الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصلٌ
عن جابرٍ رضي الله عنه أنّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخَلتُم بيوتَكم فسَلِّمُوا على أهلها، وإذا طَعِمَ أحدُكم طعامًا فلْيَذْكُرِ اسمَ اللَّه عليه، فإنّ الشيطانَ إذا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ لم يَدْخُلْ بَيْتَهُ، وإذا ذَكَرَ اسمَ اللَّه على طعامه قال: لا مَبِيتَ لكم ولا عَشاء، وإن لم يُسلِّمْ حين يدخل بيتَه، ولم يَذْكُرِ اسمَ اللَّه على طعامه، قال: أَدْرَكْتُم العشاءَ والمَبِيتَ"
(1)
.
وعن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "السَّلامُ اسمٌ من أسماء اللَّه عز وجل، فأَفْشُوهُ بينَكم، فإنّ الرجُلَ المسلم إذا مَرَّ بالقوم فسَلَّمَ عليهم، فرَدُّوا عليه السلام كان له عليهم فضلُ درجةٍ بتذكيره إيّاهم بالسَّلام، وإنْ لم يَرُدُّوا عليه رَدَّ عليه من هو خيرٌ منهم وأطيب"
(2)
.
وقوله: {كَذَلِكَ} ؛ أي: كَبَيانِهِ في هذه الآية {يُبَيِّنُ [اللَّهُ] لَكُمُ الْآيَاتِ} يفصِّلُ لكم معالمَ دينِكم {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)} ؛ أي: لكي تفقَهوا عن اللَّه أمرَه ونهيَه وإرادتَه.
قوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} مفعولٌ، أَعْلَمَهُم اللَّهُ تعالى فَضْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم على سائر البَرِيّةِ في المخاطبة، وأَمَرَهُمْ أن يُفَخِّمُوهُ ويُشَرِّفُوهُ ويُعَظِّمُوهُ، ولا يقولوا له عند دعائه: يا محمدُ، يا
(1)
رواه مسلم في صحيحه 6/ 108 كتاب الأشربة: باب آداب الطعام والشراب، وأبو داود في سننه 2/ 201 كتاب الأطعمة: باب التسمية على الطعام، وابن ماجه في سننه 2/ 1279 كتاب الدعاء/ باب ما يدعو به إذا دخل بيته.
(2)
رواه الطبرانِي في المعجم الكبير 10/ 182، والثعلبي في الكشف والبيان 7/ 120، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 29 كتاب الأدب/ باب في السلام.
ابنَ عبد اللَّه، كما يَدْعونَ بعضَهم بعضًا، بل يقولوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، في لِينٍ وتواضعٍ وخَفْضِ صوتٍ.
و {بَيْنَكُمْ} : نَصْبٌ على الظرف، ومن قرأ:{ونَبِيِّكُمْ}
(1)
بالخَفْض خَفَضَه على البدَل من الرسول.
وقوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} ؛ أي: يَخرُجون من الجماعة واحدًا [واحدًا]
(2)
، كقولك: سَلَلْتُ كذا من كذا: إذا أخرجتَه منه، والتسلُّل: الخروج في خُفْيةٍ، يقال: تَسَفلَ فلانٌ من بين أصحابه: إذا خرج من جملتِهم، ومنه: تَسَلُّلُ القَطا.
وقوله: {لِوَاذًا} ؛ أي: يستتر بعضُكم ببعض، ويروح في خُفْية، قال ابن هشام
(3)
: اللِّواذُ: الاستتارُ بالشيءِ عند الهرب، قال حسان:
48 -
وَقُرَيْشٌ تَفِرُ مِنّا لِواذًا
…
أَنْ يُقِيمُوا وَخَفَّ مِنْها الحُلُومُ
(4)
واللِّواذُ: مصدر في معنى الحال، أي: مُتَلَاوِذِينَ، وظهرت الواو في قوله:{لِواذًا} على معنى: لَاوَذْتُ لِواذًا، يقال: لَاوَذَ فُلَانٌ بِفَلَانٍ يُلاوِذُ مُلَاوَذةً
(1)
هذه قراءة الحسن ويعقوب، ينظر: البحر المحيط 6/ 463، الإتحاف 2/ 302.
(2)
ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(3)
السيرة النبوية لابن هشام 3/ 702.
(4)
البيت من الخفيف، من قصيدة قالها يوم أُحُدٍ، ورواية ديوانه:"تَلُوذُ مِنّا. . . لَمْ يُقِيمُوا".
التخريج: ديوانه ص 226 [ط دار صادر]، السيرة النبوية لابن هشام 3/ 655، 702، الزاهر لابن الأنباري 1/ 338، الجليس الصالح الكافي 2/ 281، تفسير القرطبي 12/ 322، الحماسة البصرية ص 162.
ولِواذًا، ولو كان مصدرًا لـ "لُذْتُ" لقال: لِياذا، مثل: القِيامِ والصِّيامِ
(1)
، ويقال أيضًا: لَاذَ يَلُوذُ لِواذًا ولِياذًا بقلب الواو ياءً
(2)
.
قيل
(3)
: نَزَلت هذه الآيةُ في المنافقينَ، كانوا معَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في حَفْرِ الخندق، وكانوا يذهبون بغير أَمْرِهِ مُخْتَفِينَ، وقيل
(4)
: كان يَثْقُلُ عليهم خطبةُ النبي صلى الله عليه وسلم يومَ الجمُعة فيَلُوذونَ ببعضِ أصحابه، فيَخرُجون من المسجد في استتارٍ من غير استئذان.
ومعنى قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ} التهديدُ بالمجازاة، ثم حَذَّرَهُم الفتنة والعذاب، فقال تعالى:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} ؛ أي: أَمْرَهُ، و {عَنْ}: صلةٌ
(5)
، وقيل
(6)
: معناه: يُعرِضون عن أمره، وينصرفون عنه بغير إذنه، وقيل: معنى قوله: {عَنْ أَمْرِهِ} يعني: عن أمر اللَّه سبحانه.
وقوله: {أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} يعني: الكفر، وقيل: بلاءٌ في الدنيا {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)} ؛ أي: وجيع في الآخرة، وقيل: القتل في الدنيا.
(1)
قاله ابن الأنباري في الزاهر 1/ 338.
(2)
قلبت الواو ياءً في "لِياذٍ"؛ لأن الفعل "لاذَ" أُعِلَّ فتبعه المصدر في الإعلال، أما اللواذ فإنه لم يُعَلَّ لأن فعله "لاوذ" لم يُعَلَّ، ينظر: إعراب القرآن 3/ 150، تهذيب اللغة 15/ 15، شرح شافية ابن الحاجب للرضي 3/ 137.
(3)
ينظر: الكشف والبيان 7/ 121.
(4)
ينظر: الكشف والبيان 7/ 121، الوسيط 3/ 331.
(5)
قاله أبو عبيدة وابن قتيبة، ينظر: مجاز القرآن 2/ 69، تأويل مشكل القرآن ص 251، وحكاه أبو حيان عن الأخفش في البحر المحيط 6/ 437.
(6)
يعني أنَّ {يُخَالِفُونَ} ضُمِّنَ معنى فعل آخر، وهو قول البصريين، ينظر: أمالي ابن الشجري 1/ 224، 283، التبيان للعكبري ص 979، عين المعانِي ورقة 90/ ب، الفريد 3/ 617، أمالي ابن الحاجب 1/ 268.
ثم عَظَّمَ نَفْسَهُ، فقال:{أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} من الخلق عبيده وفي مُلكِه {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} من الإيمان والنفاق والاستقامة والمخالفة {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} في الآخرة {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} من خيرٍ أو شر {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} من أعمالهم وغيرها {عَلِيمٌ (64)} ؛ أي: عالِمٌ به، واللَّه أعلم، وباللَّه التوفيق.
* * *