الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يجلس المسبوق ثم يتم صلاته، حتى ولو لم يدرك إلا ركعة جلس معهم ثم أتم، فالتأخر لعذر والمتابعة لعذر شرعي)) (1).
15 - إمامة الفاسق الذي تصحّ صلاته لنفسه صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم
، إذا كانت معصيته أو بدعته لا تخرجه عن الإسلام، لكن ينبغي أن لا يرتب إماماً في الصلاة وغيرها (2).
ومما يدلّ على صحّة إمامة الفاسق حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يُؤَخّرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها))؟ قال: قلت فما تأمرني؟ قال: ((صلّ الصلاة لوقتها، فإذا أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة [ولا تقل إني قد صلّيت فلا أصلي])) (3)؛ ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يصلّون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)) (4)؛ ولأن جمعاً من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون الجمعة، والجماعة، والأعياد خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون الصلاة، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف (5)، وابن عمر كان رضي الله عنه من أشدّ الناس تحرّياً لاتباع السنة، واحتياطاً لها، والحجاج معروف بأنه من أفسق الناس.
وكذا أنس رضي الله عنه كان يصلي خلف الحجاج، وكذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره من الصحابة كانوا يصلّون خلف الوليد بن أبي معيط، وقد صلّى بهم الصبح يوماً ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان عند عثمان رضي الله عنه فأقام عليه الحدّ، فجلده
(1) سمعته أثناء تقريره على الحديث رقم 429 من بلوغ المرام. وانظر: مجموع الفتاوى له،
12/ 186، 190.
(2)
انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، 12/ 112، ومن 106 - 127، والمغني لابن قدامة، 3/ 22، والكافي لابن قدامة، 1/ 415.
(3)
مسلم، برقم 648،وتقدم تخريجه في الصلوات ذوات الأسباب في آخر صلاة التطوع.
(4)
البخاري، برقم 694، وتقدم تخريجه في فضل الإمامة.
(5)
البخاري، كتاب الحج، باب التهجير بالرواح يوم عرفة، برقم 1660، وباب الجمع بين الصلاتين بعرفة، برقم 1662، وباب قصر الخطبة بعرفة، برقم 1663.
أربعين، ثم قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة وهذا أحب إليّ (1).
وفي الصحيح عن عبيد الله بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو محصور فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما نرى ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج، فقال:((الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم)) (2).
وصلى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه خلف مروان بن الحكم صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة (3). قال الإمام الشوكاني رحمه الله: ((
…
وقد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعاً فعليّاً، ولا يبعد أن يكون قوليّاً على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير)) (4). وقال: ((والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة وأن كل من صحّت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره
…
واعلم أن محلّ النّزاع إنما هو صحة الجماعة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك)) (5).قال الإمام الطحاوي-رحمه الله:((ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم)) (6). وقد تكلم الشارح كلاماً نفيساً رجح فيه صحة الصلاة خلف الفاسق، وأن من أظهر بدعته وفسقه لا يرتب إماماً للمسلمين؛ لأنه يستحق التعزير حتى يتوب، وإن أمكن هجره حتى يتوب
(1) مسلم، كتاب الحدود، باب حدّ الخمر، برقم 1707.
(2)
البخاري، كتاب الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع، برقم 695.
(3)
صحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب كتاب صلاة العيدين، برقم 889.
(4)
نيل الأوطار، 2/ 398.
(5)
نيل الأوطار، 2/ 399، وانظر الشرح الممتع لابن عثيمين، 4/ 407.
(6)
الطحاوية مع شرحها، ص421.
كان حسناً، وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهذا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فلا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما؛ فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان، فتفويت الُجمَع والجماعات أعظم فساداً من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، ولا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجوراً فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية دون دفع المفسدة.
أما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر. وحينئذٍ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء: منهم من قال: يعيد، ومنهم من قال: لا يعيد (1)، والأقرب أنه لا يعيد (2).وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول:((من يسلم من الأئمة من الفسق ولا سيما آخر الزمان، فالقول بعدم صحة الصلاة خلف الفاسق فيه حرج عظيم، ومشقة كبيرة، فالصواب أنها تصح، ولكن على المسؤولين أن يختاروا)) (3) والله المستعان (4).
(1) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص423.
(2)
انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، 12/ 116، والشرح الممتع لابن عثيمين، 4/ 307، والإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم، 1/ 377 - 378، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص107، واختار أن الصلاة لا تصح خلف أهل الأهواء والبدع والفسقة مع القدرة على الصلاة خلف غيرهم. وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، 3/ 307 - 308، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، 4/ 355.
(3)
سمعته أثناء تقريره على الأحاديث رقم 1429 - 1432 من المنتقى من أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم، لأبي البركات ابن تيمية.
(4)
فكل من صحّت صلاته لنفسه صحّت إمامته، قال العلامة محمد بن عثيمين في الشرح الممتع،
4/ 307: ((وهذا القول لا يسع الناس اليوم إلا هو، لأننا لو طبقنا القول الأول على الناس ما وجدنا إماماً يصلح للإمامة)).