الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَوْله: {فصل} )
{الْأَرْبَعَة، والمعظم ينْسَخ بالفحوى، وَقيل: لَا} .
قد سبق فِي بَاب الْمَفْهُوم أَن مَفْهُوم الْمُوَافقَة، هُوَ مَا يكون الْمَسْكُوت عَنهُ مُوَافقا للمذكور فِي حكمه، وَسبق فِي طَرِيق دلَالَته أَقْوَال:
أَحدهَا: بطرِيق الْمَفْهُوم وَهُوَ المُرَاد هُنَا فِي نسخه والنسخ بِهِ لَا على قَول أَنه بِالْقِيَاسِ؛ لِأَن ذَلِك دَاخل فِي قَاعِدَة النّسخ للْقِيَاس بِهِ، وَلَا على أَن دلَالَته مجازية بِقَرِينَة، وَلَا على أَنه نقل اللَّفْظ لَهَا عرفا.
إِذا علم ذَلِك فالنسخ إِمَّا أَن يتَوَجَّه على الفحوى، أَو على أَصله، وكل مِنْهُمَا إِمَّا مَعَ التَّعَرُّض لبَقَاء الآخر، أَو مَعَ عدم التَّعَرُّض لذَلِك، وَإِمَّا أَن ينسخا مَعًا، وَإِمَّا أَن يكون النّسخ بالفحوى، فَهَذِهِ سِتّ مسَائِل.
وكلامنا هُنَا هُوَ نسخ الفحوى من غير تعرض لبَقَاء الأَصْل، أَو رَفعه، والنسخ بِهِ، فَقَالَ ابْن مُفْلِح: الفحوى ينْسَخ وينسخ بِهِ، ذكره الْآمِدِيّ اتِّفَاقًا، وَفِي " التَّمْهِيد " الْمَنْع عَن بعض الشَّافِعِيَّة، وَذكره فِي " الْعدة " عَن الشَّافِعِيَّة، قَالَ فِيمَا حَكَاهُ الإِسْفِرَايِينِيّ: وَاخْتَارَهُ بعض أَصْحَابنَا. لنا: أَنه كالنص وَإِن قيل: قِيَاس، فقطعي. انْتهى.
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ عَن الْمَسْأَلَة الأولى: من الْعلمَاء من منع ذَلِك.
وَقَالَ عَن الثَّانِيَة: وَهُوَ النّسخ بِهِ. انتقد على الإِمَام، والآمدي ادعاؤهما الِاتِّفَاق على الْجَوَاز، فقد حكى الْخلاف أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي " شرح اللمع " بِنَاء على [أَن] الفحوى قِيَاس، وَالْقِيَاس لَا ينْسَخ النَّص.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: قلت: فَإِن كَانَت حكايته الِاتِّفَاق بِنَاء على أَنه لَيْسَ
من بَاب الْقيَاس فَلَا انتقاد عَلَيْهِمَا بِالْمَنْعِ تَفْرِيعا على أَنه قِيَاس، وَقد نَص الباقلاني على الْمَنْع أَيْضا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق. انْتهى.
يجوز نسخ أصل الفحوى كالتأفيف، كَمَا لَو قَالَ: رفعت عَنْك تَحْرِيم التأفيف دون بَقِيَّة أَنْوَاع الْإِيذَاء؛ لِأَنَّهُ لَا يلْزم من إِبَاحَته الْخَفِيف إِبَاحَة الشَّديد. وَهَذَا اخْتِيَار القَاضِي أبي يعلى، وَابْن عقيل، وَالْفَخْر إِسْمَاعِيل الْبَغْدَادِيّ، وَحكى عَن الْحَنَفِيَّة، وَغَيرهم.
وَقَالَ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة "، وَتَبعهُ الطوفي بِالْمَنْعِ، وَذكره الْآمِدِيّ قَول الْأَكْثَر وَذَلِكَ لِأَن الْفَرْع يتبع الأَصْل، فَإِذا ارْتَفع الأَصْل فَكيف يبْقى الْفَرْع؟
عَكسه هُوَ نسخ الفحوى وَهُوَ - مثلا - الضَّرْب دون أَصله وَهُوَ التأفيف كَمَا لَو قَالَ: رفعت تَحْرِيم كل إِيذَاء غير التأفيف، فَيجوز فِي ظَاهر كَلَام أَصْحَابنَا، قَالَه ابْن مُفْلِح، وَعَلِيهِ أَكثر الْمُتَكَلِّمين، قَالَه الْبرمَاوِيّ.
وَلِأَن الفحوى وَأَصله مدلولان متغايران فَجَاز نسخ كل مِنْهُمَا.
وَمنع الْمجد، وَابْن مُفْلِح، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، وَابْن
الْحَاجِب، وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَهُوَ مَنْقُول عَن أَكثر الْفُقَهَاء، وَحكي عَن الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم، وَاخْتلف كَلَام عبد الْجَبَّار المعتزلي.
قيل: وَلَعَلَّ مأخذه أَن دلَالَته لفظية، أَو قياسية.
وَمنع بَعضهم هُنَا، وَإِن لم يمْنَع فِي الَّتِي قبلهَا؛ لِأَن تَحْرِيم التأفيف يسْتَلْزم تَحْرِيم الضَّرْب لِأَنَّهُ مَعْلُوم مِنْهُ وجوازه لَا يسْتَلْزم جَوَازه؛ لِأَنَّهُ أَكثر أَذَى.
قَالُوا: دلالتان فَجَاز رفع كل مِنْهُمَا.
رد: بِمَنْعه مَعَ الاستلزام لِامْتِنَاع بَقَاء ملزوم بِدُونِ لَازمه.
قَالُوا: الفحوى تَابع لأصله فيرتفع بِهِ.
رد: لدلَالَة الْمَنْطُوق على حكمه، لَا لحكمه، ودلالته بَاقِيَة.
قَوْله: {وَقيل: نسخ أَحدهمَا يسْتَلْزم الآخر.
وَقيل: هُنَا} . قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: نسخ الأَصْل يسْتَلْزم نسخ الفحوى وَعَكسه؛ لِأَن نفي اللَّازِم يسْتَلْزم نفي الْمَلْزُوم. انْتهى.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: إِلَّا أَنه لم يسْتَدلّ إِلَّا لإحدى الْمَسْأَلَتَيْنِ دون الْأُخْرَى، وَهِي أَن نسخ الأَصْل يلْزم مِنْهُ رفع الفحوى، لَكِن دليلها أَن الفحوى تَابع وَالْأَصْل متبوع، فَإِذا رفع الْمَتْبُوع ارْتَفع التَّابِع.
وَهَذَا الَّذِي رَجحه فيهمَا هُوَ الْمُخْتَار عِنْد الْأَكْثَر.
لذَلِك قَالَ فِي " جمع الْجَوَامِع ": وَالْأَكْثَر أَن نسخ أَحدهمَا يسْتَلْزم الآخر.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَفِي الْحَقِيقَة المسألتان مفرعتان على الْجَوَاز فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الأولتين؛ لأَنا إِذا قُلْنَا بِالْجَوَازِ عِنْد التَّقْيِيد بِبَقَاء الآخر فَعِنْدَ الْإِطْلَاق يعْمل بالاستلزام لعدم مَا يَقْتَضِي خِلَافه، على أَن الرَّازِيّ قد جزم بِأَن نسخ الأَصْل يسْتَلْزم، وَأما استلزام نسخ الفحوى نسخ الأَصْل فنقله عَن اخْتِيَار أبي الْحُسَيْن، وَسكت عَلَيْهِ، فَيحْتَمل أَنه مُوَافقَة، وَلِهَذَا جرى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيّ، وَيحْتَمل أَنه ذكره على وَجه التَّضْعِيف فَيكون من الْقَائِلين بالتفصيل.
وَأما الْآمِدِيّ فَقَالَ: وَالْمُخْتَار أَن تَحْرِيم الضَّرْب فِي مَحل السُّكُوت إِن جَعَلْنَاهُ من بَاب الْقيَاس فنسخ الأَصْل يُوجب نسخ الْفَرْع؛ لِاسْتِحَالَة بَقَاء الْفَرْع بِدُونِ الأَصْل، وَإِن جَعَلْنَاهُ بِدلَالَة اللَّفْظ فَلَا شكّ أَن إِحْدَى الدلالتين المختلفتين [بِاللَّفْظِ وَالْأُخْرَى بالفحوى، وهما مُخْتَلِفَتَانِ فَلَا يلْزم من رفع إِحْدَى الدلالتين المختلفتين] رفع الْأُخْرَى فَيكون قولا بِعَدَمِ الاستلزام فِي المحلين.
ثمَّ قَالَ: فَإِن قيل: الفحوى تَابع فَكيف يبْقى مَعَ ارْتِفَاع الْمَتْبُوع؟
قيل: التّبعِيَّة إِنَّمَا هِيَ فِي الدّلَالَة فِي الحكم، والنسخ إِنَّمَا [هُوَ] وَارِد على الحكم فقد يرْتَفع الحكم وَالدّلَالَة بَاقِيَة. انْتهى.
قَالَ الْمحلي فِي " شرح جمع الْجَوَامِع ": وَقيل: نسخ الفحوى لَا يسْتَلْزم نظرا إِلَى أَنه تَابع بِخِلَاف نسخ الأَصْل، وَقيل: نسخ الأَصْل لَا يسْتَلْزم نظرا إِلَى أَنه ملزوم بِخِلَاف نسخه الفحوى.
قَالَ ابْن برهَان: نسخ الفحوى يسْتَلْزم نسخ أَصله وَلَا عكس.
قَالَ فِي " الْأَوْسَط ": وَالْمذهب.
ثمَّ قَالَ الْمحلي: وَاعْلَم أَن استلزام كل مِنْهُمَا للْآخر يُنَافِي مَا صَححهُ فِي " جمع الْجَوَامِع " من جَوَاز نسخ كل مِنْهُمَا دون الآخر، فَإِن الِامْتِنَاع مَبْنِيّ على الاستلزام، وَالْجَوَاز مَبْنِيّ على عَدمه، وَقد اقْتصر ابْن الْحَاجِب على الْجَوَاز مَعَ مُقَابِله، والبيضاوي على الاستلزام، وَجمع المُصَنّف بَينهمَا، كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من قَول الْآمِدِيّ: وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز نسخ الأَصْل دون الفحوى والفحوى دون الأَصْل غير أَن الْأَكْثَر على أَن نسخ الأَصْل يُفِيد نسخ الفحوى. إِلَى آخِره الْمُشْتَمل على الْعَكْس أَيْضا فَكَأَنَّهُ سرى إِلَى ذهن المُصَنّف من غير تَأمل أَن الْخلاف الثَّانِي مُفَرع على الْجَوَاز من الأول، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ بل هُوَ بَيَان لمأخذ الأول الْمُفِيد أَن الْأَكْثَر على الِامْتِنَاع فيتأمل. انْتهى.
قَوْله: {وَلَو ثَبت حكم مَفْهُوم الْمُخَالفَة جَازَ نسخه، وَإِلَّا فَلَا، وَيبْطل بنسخ أَصله عِنْد القَاضِي، والموفق، والطوفي، وَغَيرهم،