الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَوْله: {فصل} )
{الْأَكْثَر على جَوَاز النّسخ بِلَا بدل، وَمنعه جمع، وَجمع فِي الْعِبَادَة} .
الَّذِي ذهب إِلَيْهِ جَمَاهِير الْعلمَاء أَنه يجوز النّسخ بِلَا بدل، وَمنعه قوم وَذكره أَبُو الْمَعَالِي عَن جُمْهُور الْمُعْتَزلَة، وَنَقله الباقلاني عَن الْمُعْتَزلَة، وَنَقله الْبرمَاوِيّ عَن بعض أهل الظَّاهِر، وَمنعه بعض الْعلمَاء فِي الْعِبَادَة بِنَاء على أَن النّسخ يجمع معنى الرّفْع وَالنَّقْل، نَقله ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ".
اسْتدلَّ الْجُمْهُور بِمَا اعْتمد عَلَيْهِ فِي إِثْبَات النّسخ؛ وَلِأَنَّهُ نسخ تَقْدِيم الصَّدَقَة أما الْمُنَاجَاة، وَتَحْرِيم ادخار لُحُوم الْأَضَاحِي.
وَفِي البُخَارِيّ أَنه كَانَ إِذا دخل وَقت الْفطر فَنَامَ قبل أَن يفْطر حرم الطَّعَام وَالشرَاب، وإتيان النِّسَاء إِلَى اللَّيْلَة الْآتِيَة، ثمَّ نسخ.
وَاحْتج الْآمِدِيّ على عَادَته أَنه لَو فرض وُقُوعه لم يلْزم مِنْهُ محَال.
ورده بعض أَصْحَابنَا وَغَيرهم بِأَنَّهُ مُجَرّد دَعْوَى، وَأَن إِمْكَان هَذَا ذهني بِمَعْنى عدم الْعلم بالامتناع، لَيْسَ إِمْكَانه خارجيا بِمَعْنى الْعلم بِهِ خَارِجا فَإِنَّهُ يكون للْعلم بِوُجُودِهِ، أَو نَظِيره أَو أولى مِنْهُ كَمَا يذكر فِي الْقُرْآن، قَالُوا:{نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا} [الْبَقَرَة: 106] .
رد: الْخلاف فِي الحكم لَا فِي اللَّفْظ، ثمَّ لَيْسَ عَاما فِي كل حكم، ثمَّ مَخْصُوص بِمَا سبق، ثمَّ يكون نسخه بِغَيْر بدل خيرا لمصْلحَة علمهَا، ثمَّ إِنَّمَا تدل الْآيَة أَنه لم يَقع لَا أَنه لَا يجوز.
وَأَيْضًا الْمصلحَة قد تكون فِيمَا نسخ، ثمَّ تصير الْمصلحَة فِي عَدمه، هَذَا عِنْد من يعْتَبر الْمصَالح، وَأما من لَا يَعْتَبِرهَا فَلَا إِشْكَال فِيهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالله تَعَالَى يفعل مَا يَشَاء.
قَالَ الباقلاني: كَمَا يجوز أَن الله تَعَالَى يرفع التكاليف كلهَا يجوز أَن يرفع بَعْضهَا بِلَا بدل من بَاب أولى.
قَوْله: {فعلى الأول وَقع عِنْد الْأَكْثَر، وَخَالف الشَّافِعِي وَأول} .
وَالدَّلِيل على الْوُقُوع مَا تقدم من الْآيَات، وَنفى الشَّافِعِي إِيقَاع ذَلِك.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: لَيْسَ المُرَاد أَن الشَّافِعِي نفى أَن لَا ينْسَخ حكم إِلَّا وَيثبت حكم آخر متجدد، بل على معنى آخر نذكرهُ بعد حِكَايَة النَّص فَقَالَ فِي الرسَالَة فِي ابْتِدَاء النَّاسِخ والمنسوخ: وَلَيْسَ ينْسَخ فرض أبدا إِلَّا أثبت مَكَانَهُ فرض كَمَا نسخت قبْلَة بَيت الْمُقَدّس فَأثْبت مَكَانهَا الْكَعْبَة. انْتهى.
قَالَ الصَّيْرَفِي فِي " شَرحه ": مُرَاده أَن ينْقل من حظر إِلَى إِبَاحَة، أَو من إِبَاحَة إِلَى حظر، أَو تَخْيِير على حسب أَحْوَال الْفُرُوض. قَالَ: كنسخ الْمُنَاجَاة فَإِنَّهُ تَعَالَى لما فرض تَقْدِيم الصَّدَقَة أَزَال ذَلِك بردهمْ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَإِن شَاءُوا تقربُوا إِلَى الله تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ، وَإِن شَاءُوا ناجوه من غَيره صَدَقَة.
قَالَ: فَهَذَا معنى قَول الشَّافِعِي فرض فتفهمه. انْتهى.
فَظهر أَن المُرَاد الشَّافِعِي بِالْبَدَلِ أَعم من حكم آخر ضد الْمَنْسُوخ كالقبلة أَو الرَّد لما كَانُوا عَلَيْهِ قبل شرع الْمَنْسُوخ كالمناجاة، فالمدار على ثُبُوت حكم شَرْعِي فِي الْمَنْسُوخ فِي الْجُمْلَة حَتَّى لَا يتْركُوا هملا إِلَى أَمر آخر وَلَو أَنه إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل ذَلِك، فَلم يُغَادر الرب - تَعَالَى - عباده هملا، فالصور أَربع:
إِحْدَاهَا: الْجَوَاز بِلَا بدل، وَلَا يُخَالف فِيهِ إِلَّا بعض الْمُعْتَزلَة، والظاهرية.
وَالثَّانيَِة: الْوُقُوع بِلَا بدل أصلا، وَيصير ذَلِك بِلَا حكم أصلا، بل يبْقى كالأفعال قبل وُرُود الشَّرْع، وَهَذَا مَعَ جَوَازه، لم يقل بِهِ أحد، وَلَا حفظ فِيهِ شَيْء من الشَّرْع يكون مِثَالا لَهُ.
وَالثَّالِثَة: وُقُوعه بِبَدَل، إِمَّا بإحداث أَمر كالكعبة، أَو إِبَاحَة مَا كَانَ وَاجِبا كالمناجاة، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّافِعِي بقوله السَّابِق فَلَا يفهم مِمَّا أَرَادَ من الْبَدَل إِلَّا ذَلِك، وَهُوَ قَضِيَّة كَلَام القَاضِي أبي بكر أَيْضا، وَهُوَ الْحق كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
وَالرَّابِعَة: وُقُوعه بِبَدَل متجدد أصل كالكعبة بعد بَيت الْمُقَدّس، يكون شرطا لَا بُد مِنْهُ، وَهِي مَسْأَلَة الْوُقُوع الَّتِي فِيهَا الْخلاف، وَالْجُمْهُور على عدم اشْتِرَاط مثل ذَلِك، وَلَيْسَ ذَلِك مَحل كَلَام الشَّافِعِي.
وَمِمَّنْ أَشَارَ إِلَى مَا قَرَّرْنَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيص "" مُخْتَصر التَّقْرِيب ". انْتهى كَلَام الْبرمَاوِيّ.
قَوْله: {وَيجوز بأثقل عِنْد الْأَكْثَر، وَخَالف قوم مُطلقًا، وَقوم شرعا، وَقوم عقلا، وَاخْتَارَهُ ابْن عقيل} .
قد تقرر أَن النّسخ جَائِز، وواقع بِبَدَل، وَبِغير بدل، فَإِذا كَانَ بِبَدَل فالبدل إِمَّا مسَاوٍ أَو أخف، أَو أثقل، والأولان جائزان بِاتِّفَاق.
مِثَال الْمسَاوِي: نسخ اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس بِالْكَعْبَةِ.
وَمِثَال الأخف: وجوب مصابرة الْعشْرين من الْمُسلمين مِائَتَيْنِ من الْكفَّار وَالْمِائَة ألفا كَمَا فِي الْآيَة نسخ بقوله تَعَالَى: {الئن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم ألف يغلبوا أَلفَيْنِ} [الْأَنْفَال: 66] فَأوجب مصابرة الضعْف، وَهُوَ
أخف من الأول، وَمثله نسخ الْعدة بالحول فِي الْوَفَاة بالعدة بأَرْبعَة أشهر وَعشر.
وَأما النّسخ بالأثقل فَهُوَ مَحل الْخلاف، وَالْجُمْهُور على الْجَوَاز وَدَلِيل وُقُوعه: أَن الْكَفّ عَن الْكفَّار كَانَ وَاجِبا بقوله تَعَالَى: {ودع أذاهم} [الْأَحْزَاب: 48] فنسخ بِإِيجَاب الْقِتَال وَهُوَ أثقل، أَي: أَكثر مشقة، وَكَذَا نسخ وجوب صَوْم يَوْم عَاشُورَاء بِصَوْم رَمَضَان، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة: إِنَّه كَانَ وَاجِبا، وَظَاهر كَلَام الإِمَام أَحْمد والأثرم صَاحبه.
وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه لم يكن وَاجِبا، وَإِنَّمَا كَانَ متأكد الِاسْتِحْبَاب، وَبِه قَالَ كثير من أَصْحَابنَا وَغَيرهم.
لَكِن يظْهر لي فِي ذَلِك إِشْكَال وَهُوَ أَنه قد تقدم أَن عَاشُورَاء مَا نسخ برمضان، وَإِنَّمَا وَافق نسخ عَاشُورَاء وجوب صِيَام رَمَضَان فَمَا نسخ بأثقل وَلَا بأخف وَإِنَّمَا نسخ عَاشُورَاء وَأوجب الله صِيَام رَمَضَان من غير أَن ينْسَخ بِهِ.
وَقَالَ بعض الشَّافِعِيَّة، وَابْن دَاوُد وَغَيره من الظَّاهِرِيَّة وَذكره ابْن برهَان عَن الْمُعْتَزلَة: لَا يجوز النّسخ بأثقل.
قَالَ ابْن مُفْلِح: الْجُمْهُور جَوَاز النّسخ بأثقل خلافًا لبَعض الشَّافِعِيَّة وَابْن دَاوُد، وَغَيره.
وَأما الْبرمَاوِيّ فَقَالَ: قَالَ بعض أهل الظَّاهِر بِمَنْعه، ثمَّ مِنْهُم من أجَاز ذَلِك عقلا، وَمنع مِنْهُ سمعا، وَهُوَ رَأْي أبي بكر بن دَاوُد الظَّاهِرِيّ، وَمِنْهُم من مَنعه عقلا، وَمِنْهُم من قَالَ بِجَوَاز ذَلِك وَلم يَقع.
وَالْمَقْصُود أَن فِي الْمَسْأَلَة أقوالا: الْجَوَاز مُطلقًا، وَعَدَمه مُطلقًا، وجوازه عقلا لَا سمعا، وَمنعه عقلا لَا شرعا - وَقُلْنَا اخْتَارَهُ ابْن عقيل - وجوازه مُطلقًا وَإِن لم يَقع.
وَاسْتدلَّ للْمَذْهَب - وَهُوَ الصَّحِيح - بِمَا سبق، وَبِأَنَّهُ لَا يمْتَنع لذاته وَلَا لتَضَمّنه مفْسدَة ولوقوعه، كنسخ تَخْيِير الصَّحِيح بَين صَوْم رَمَضَان والفدية بصومه وعاشوراء برمضان.
إِن قيل: إِنَّه كَانَ وَاجِبا كَمَا تقدم، وَالْحَبْس فِي الْبيُوت بِالْحَدِّ، والصفح عَن الْكفَّار بقتل مُقَاتلَتهمْ، ثمَّ بقتالهم كَافَّة كَمَا تقدم.
قَالُوا: أبعد من الْمصلحَة وأشق.
رد: لَازم فِي ابْتِدَاء التَّكْلِيف، وَإِن اعْتبرت الْمصلحَة فقد تكون فِي الأثقل كَمَرَض وَغَيره.
قَالُوا: {نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا} قَالَ ابْن عَبَّاس: بأيسر على النَّاس.
وَقَالَ غَيره: {أَو مثلهَا} أَي: فِي الثَّوَاب، وَالْحكمَة فِي تبديلها الِاخْتِيَار.
وَجَوَابه مَا سبق فِي الَّتِي قبلهَا، فَإِن ثَبت عَن ابْن عَبَّاس فَمَعْنَاه غَالِبا كَمَا سبق وَهُوَ خير بِاعْتِبَار الثَّوَاب، وَقَالَهُ القَاضِي.
قَالُوا: تَشْدِيد فَلَا يَلِيق برأفة الله تَعَالَى: {الئن خفف الله عَنْكُم} [الْأَنْفَال: 66]، {يُرِيد الله بكم الْيُسْر} [الْبَقَرَة: 185] ، {يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم} [النِّسَاء: 28] .
قُلْنَا: منقوض بتسليطه الْمَرَض، والفقر، وأنواع الآلام، والمؤذيات.
فَإِن قيل: لمصَالح علمهَا.
قُلْنَا: قد أجبتم عَنَّا.
وَجه كَونهَا تتَعَلَّق بِالْمَسْأَلَة الَّتِي قبلهَا لِأَن فِيهَا الْخَيْرِيَّة لقَوْله: {نأت بِخَير مِنْهَا} فَدلَّ أَن فِيهِ مَا هُوَ خير من الْمَنْسُوخ، أَو مثله، وَهِي: هَل يتفاضل الْقُرْآن وثوابه، أم لَا؟
فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء:
أَحدهمَا: أَنه يتفاضل، وثواب بعضه أَكثر من بعض، وَقد وَردت النُّصُوص الصَّرِيحَة الصَّحِيحَة بذلك. وَهَذَا عَلَيْهِ أَكثر الْعلمَاء، مِنْهُم:
الإِمَام إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، والقرطبي، وَابْن عقيل، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين، والحليمي، وَالْبَيْهَقِيّ، وَابْن الْعَرَبِيّ، وَابْن الْحصار، والقرطبي وَالنَّوَوِيّ، وَغَيرهم، وَالْقَاضِي من أَصْحَابنَا أَيْضا.
وَقَالَ هُوَ أَيْضا وَجَمَاعَة من الْعلمَاء: لَا يجوز أَن يتفاضل ثَوَابه؛ لِأَنَّهُ جَمِيعه صفة لله تَعَالَى.
قَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن دَاوُد الْحَنْبَلِيّ القادري فِي أَدِلَّة أوراده: فِي تَفْضِيل بعض الْآيَات والسور على بعض خلاف، رجح إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَابْن الْعَرَبِيّ، وَابْن الْحصار من الْمَالِكِيَّة، والقرطبي التَّفْضِيل؛ لِأَن مَا تضمنه قَوْله تَعَالَى:{وإلهكم إِلَه وَاحِد} [الْبَقَرَة: 163] ، وَآيَة الْكُرْسِيّ، وَسورَة الْإِخْلَاص، وَنَحْوهَا من الدلالات على وحدانيته وَصِفَاته لَيْسَ مَوْجُودا - مثلا - فِي سُورَة تبت، وَمَا كَانَ مثلهَا، فالتفضيل إِنَّمَا هُوَ بالمعاني العجيبة، وَكَثْرَتهَا، لَا من حَيْثُ الصّفة، وَهَذَا هُوَ الْحق، قَالَه الْقُرْطُبِيّ.
قَالَ ابْن الْحصار: عجبي مِمَّن يذكر الْخلاف مَعَ هَذِه النُّصُوص.
قَالَ بَعضهم: إِطْلَاق أعظم وَأفضل فِي بعض السُّور بِمَعْنى فَاضل وعظيم، وَهُوَ رَاجع إِلَى عظم أجر قَارِئ ذَلِك، وجزيل ثَوَابه. قَالَ النَّوَوِيّ: وَالْمُخْتَار جَوَاز قَول هَذِه الْآيَة أَو هَذِه السُّورَة أعظم وَأفضل بِمَعْنى أَن الثَّوَاب الْمُتَعَلّق بهَا أكبر، وَأعظم. انْتهى.
وَقَالَ القَاضِي من أَصْحَابنَا، وَغَيره: لَا يُقَال ذَلِك، وَذَلِكَ لِأَن جَمِيع الْقُرْآن صفة من صِفَات الله تَعَالَى، وَهِي لَا تَتَفَاوَت.
قَوْله: {تَنْبِيه: لم تنسخ إِبَاحَة إِلَى إِيجَاب، وَلَا إِلَى كَرَاهَة} ، رَأَيْت ذَلِك فِي بعض كتب أَصْحَابنَا) .