الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
27 - أنه قد فُسّر الشاهد الذي أقسم الله به بيوم الجمعة
.
28 - أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها
إلا الإنس والجن، وذلك لخوفهم أن تقوم القيامة.
29 - أنه اليوم الذي ادَّخره الله لهذه الأمة وأضل عنه أهل الكتاب
قبلهم
.
30 - أنه خيرة الله من أيام الأسبوع، كما أن رمضان خيرته من شهور العام
، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد خيرته من خلقه.
31 - ذكر ابن القيم أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتوافيها في يوم الجمعة
فيعرفون زوارهم ومن يمرُّ بهم ويسلّم عليهم. وذكر في ذلك آثاراً عن بعض السلف. قلت: وهذا يحتاج إلى دليل صحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.
32 - أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يكون في صيام كان يصومه
كمن يصوم يوماً ويفطر يوماً. ويكره أيضاً إفراد ليلتها بالقيام إلا ما كان يفعله المسلم في غير ليلة الجمعة فلا حرج من ذلك.
33 - أنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد
، ويتذكر المسلمون اجتماع اليوم الأكبر (1).
الحادي عشر: شروط صحة الجمعة على النحو الآتي:
الشرط الأول: الوقت، فلا تصح صلاة الجمعة إلا في وقتها المشروع
، ومما يدل على وقت صلاة الجمعة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)) (2). وحديث
(1) زاد المعاد لابن القيم، 1/ 375 - 425 بتصرف يسير فكل هذه الخصائص لخصتها من هذا الكتاب القيم لابن القيم، فانظر أدلتها هناك.
(2)
البخاري، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، برقم 904.
سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال:((كنا نجمّع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء)) (1). وفي لفظ: ((كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، فنرجع وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به)).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة)) (2). وفي لفظ: ((كنا نبكر إلى الجمعة ثم نقيل)). وعن جعفر بن محمد عن أبيه أنه سأل جابر بن عبد الله: متى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة؟ قال: ((كان يصلي ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها)). زاد عبد الله في حديثه: حين تزول الشمس: يعني النواضح. وفي رواية: ((كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،ثم نرجع فنريح نواضحنا (3)،قال حسن: فقلت لجعفر: في أي ساعة تلك؟ قال: زوال الشمس (4). وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ((ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة)). زاد ابن حُجر: ((في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (5).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: ((كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)) فيه إشعار بمواظبته صلى الله عليه وسلم على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس، وأما رواية أبي حميد التي بعدها عن أنس: ((كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة، فظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، لكن طريق
(1) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، برقم 4168، ومسلم، كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، برقم 860.
(2)
البخاري، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، برقم 905، وباب القائلة بعد الجمعة، برقم 940.
(3)
نريح نواضحنا: هو جمع ناضح وهو البعير الذي يستقى به، سمي بذلك؛ لأنه ينضح الماء: أي يصبه، ومعنى نريح: أن نريحها من العمل وتعب السقي ونخليها منه، شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 398.
(4)
مسلم، كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، برقم 858.
(5)
متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب قول الله تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ الله وَاذْكُرُوا الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]، برقم 941، ومسلم، كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، برقم 859.
الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته، أو تقديمه على غيره، وهو المراد هنا، والمعنى: أنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر؛ فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون؛
لمشروعية الإبراد)) (1).
قال الإمام البخاري رحمه الله: ((باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وكذلك يُروَى عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمر بن حريث رضي الله عنهم)) (2). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: ((باب وقت الجمعة)) أي أوله، ((إذا زالت الشمس)) جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالفة عنده)) (3)، ثم وصل الحافظ ابن حجر رحمه الله الآثار عن هؤلاء الصحابة، فقال:((فأما الأثر عن عمر، فروى أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وابن أبي شيبة من رواية عبد الله بن سيدان، قال: ((شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته إلى نصف النهار، وشهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار)) رجاله ثقات إلا عبد الله بن سيدان
…
فإنه تابعي كبير، إلا أنه غير معروف العدالة، قال ابن عدي: شبه المجهول، وقال البخاري:((لا يتابع على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه، فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس، وإسناده قوي)). وفي الموطأ عن مالك بن أبي عامر قال: ((كنت أرى طنفسة (4) لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشيها ظل الجدار خرج عمر)) إسناده صحيح. وهو
(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، 2/ 387.
(2)
البخاري، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، قبل الحديث رقم 903.
(3)
فتح الباري لابن حجر، 2/ 387.
(4)
الطنفسة: كساء له خمل يجلس عليه، جامع الأصول لابن الأثير، 5/ 673.
ظاهر في أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس
…
والذي يظهر [أن الطنفسة] كانت تفرش داخل المسجد، وعلى هذا فكان عمر يتأخر بعد الزوال قليلاً، وفي حديث السقيفة عن ابن عباس قال:((فلما كان يوم الجمعة زالت الشمس خرج عمر فجلس على المنبر))، وأما علي فروى
ابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق أنه: ((صلى خلف عليّ الجمعة بعدما زالت الشمس)). إسناده صحيح. وروى أيضاً من طريق أبي رزين قال: ((كنا نصلي مع علي الجمعة، فأحياناً نجد فيئاً وأحياناً لا نجد)). وهذا محمول على المبادرة عند الزوال، أو التأخير قليلاً. وأما النعمان بن بشير، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سماك بن حرب قال:((كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعدما تزول الشمس)). قلت: [القائل ابن حجر] وكان النعمان أميراً على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية. وأما عمرو بن حريث فأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، من طريق الوليد بن العِزار قال:((ما رأيت إماماً كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، فكان يصليها إذا زالت الشمس)) إسناده صحيح أيضاً، وكان عمرو ينوب عن زياد وعن ولده في الكوفة أيضاً
…
)) (1).
وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ((المستحب إقامة الجمعة بعد الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك
…
؛ ولأن في ذلك خروجاً من الخلاف؛ فإن علماء الأمة اتفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة، وإنما الخلاف فيما قبله، ولا فرق في استحباب إقامتها عقيب الزوال
(1) فتح الباري، لابن حجر، 2/ 387: نقل هذه الآثار عن الصحابة وصححها كما ترى. ثم ذكر ما يعارض هذه الآثار، ومنها أن عبد الله بن مسعود صلى الجمعة ضحى، وضعفه، ومنها ما نقل أن معاوية صلى الجمعة ضحى، وضعفه أيضاً. وقال في احتجاج بعض الحنابلة بقوله صلى الله عليه وسلم:((إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين)) فلما سماه عيداً جازت الصلاة فيه وقت العيد كالفطر والأضحى، وتعقب بأنه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيداً أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم)) فتح الباري لابن حجر، 2/ 387.
بين شدة الحر وبين غيره؛ فإن الجمعة يجتمع لها الناس، فلو انتظروا الإبراد شق عليهم، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها إذا زالت الشمس في الشتاء والصيف (1) على ميقات واحد (2)،وهذا هو الأفضل والأكمل
والأحوط (3).
(1) وأما حديث أنس رضي الله عنه: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة)) يعني الجمعة [البخاري، برقم 906]، فقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: ((بابٌ إذا اشتد الحر يوم الجمعة)) لما اختلف ظاهر النقل عن أنس وتقرر أن طريق الجمع أن يحمل الأمر على اختلاف الحال بين الظهر والجمعة كما قدمناه جاء عن أنس حديث آخر يوهم خلاف ذلك ترجم المصنف هذه الترجمة لأجله
…
قوله: ((وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة)) لم يجزم المصنف بحكم الترجمة لاحتمال الواقع في قوله: يعني الجمعة؛ لاحتمال أن يكون من كلام التابعي، أو من دونه، وهو ظن ممن قاله، والتصريح عن أنس في رواية حميد الماضية أنه كان يبكر بها مطلقاً من غير تفصيل، ويؤيده الرواية المعلقة الثانية فإن فيها البيان: بأن قوله: ((يعني الجمعة))، إنما أخذه قائله مما فهمه من التسوية بين الجمعة والظهر عند أنس حيث استدل لما سئل عن الجمعة:((كان يصلي الظهر)) وأوضح من ذلك رواية الإسماعيلي من طريق أخرى عن حرمي ولفظه: ((سمعت أنساً - وناداه يزيد الضبي يوم الجمعة يا أبا حمزة قد شهدت الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف كان يصلي الجمعة -؟ فذكره ولم يقل يعني الجمعة
…
وعرف بهذا أن الإبراد بالجمعة عند أنس إنما هو بالقياس على الظهر، لا بالنص، لكن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة بينهما)) [فتح الباري لابن حجر، 2/ 389].
(2)
المغني لابن قدامة، 3/ 159 - 160،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،5/ 190.
(3)
اختلف العلماء في أول وقت صلاة الجمعة هل يجوز قبل الزوال، أو لا يجوز إلا بعده. قال الإمام القرطبي رحمه الله على قوله:((كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس)) دليل للجمهور على أحمد بن حنبل وإسحاق، إذ قالا: إنه يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال، وهذا الحديث مبين للأحاديث التي بعده، ولا متمسك لأحمد وإسحاق في شيء منها مع هذا النص، فإنها كلها محتملة، وهو القاضي عليها المبيّن لها)) [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 2/ 495].
وقال الإمام النووي رحمه الله: ((وهذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء: من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم لا تجوز الجمعة إلا بعد الزوال، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل، وإسحاق، فجوّزاها قبل الزوال، قال القاضي: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء إلا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوت التبكير إليها، وقوله: ((نتتبع الفيء)) إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانه، وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير، وقوله:((ما نجد فيئاً نستظل به)) موافق لهذا؛ فإنه لم ينف الفيء من أصله، وإنما نفى ما يستظل به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به)) [شرح النووي على صحيح مسلم،6/ 397 - 398].
وقال الإمام ابن الملقن عن حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: ((فيه دلالة على أن وقت الجمعة وقت الظهر لا يجوز إلا بعد الزوال، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماعة العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ولم يخالف في ذلك إلا أحمد وإسحاق، فقالا: بجوازها قبل الزوال، قال الخرقي في السادسة تمسكاً بهذا الحديث)) [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، /179].
وقال الخرقي: ((وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة أجزأتهم)) قال الإمام ابن قدامة: ((وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز صلاتها فيما قبل السادسة، وروي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية، أنهم صلوا قبل الزوال. وقال القاضي وأصحابه: يجوز فعلها في وقت صلاة العيد، وقال مجاهد: ما كان للناس عيد إلا في أول النهار، وروي عن ابن مسعود، ومعاوية أنهما صليا الجمعة ضحى، وقالا: إنما عجلنا خشية الحر عليكم، ولأنها عيد فجاز في وقت العيد: كالفطر والأضحى، والدليل على أنها عيد قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين
…
)) [ابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، 1/ 326] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان)) [أبو داود وغيره، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 1/ 296] وقال أكثر أهل العلم: وقتها وقت الظهر إلا أنه يستحب تعجيلها في أول وقتها؛ لقول سلمة بن الأكوع: ((كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء)) متفق عليه. وقال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري؛ ولأنهما صلاتا وقت فكان وقتهما واحداً، كالمقصورة والتامة؛ ولأن إحداهما بدل عن الأخرى، وقائمة مقامها، فأشبها الأصل المذكور؛ ولأن آخر وقتهما واحد، فكان أوله واحداً: كصلاة الحضر والسفر. ولنا على جوازها في السادسة: السنة والإجماع، أما السنة فما روي عن جابر بن عبد الله قال:((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي - يعني الجمعة - ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس)). أخرجه مسلم. وعن
سهل بن سعد قال: ((ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)). متفق عليه. قال ابن قتيبة: ((لا يسمى غداء، ولا قائلة بعد الزوال)). وعن سلمة بن الأكوع قال: ((كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء نستظل به)). رواه أبو داود. وأما الإجماع فروى الإمام أحمد عن وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان قال:((شهدت يوم الجمعة مع أبي بكر، وكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، وكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره)) [رواه الدارقطني، 2/ 17، وقال في التعليق المغني على الدارقطني: رواته كلهم ثقات إلا عبد الله بن سيدان متكلم فيه
…
قال البخاري: لا يتابع على حديثه، وقال أبو القاسم اللالكائي: مجهول، وقال ابن عدي شبه مجهول
…
] وكذلك روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال، وأحاديثهم تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه، وأنه الأفضل، والأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال، ولا تنافي بينهما، وأما في أول النهار، فالصحيح أنها لا تجوز؛ لما ذكره أهل العلم؛ ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل: من نص أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه أنهم صلوها في أول النهار؛ ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر، وإنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل، وهو مختص بالساعة السادسة فلم يجز تقديمها عليها، والله أعلم؛ ولأنها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين؛ لأن العادة اجتماعهم لها عند الزوال، وإنما يأتيها ضحىً آحاد من الناس وعدد يسير، كما روي عن ابن مسعود أنه أتى الجمعة فوجد أربعة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد. إذا ثبت هذا فالأولى أن لا تصلى إلا بعد الزوال؛ ليخرج من الخلاف، ويفعلها في الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها فيه في أكثر أوقاته، ويجعلها في أول وقتها في الشتاء والصيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجلها، بدليل الأخبار التي رويناها؛ ولأن الناس يجتمعون لها في أول وقتها، ويبكرون إليها قبل وقتها، فلو انتظر الإبراد بها لشق على الحاضرين، وإنما يجعل الإبراد بالظهر في شدة الحر رفعاً للمشقة التي يحصل أعظم منها بالإبراد بالجمعة)) انتهى كلام ابن قدامة. [المغني، 3/ 239 - 242]، وانظر: الشرح الكبير،5/ 186 - 190،والإنصاف للمرداوي، 5/ 185 - 190]. ومما يستدل به على أن الجمعة تصح في الساعة السادسة قبل الزوال بساعة حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ثم ذكر: الثانية، والثالثة، والرابعة، ثم الخامسة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر، فيكون حضور الإمام على مقتضى حديث أبي هريرة في الساعة السادسة [انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، 5/ 41].
وذكر العلامة ابن عثيمين رحمه الله الأقوال الثلاثة:
القول الأول: أول وقت صلاة الجمعة وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس، ثم قال: بأن أثر عبد الله بن سيدان ضعيف كما تقدم، وإن صح فليس فيه دليل؛ لأن قوله: كانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار يدل على أنها قريبة من النصف، ولو كانت في أول النهار، لقال: كانت صلاته في أول النهار، وهذا يدل على أن صلاة أبي بكر رضي الله عنه كانت قريبة من الزوال، والقول بأن صلاة الجمعة تصح قبل الزوال هو المذهب، بل هو من المفردات.
القول الثاني: أنها لا تصح إلا بعد الزوال، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة.
القول الثالث: أنها تصح في الساعة السادسة قبل الزوال بساعة استناداً لحديث أبي هريرة: ((من راح في الساعة الأولى))
…
وهذا القول هو الراجح أنها لا تصح في أول النهار إنما تصح في السادسة، والأفضل على القول بأنها تصح في السادسة أن تكون بعد الزوال وفاقاً لأكثر العلماء. [الشرح الممتع، 5/ 41 - 42].
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول على حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: ((وهذا الحديث يدل على أن وقتها وقت الظهر، لكن بمراعاة التبكير في أول وقت الظهر، وبهذا قال جمهور أهل العلم، وقال آخرون: يجوز أن تقدم قبل الزوال، واختلفوا: فبعضهم قال: يكون وقتها بعد ارتفاع الشمس، وقال آخرون: الساعة السادسة قُبيل الزوال، وهذا أظهر؛ لما جاء في الأحاديث الصحيحة من فضل التبكير، وأن في الساعة السادسة يخرج الإمام، والساعة السادسة قُبيل الزوال، والتبكير بالجمعة قبل الزوال لا حرج فيه [يعني في الساعة السادسة] والأحوط، والأولى، والأفضل الخروج من الخلاف، وأن تصلى بعد الزوال عملاً بالأحاديث كلها، وخروجاً من الخلاف، واحتياطاً لهذه العبادة العظيمة)) [سمعته من سماحة الإمام رحمه الله أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم 470، وأثناء تقريره على صحيح مسلم، الحديث رقم 858، وسمعته مرة يضعف القول بأن أول وقت الجمعة بعد ارتفاع الشمس كصلاة العيد].
وقال الإمام الشوكاني عن قول الجمهور: لا تصح الصلاة قبل الزوال حتى في الساعة السادسة: ((واستدلالهم بالأحاديث القاضية بأنه صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة بعد الزوال لا ينفي الجواز قبله)) [نيل الأوطار، 2/ 539].
وآخر وقت الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر وهو أن يكون ظل الشيء كطوله بعد في الزوال، فإذا خرج وقت صلاة الظهر قبل إدراك
ركعة بعد أداء الواجب من الخطبتين صليت ظهراً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1)، وهذا هو الصواب أنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة (2)، فإذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة فله أن يفعل ذلك (3) وإلا صليت ظهراً (4).
(1) متفق عليه: البخاري، برقم 580،ومسلم، برقم 607،وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.
(2)
وقيل: تدرك بإدراك تكبيرة الإحرام في الوقت، قال العلامة ابن عثيمين:((الصحيح أن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) هذا منطوق الحديث، ومفهومه أن من لم يدرك ركعة لم يدرك الصلاة، وهذا عام في جميع الإدراكات. [الشرح الممتع، 5/ 43] وهو الذي اختاره الخرقي رحمه الله في مختصره قال: ((ومتى دخل وقت العصر وقد صلوا ركعة أتموا بركعة أخرى، وأجزأتهم جمعة)) انظر: مختصر الخرقي مع المغني 3/ 191، والشرح الكبير، 5/ 190 - 193، والإنصاف، 5/ 190.
(3)
المغني لابن قدامة، 3/ 192.
(4)
اختلف العلماء بما تدرك به صلاة الجمعة في الوقت على النحو الآتي:
ظاهر كلام الخرقي أن الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة في وقتها. واختاره ابن قدامة.
وقال القاضي: متى دخل وقت العصر بعد إحرامه أتمها جمعة، ونحو هذا قال أبو الخطاب؛ لأنه أحرم بها في وقتها أشبه ما لو أتمها فيه.
والمنصوص عن أحمد أنه إذا دخل وقت العصر بعد تشهده وقبل سلامه سلم وأجزأته، وهذا قول أبي يوسف، ومحمد، وظاهر هذا أنه متى دخل الوقت قبل ذلك بطلت أو انقلبت ظهراً.
وقال أبو حنيفة: إذا خرج الوقت قبل فراغه منها بطلت ولا يبني عليها ظهراً؛ لأنهما صلاتان مختلفتان فلا يبني إحداهما على الأخرى كالظهر والعصر، والظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كما ذكرنا عن أحمد؛ لأن السلام عنده ليس من الصلاة.
وقال الشافعي: لا يتمها جمعة ويبني عليها ظهراً، لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء إحداهما على الأخرى، كصلاة الحضر والسفر، واحتجوا على أنه لا يتمها جمعة بأن ما كان شرطاً في بعضها كان شرطاً في جميعها: كالطهارة وسائر الشروط.
والصواب ما قاله الخرقي وابن قدامة؛ ولهذا قال ابن قدامة: ((ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة)) [متفق عليه]؛ ولأنه أدرك من الجمعة ركعة فكان مدركاً لها، كالمسبوق بركعة؛ ولأن الوقت شرط يختص بالجمعة فاكتفي به في ركعة كالجمعة، وما ذكروه ينتقض بالجماعة فإنه يكتفى بإدراكها في ركعة)) المغني، 3/ 191 - 192.