاني 84/ ب، شرح التسهيل لابن مالك 2/ 128، شرح الكافية للرضي 1/ 193، خزانة الأدب 1/ 337.

(4)

نقل المؤلف كلام الفارسي مختصرًا من الحجة 3/ 160، 161، وينظر أيضًا: المسائل البغداديات ص 369.

ص: 205

قوله تعالى: {إِنَّهُمْ} يعني: زكريا وامرأتَه ويحيى {كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} وقيل: إنّ الكناية تعود إلى الأنبياء الذين ذَكَرهم اللَّه في هذه السُّورة، ومعنى {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}؛ أي: يبادرون في طاعة اللَّه وأداء فرائضه {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} يعني: خوفًا وطمعًا، رغبًا: في رحمة اللَّه ورَهَبًا: من عذابِ اللَّه، وقرأ الأعمش

(1)

: {رُغْبًا وَرُهْبًا}

(2)

بضمِّ الراءَيْنِ وجزم الغين والهاء، وهما لغتان، مثل: السُّقْم والسَّقَمِ والبُخْل والبَخَلِ والعُدْمِ والعَدَمِ

(3)

.

وهما منصوبانِ على المصدر، وقيل: على المفعول له؛ أي: للرَّغبة والرهبة

(4)

، رغبةً في الجنة ورهبةً من النار {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)} يعني: ذُلُلًا متواضِعِينَ خاضِعين.

قوله تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} يعني: مريمَ عليها السلام؛ أي: حَفِظت فرجَها عَمّا لا يَحِلُّ {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} أمَرْنا جِبريلَ حتى نفَخ في دِرْعِها، وأضاف الرُّوحَ إليه إضافةَ المِلْكِ لِلتشريف والتفضيل والتخصيص، وهو يريد رُوحَ عيسى عليه السلام، {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً

(1)

سليمان بن مهران الأسدي بالولاء أبو محمد الكوفي، تابعي مشهور أصله من بلاد الرِّيِّ، ومنشؤه ووفاته بالكوفة، كان عالفا با لقرآن والحديث والفرائض، روى أكثر من 1300 حديث، توفِّي سنة (148 هـ). [غاية النهاية 1/ 315، 316، سير أعلام النبلاء 6/ 226 - 248، الأعلام 3/ 135].

(2)

وهي أيضًا قراءة أبِي عمرو بن العلاء، ينظر: القرطبي 11/ 336، البحر 6/ 312، الإتحاف 2/ 267.

(3)

قاله ابن السكيت في إصلاح المنطق ص 86، وينظر: معانِي القرآن وإعرابه 3/ 403.

(4)

ويجوز انتصابهما على الحال على تأويلهما براغبينَ وراهبينَ، ينظر في هذه الأوجه: التبيان للعكبري ص 925، البحر المحيط 6/ 312، الدر المصون 5/ 106.

ص: 206

لِلْعَالَمِينَ (91)}؛ أي: دِلالةً على قدرتنا، ولم يقل: آيتَيْنِ -وقد ذكرهما جميعًا- قيل

(1)

: لأنه مصدر، فلم يُثَنَّ، وقيل

(2)

: لأنّ الآية لهما واحدةٌ وهي الولادة من غير فَحْل، وقيل

(3)

: معناه: جعلناها آيةً وابنَها آية، فاكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، وقيل

(4)

: هو على التقديم؛ أي: جعلناها آيةً وابنَها.

قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ} يعني: دينكم واحدٌ، فجعل الشريعة أُمّةً لاجتماع أهلها على مقصِدٍ واحد، والأُمّة: الدِّين، ومنه قوله تعالى:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}

(5)

؛ أي: على دِين، وقيل: معناه: مِلَّتكم. {أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: ملةً واحدة، وهي الإسلام، وأصلُ الأُمّة: الجماعة التي على مقصدٍ واحدٍ، وانتَصب {أُمَّةً}: على الحال

(6)

، وقيل

(7)

: على القطع.

وقرأ ابنُ أبي إسحاق

(8)

: {أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ} بالرَّفع على التكرير، وقيل: خبرٌ

(1)

قاله السجاوندي في عين المعاني ورقة 84/ ب، وعليه تكون الآية بمعنى الدلالة.

(2)

قاله الفراء والزجاج، ينظر: معاني القرآن للفراء 2/ 210، معاني القرآن وإعرابه 3/ 404.

(3)

قاله النحاس في إعراب القرآن 3/ 78، والمحذوف هنا هو الأول، وهو مذهب سيبويه، ينظر: الكتاب 1/ 75، 76، وأجاز المبرد الحذف من الثانِي، ينظر: المقتضب 4/ 72 - 74، والراجح رأي سيبويه لما فيه من إعمال الأقرب وعدم الفصل بين المتلازمين، وينظر: مشكل إعراب القرآن 2/ 86، البيان للأنباري 2/ 164، 165، التبيان للعكبري ص 926.

(4)

حكاه النحاس عن المبرد في إعراب القرآن 3/ 78، وينظر أيضًا: مشكل إعراب القرآن 2/ 86.

(5)

الزخرف 22، 23.

(6)

قاله الزجاج والنحاس، ينظر: معاني القرآن وإعرابه 3/ 404، إعراب القرآن 3/ 79.

(7)

قاله الفراء في معاني القرآن 2/ 210.

(8)

عبد اللَّه بن أبِي إسحاق زيد بن الحارث الحضرمي الزيادي البصري من الموالي، أخذ عنه كبار النحاة كأبي عمرو وعيسى بن عمر، فَرَّعَ النحو وقاسه، روى عن أنس بن مالك، وأخذ =

ص: 207

بعدَ خبر، وإن شئت على إضمارِ مبتدأٍ، وإن شئتَ على بدلِ النكرة من المعرفة

(1)

.

قوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95)} ؛ أي: على أهل قرية، يريد: لا يرجِعون إلى الدنيا، وفي هذا تخويفٌ لأهل مكةَ أنهم إذا عذِّبوا وأُهلكوا لم يرجِعوا إلى الدنيا كغيرهم من الأمم المهلَكة.

وذهب جماعةٌ إلى أنّ "لا" في قوله: {لَا يَرْجِعُونَ} : زائدةٌ

(2)

، وقالوا: المعنى: حرامٌ على قريةٍ مهَلكةٍ رجوعُهم إلى الدنيا، كما قال:{فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}

(3)

.

وقرأ الكوفيُّون سوى حفص: "وحِرْمٌ" بكسرِ الحاء وإسكان الراء

(4)

، وهو بمعنى "حَرامٌ"، كما يقال: حِلٌّ وَحَلالٌ.

= القراءة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، توفِّي سنة (117 هـ). [إنباه الرواة 2/ 104: 108، بغية الوعاة 2/ 42، الأعلام 4/ 71].

(1)

ينظر في هذه الأوجه: معانِي القرآن للفراء 2/ 210، معانِي القرآن وإعرابه 3/ 404، إعراب القرآن للنحاس 3/ 79.

(2)

ممن قال بزيادتها أبو عمرو والفراء وأبو عبيد وابن قتيبة وابن الأنباري، ينظر: معاني القرآن للفراء 1/ 350، تأويل مشكل القرآن ص 245، إيضاح الوقف والابتداء ص 141، 142 التهذيب:"لا" 5/ 416، 417، وقد أنكر الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ كونَ "لا" زائدة هنا، معاني القرآن وإعرابه 3/ 405، إعراب القرآن 3/ 79، 80، وينظر: الحجة للفارسي 3/ 161، الوسيط 3/ 251.

(3)

يس 50، وفي الأصل:"لا يستطيعون".

(4)

هذه قراءة ابن عباس وعَلِيٍّ وابن مسعود وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وقراءة أبي عمرو في رواية عنه، وقراءة الأعمش وطلحة وابن وثاب والنخعي وعكرمة وسعيد ابن جبير وأبي حنيفة، ينظر: السبعة ص 431، القرطبي 11/ 340، التيسير ص 155، البحر 6/ 313، الإتحاف 2/ 267.

ص: 208

قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} معنى فتحِهما: إخراجُهما من السدِّ الذي جعلا وراءه، قرأ ابن عامر:{فُتِّحَتْ}

(1)

بالتشديد على التكثير، وقرأ الباقون -يعقوبُ

(2)

وأبو جعفير

(3)

-: بالتخفيف.

وجوابُ "إذا" محذوفٌ

(4)

، قال ابنُ الأنباري

(5)

: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} هو الجواب، كأنه قال: حتى إذا فُتِحت يأجوجُ ومأجوجُ اقتربَ الوعدُ الحق، والواو مُقْحَمةٌ بمعنى التعجُّب، كما تقول في الكلام:"وأَيُّ رَجُلٍ زيدٌ"

(6)

. وقرأ

(1)

قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب وشيبة ورويس وروح: {فُتِّحَتْ} بالتشديد، ينظر: السبعة ص 431، الكشف لمكي 2/ 114، التيسير 102، 145، 146، البحر 6/ 314، الإتحاف 2/ 267.

(2)

يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري أبو محمد، أحد القراء العشَرة، ولد ومات بالبصرة، كان إمامها ومقرئها، له في القراءة رواية مشهورة، له كتب منها: الجامع، وجوه القراءات وقف التمام، توفِّي سنة (205 هـ). [غاية النهاية 2/ 386: 389، سير أعلام النبلاء 10/ 169 - 174، الأعلام 8/ 195].

(3)

يزيد بن القعقاع المخزومي بالولاء، أبو جعفر المدني، أحد القراء العشرة من التابعين، كان إمام المدينة في القراءة ومن المفتين المجتهدين، ثقة روى عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، توفِّي سنة (132 هـ). [غاية النهاية 2/ 382: 384، سير أعلام النبلاء 5/ 287، 288، الأعلام 8/ 186].

(4)

هذا قول البصريين، وتقدير هذا الجواب عندهم: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا: يا ويلنا، ينظر: معاني القرآن وإعرابه 3/ 405، إعراب القرآن 3/ 81، مشكل إعراب القرآن 2/ 88.

(5)

محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبو بكر الأنباري المقرئ النحوي، من أعلم أهل زمانه باللغة والأدب والأخبار، أخذ عن أبيه وعن ثعلب، ولد سنة (272 هـ)، وتوفي ببغداد سنة 328 هـ، من كتبه: الزاهر، إيضاح الوقف والابتداء، الأضداد. [إنباه الرواة 3/ 201، غاية النهاية 2/ 230، الأعلام 6/ 334].

(6)

إيضاح الوقف والابتداء ص 779، وهذا قول الكوفيين وابن قتيبة؛ لأن الواو عندهم صلة، =

ص: 209

عاصم: {يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} بالهمز فيهما، وقرأهما الباقون من غيرِ همز

(1)

.

قوله: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)} قال ثعلبٌ

(2)

: الحَدَب: التلال والآكام، واحِدُهُ: حَدَبةٌ، ومعنى {يَنْسِلُونَ}: يُسرعون، مأخوذٌ من النَّسَلَانِ، وهو: مقاربةُ الخَطْوِ مع الإسراع كمشي الذئب إذا أسرع، يقال: مَرَّ الذئبُ يَنْسِلُ ويَعْسِلُ

(3)

، والمعنى: وهم من كل نَشَزٍ من الأرض يُسرِعون.

قوله تعالى: {إِنَّكُمْ} يعني: المشركين {وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} يعني: الأصنام {حَصَبُ جَهَنَّمَ} قرأه العامّةُ بالصاد المهمَلة، وقرأ عليٌّ وعائشةُ وإسحاقُ بن حميد

(4)

: {حَطَبُ}

(5)

بالطاء، نظيرُه قوله تعالى:{وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}

(6)

، قيل

(7)

: إنّ الحَصَبَ في لغة أهل اليمن: الحَطَبُ.

= وفيها أوجه أخرى، ينظر: معاني القرآن 2/ 211، تأويل مشكل القرآن 2/ 253، إعراب القرآن 3/ 81.

(1)

ينظر: السبعة ص 431، التيسير ص 145، 146، البحر 6/ 154، الإتحاف 2/ 225، 267.

(2)

ينظر قوله في ياقوتة الصراط ص 365.

(3)

قاله ابن قتيبة في غريب القرآن ص 288، وينظر: غريب القرآن للسجستاني ص 106.

(4)

إسحاق بن حميد بن نعيم، مُرُوزِيُّ الأصلِ، حدث عن عفان بن مسلم، وروى عنه عبد الصمد ابن علي الطستي وأبو بكر الشافعي. [تاريخ بغداد 6/ 377].

(5)

وهي أيضًا قراءة أُبَيٍّ وابنِ الزبير وزيدِ بن عَلِيٍّ وعكرمةَ، ينظر: معاني القرآن للفراء 2/ 212، المحتسب 2/ 66، تفسير القرطبي 11/ 343، البحر المحيط 6/ 316.

(6)

التحريم 6.

(7)

قاله الفراء في معانِي القرآن 2/ 212، وينظر: الكشف والبيان 6/ 309، غريب القرآن للسجستاني ص 106.

ص: 210

وقرأ ابنُ عباس: {حَضَبُ}

(1)

بالضاد المعجَمة، وهو: كلُّ ما هُيِّجَتْ وأُوقِدَتْ به النارُ، ومنه قيل لدِقاقِ الناس: حَضَبٌ

(2)

، قال أبو ذُؤيب الهُذَلي

(3)

:

9 -

فَأَطْفِئْ وَلا تُوِقِدْ وَلاتَكُ مِحْضَبًا

لِنارِ العُداةِ أَنْ تَطِيرَ شَكاتُها

(4)

وأصلُ الحَصْبِ: الرَّمْيُ، قال الضحّاك

(5)

: يُرْمَوْنَ في النار كما تُرْمَى الحصباءُ. ثعلبٌ عن ابن الأعرابِيِّ

(6)

أنه قال: العرب تقول: هذا حَصَبُ النارِ

(1)

وهي أيضًا قراءة اليماني، ورُوِيَ عن ابن عباس وعن اليمانِيِّ وكُثَيِّرِ عَزّةَ:"حَضْبُ" بالضاد الساكنة، ينظر: مختصر ابن خالويه ص 95، المحتسب 2/ 66، القرطبي 11/ 343، البحر 6/ 315.

(2)

قاله الفراء في معانِي القرآن 2/ 212، وينظر: غريب القرآن للسجستاني ص 106.

(3)

خويلد بن خالد بن مُحَرِّث، شاعر فحل مخضرم، أدرك الإسلام، سكن المدينة وغزا وشارك في فتح إفريقية، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة وفاته وشهد دفنه، رثى خمسة من أبنائه أصيبوا بالطاعون في عام واحد، توفي سنة (27 هـ). [الشعر والشعراء 653 - 658، الإصابة 2/ 358، الأعلام 2/ 325].

(4)

البيت من الطويل، لأبي ذؤيب، ورواية ديوانه:

. . . . . . .، وَلَا تَكُ مِحْضَأً

لِنارِ الأَعادِي أَنْ تَطِيرَ شَذاتُها

اللغة: حَضَبَ النّارَ: أَلْقَى عليها الحطبَ لِتَتَّقِدَ، وكذلك: حَضَأَها، المِحْضَبُ والمِحْضَأٌ والمِحْضَجُ: الْمِسْعَرُ، وهو عود تُحَرَّكُ به النارُ عند الإيقاد، شَكاةُ النارِ وشَذاتُها: جَمْرُها.

التخريج: ديوان الهذليين 1/ 163، شرح أشعار الهذليين ص 223، سيرة ابن هشام 1/ 240، معجم الشعراء 276، اللسان: حضأ، التاج: حضأ.

(5)

الضحاك بن مزاحم البلخي الخراسانِي، أبو القاسم الهلالي، مفسر كان يؤدب الأطفال، حدث عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأنس، ثقة مأمون، وضعفه بعضهم، له كتاب في التفسير، توفي سنة (105 هـ). [التاريخ الكبير 4/ 332، 333، سير أعلام النبلاء 4/ 598 - 655، الأعلام 3/ 215]، وينظر قوله في الكشف والبيان 6/ 309.

(6)

محمد بن زياد، أبو عبد اللَّه الكوفي، راويةٌ نسابة عَلَّامةٌ باللغة، وهو ربيب المفضل الضبي، =

ص: 211

وحَضَبُها وحَطَبُها، كلُّه بمعنًى واحدٍ، وهو ما تأكلُه النار. وقوله:{أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} ؛ أي: فيها داخلون.

قوله: {لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ} يعني: الأصنامَ {آلِهَةً} كما يزعُم الكفار {مَا وَرَدُوهَا} يعني: العابدينَ والمعبودين {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا} يعني: في جهنَّم {زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)} قال ابن مسعود

(1)

: إذا بقي في النار من يُخَلَّدُ فيها جُعِلُوا في توابيتَ من نار، ثم جُعِلَتْ تلك التوابيتُ في توابيتَ أخرى، فلا يسمعون شيئًا، ولا يَرَى أحدٌ منهم أنّ في النار أحدًا يُعَذَّبُ غيره.

قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} قال قومٌ من العلماء

(2)

: "إِنَّ" هاهنا: استثناءٌ بمعنى "إِلّا"، وليس في القرآن سواه. والسَّبْقُ: تقدُّمُ الشيءِ على غيره، والحُسنى: السعادة والعِدةُ الجميلة بالجنة.

قوله: {أُولَئِكَ} يعني: الذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى {عَنْهَا} يعني: عن النار {مُبْعَدُونَ (101)} والإبعاد: طولُ المسافة.

= توفِّي بسامراء سنة (231 هـ)، من كتبه: النوادر: معاني الشعر، تاريخ القبائل. [إنباه الرواة 3/ 128، الأعلام 6/ 131]. وينظر قوله في ياقوتة الصراط ص 365.

(1)

هذا الخبر رواه مجاهد في تفسيره 1/ 416، وينظر: جامع البيان 17/ 126، الكشف والبيان 6/ 309، زاد المسير 5/ 391، 392، تفسير القرطبي 11/ 345، الدر المنثور 4/ 339.

(2)

لم أقف على صاحب هذا القول، وقد ذكره الطبري بغير عزو، فقال:"فأما الذين قالوا: ذلك استثناء من قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}، فقَوْلٌ لا معنى له؛ لأن الاستثناء إنما هو إخراج المستثنى من المستثنى منه، ولا شك أن الذين سبقت لهم منا الحسنى إنما هم إما ملائكة وإما إنس أو جان، وكل هؤلاء إذا ذكرتْها العربُ فإن أكثر ما تذكرها بـ "مَنْ" لا بـ "ما"، واللَّه -تعالَى ذِكْرُهُ- إنما ذَكَرَ المعبودِينَ الذين أخبر أنهم حصب جهنم بـ "ما". جامع البيان 17/ 129، وينظر: الكشف والبيان 6/ 309، 310.

ص: 212