الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الواجب عليه إذا علم أنه ليس على طهارة أو سبقه الحدث (1)[أن] يستخلف: يقدم واحداً يكمل بهم الصلاة، كما فعل عمر لما طُعِنَ قَدّم عبد الرحمن بن عوف وصلى بالناس. وقال بعض أهل العلم: إنه إن دخل بغير وضوء ينتظرونه ويستأنف بهم الصلاة، أو يقدم واحداً يستأنف بهم الصلاة، ولكن الصواب لا يستأنف، [بل] يقدم واحداً يكمل بهم ما بقي؛ لأنهم معذورون، ما أخطأوا هم، لكن لو أعاد بهم من جديد صحت إذا كان يرى هذا المذهب وهذا الرأي فلا بأس، لكن الأفضل أن يكمل بهم)) (2).
9 - الاقتداء بمن ذكر أنه مُحدث أو خرج لحدث سبقه وحكم الاستخلاف:
عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استفتح الصلاة فكبّر ثم أومأ أن مكانكم، ثم دخل فخرج ورأسه يقطر فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال:((إنما أنا بشر وإني كنت جنباً)) (3). وفي لفظ أبي داود: ((دخل في صلاة الفجر [فكبر] فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم فلما قضى الصلاة قال: ((إنما أنا بشر مثلكم، وإني كنت جنباً)) (4).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أقيمت الصلاة وعُدّلت الصفوف قياماً فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: ((مكانكم))، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا
(1) سبقه الحدث: أي غلبه فأحدث أثناء الصلاة. انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع،
2/ 576، والشرح الممتع لابن عثيمين، 2/ 314.
(2)
سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم، الحديث رقم 1450، ورقم 1451.
(3)
أحمد في المسند، 5/ 41.
(4)
أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الجنب يصلي بالقوم، برقم 233، ورقم 234، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 1/ 70.
معه)) (1). وفي رواية: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وقد أقيمت الصلاة وعُدّلَت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال: ((على مكانكم
…
)) (2). وفي لفظ لمسلم: ((حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف، وقال لنا: ((مكانكم)) فلم نزل قياماً ننتظره حتى خرج إلينا وقد اغتسل ينطف رأسه ماءً فكبر فصلى بنا)). وفي لفظ: ((فأومأ إليهم بيده أن مكانكم)) (3).
في حديث أبي بكرة دلالة على أن الإمام إذا صلى بالناس وهو جنب وهم لا يعلمون بجنابته أن صلاتهم صحيحة ولا إعادة عليهم، وعلى الإمام الإعادة، وذلك أن الظاهر أنهم قد دخلوا في الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم استوقفهم إلى أن اغتسل وجاء فأتم الصلاة بهم (4).
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه دلالة صريحة على أنه صلى الله عليه وسلم انصرف بعدما قام في مصلاه وقبل أن يكبر، وحديث أبي هريرة هذا معارض لحديث أبي بكرة (5)،وقد أشكل ذلك على كثير من العلماء فقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:((ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله ((كبّر)) على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، أبداه عياض والقرطبي احتمالاً، وقال النووي إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته، فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح)) (6).وقال النووي-رحمه الله عن حديث أبي بكرة: ((فتحمل هذه
(1) متفق عليه: البخاري، كتاب الغسل، باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو برقم 275، وباب: إذا قال الإمام مكانكم حتى نرجع انتظروه، برقم 640، ومسلم، كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة، برقم 605.
(2)
البخاري، الطرف رقم 639.
(3)
مسلم، برقم 605 و158 - (605).
(4)
معالم السنن للخطابي المطبوع مع مختصر المنذري لسنن أبي داود، 1/ 159.
(5)
انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، 1/ 396 - 398.
(6)
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 2/ 122.
الرواية على أن المراد بقوله: دخل في الصلاة أنه قام في مقامه للصلاة وتهيأ للإحرام بها، ويحتمل أنهما قضيتان وهو الأظهر)) (1). وقال القرطبي رحمه الله:((وقد أشكل هذا الحديث على هذه الرواية على كثير من العلماء؛ ولذلك سلكوا فيه مسالك: فمنهم من ذهب إلى ترجيح الرواية الأولى (2) ورأى أنها أصح وأشهر، ولم يعرج على هذه الرواية (3). ومنهم من رأى أن كلتيهما صحيح، وأنه لا تعارض بينهما إذ يحتمل أنهما نازلتان في وقتين فيقتبس من كل واحدة منهما ما تضمنته من الأحكام)) (4).
وعن عمرو بن ميمون قال: ((إني لقائم ما بيني وبين عمر - غداة أصيب - إلا عبد الله بن عباس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، وتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فقدمه فصلى بهم صلاة خفيفة)) (5).
وعن أبي رزين قال: ((صلى عليٌّ رضي الله عنه ذات يوم فرعُف، فأخذ بيد رجل فقدمه ثم انصرف)) (6).
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: ((إن استخلف الإمام فقد استخلف عمر وعليّ، وإن صلوا وحداناً فقد طُعن معاوية وصلى الناس وحداناً من حيث طعن أتموا صلاتهم)) (7).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله
(1) شرح النووي على صحيح مسلم، 5/ 107.
(2)
أي حديث أبي هريرة في الصحيحين.
(3)
أي حديث أبي بكرة في سنن أبي داود ومسند أحمد.
(4)
المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، 2/ 229.
(5)
البخاري، رقم 3700، وتقدم تخريجه في انتقال المأموم إماماً.
(6)
ذكره أبو البركات ابن تيمية في منتقى الأخبار، برقم 1455،وعزاه إلى سعيد بن منصور في سننه.
(7)
ذكره المجد أبو البركات ابن تيمية في منتقى الأخبار، بعد الحديث رقم 1455.
يقول: ((هذه الأحاديث فيما يتعلق بصلاة الإمام وهو محدث، أو سبقه الحدث بعدما دخلها وهو على طهارة: حديث أبي بكرة وما جاء في معناه كلها تدل على أن الإمام إذا دخل وهو على غير طهارة ثم ذكر أنه على غير طهارة فإنه ينفتل ويتطهر ويأتيهم على حالهم ويكمل بهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: ((مكانكم)) وبقوا صفوفاً. وقد اختلفت الروايات في هذا، ففي روايات أبي بكرة وبعض روايات أبي هريرة أنه كبَّر ودخل في الصلاة، وفي رواية في الصحيحين أنه وقف وانتظر الناس تكبيرهُ ثم قال لهم:((مكانكم)) قبل أن يكبر وذهب واغتسل.
اختلف العلماء في ذلك: هل هما قصتان أو قصة واحدة؟ فذهب قوم إلى أنهما قصة واحدة ورجحوا رواية الصحيحين وأنه لم يكبر وإنما ذكر قبل أن يكبر ثم ذهب واغتسل وجاء عليه الصلاة والسلام.
وقال آخرون: كالنووي، وابن حبان، وجماعة: إنهما قصتان: قصة فيها أنه كبَّر، وقصة فيها أنه لم يكبر، وكل واحدة لها حكمها، فالتي فيها أنه كبر بنى على صلاته بالنسبة إليهم، فإنهم بقوا على حالهم، فلما جاء كبر وصلى بهم فدل ذلك على أن صلاتهم لا تبطل بسبقه الحدث، أو تَذَكَّر أنه محدث وهذا هو الصواب، فإذا صلى بهم مثلاً: ركعة أو ركعتين ثم بان له أنه ليس على طهارة فإن شاء قال: مكانكم، ثم ذهب فتطهر، ثم جاء وكمل بهم، ثم ينتظرونه حتى يكمل ما عليه.
وإن شاء استخلف كما استخلف عمر لما طعن قدّم عبد الرحمن وصلى بالناس وهذا أرفق بالناس، ولا سيما إذا كان مكانه بعيداً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مكانه قريب في المسجد؛ ولهذا ذهب بسرعة ورجع عليه الصلاة والسلام وصلى بهم.
وإن صلوا وحداناً كلٌّ صلى لنفسه، وكمَّل لنفسه كما فُعِل في قصة معاوية فلا حرج، لكن الأفضل أن يفعل كما فعل عمر، وأن يقدّم من