الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما أصابهم)) (1). وفي لفظ: لَمّا مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحِجر قال: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين)). ثم رفع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي)) (2).
أما جعل الإبل سترة في غير المعاطن فلا حرج، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي إلى بعيره، وقال:((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله)) (3).
41 - حلقات العلم في المساجد من أعظم القربات لله تعالى
؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه)) (4). وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)) (5).
وهذا حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم، والقواعد، والآداب، وفيه فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسَّر: من علم، أو مال، أو معاونة، أو إشارة بمصلحة، أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على
(1) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، برقم 433، ومسلم، كتاب الزهد، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، برقم 2980.
(2)
البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الإبل، برقم 435.
(3)
البخاري، برقم 4419 و4702، ومسلم، برقم 2980 - 2981.
(4)
مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم 2699.
(5)
مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم 2700.
المسلمين، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وفيه فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة، أو بيت ونحوهما إن شاء الله تعالى، ويدل عليه الحديث الثاني؛ فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب، وفي الحديث أن من كان عمله ناقصاً لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب، وفضيلة الآباء (1).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أسْتَحْلِفْكُم تُهمةً لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقةٍ من أصحابه فقال:((ما أجلسكم؟)) قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا، قال:((آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟)) قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال:((أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)) (2).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا: هلمّوا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم عز وجل وهو أعلم بهم، ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال فيقولون: لا، والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو
(1) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 17/ 24.
(2)
مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم 2701.
رأوك كانوا أشدّ لك عبادة، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً،
قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فممَ يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدّ منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم)) (1). وفي لفظ مسلم: ((إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فُضُلاً (2) يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحفَّ بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرَّقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لكفي الأرض: يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك
…
)) الحديث. وفيه: ((قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: يقولون: رب فيهم فلان عبدٌ خطّاء إنما مرّ فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم)) (3).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله يقول: ((وهذا
(1) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله عز وجل، برقم 6408، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل مجالس الذكر، برقم 2689.
(2)
سيارة: معناه: سياحون في الأرض، وأما معنى ((فضلاً)) على جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، وإنما مقصودهم حلق الذكر. شرح النووي على صحيح مسلم، 17/ 18، وانظر: فتح الباري لابن حجر، 11/ 209.
(3)
مسلم، برقم 2689، وتقدم تخريجه في الهامش الذي قبل السابق.
فضل عظيم نسأل الله أن يتقبّل، ومجالس العلم أعظم من مجالس التسبيح)) (1).
وعن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه، فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فُرْجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)) (2).
وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة، منها: جواز الإخبار عن أهل المعاصي، وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة، وفيه فضل ملازمة حلق العلم والذكر، وجلوس العالم والمذكّر في المسجد، وفيه: الثناء على المستحي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس (3)، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله يقول:((وهذا يدل على أن العالم ينبغي له أن يكون له في مسجده حلقات، حتى يستفيد الناس، وفيه أن الطالب يشرع له أن يدخل في فرج الحلقات، وحضورها، والأولى الانضمام في الحلقة والدخول فيها)) (4). وسمعته أيضاً يقول: ((وهذا فيه الحرص على حلقات العلم، والقرب من المحدث، ويخشى على من يخرج من المواعظ أن يدخل في الإعراض)) (5).
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في الصّفّة (6)
(1) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 6408.
(2)
البخاري، كتاب الصلاة، باب الحلق والجلوس في المسجد، برقم 474، وكتاب العلم، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، برقم 66.
(3)
انظر: فتح الباري لابن حجر، 1/ 157.
(4)
سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 66.
(5)
سمعته أثناء تقريره على الحديث رقم 474 من صحيح البخاري.
(6)
الصفة: سقيفة كانت في المسجد، يأوي إليها الفقراء. المفهم للقرطبي، 2/ 429.
فقال: ((أيكم يحب أن يغدو (1) كل يوم إلى بُطْحَانَ أو العقيق (2) فيأتي منه
بناقتين كَوْمَاويْنِ (3) في غير إثمٍ ولا قطع رحمٍ؟)) فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال:((أفلا يغدو أحدُكُم إلى المسجد فيعلَمُ أو يقرأُ آيتين من كتاب الله عز وجل، خير له من ناقتينِ، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهن من الإبل)) (4). قال الإمام القرطبي رحمه الله: ((ومقصود الحديث: الترغيب في تعلُّمِ القرآن، وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلا فأقل جزءٍ من ثواب القرآن وتعليمه خيرٌ من الدنيا وما فيها)) (5)، وقد قال صلى الله عليه وسلم:((ولقاب قوس أحدكم (6) أو موضع قدمٍ خير من الدنيا وما فيها)) (7).
(1) يغدو: يبكر. المفهم للقرطبي، 2/ 429.
(2)
بطحان، والعقيق، واديان بينهما وبين المدينة قريب من ثلاثة أميال، أو نحوها. المرجع السابق، 2/ 429، وشرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 337.
(3)
الكوماوان، تثنية كوماء: الناقة العظيمة السنام، كأنه كوم، انظر: المفهم للقرطبي، 2/ 429، وشرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 337.
(4)
مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وتعلمه، برقم 803.
(5)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 2/ 429.
(6)
لقاب قوس أحدكم: القاب القدر، أي موضعٌ قدره، وقيل: قدر ذراع، وفي لفظ للبخاري [برقم 2796]((ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قيدٍ يعني سوطه خيرٌ من الدنيا وما فيها))، وفي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه[برقم 3013] ((إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)). وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص346، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الواو، 4/ 118.
(7)
متفق عليه. البخاري، واللفظ له، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، برقم 6568، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، برقم 1880.