الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَوْله: {فصل} )
{إِذا عطف اسْتثِْنَاء على اسْتثِْنَاء أضيف إِلَى الأول} .
فعشرة إِلَّا ثَلَاثَة، وَإِلَّا اثْنَيْنِ، كعشرة إِلَّا خَمْسَة، وَأَنت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَة، وَإِلَّا وَاحِدَة يَلْغُو الثَّانِي إِن بَطل اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر، وَإِلَّا وَقع وَاحِدَة فَيرجع الْكل المتعاطف إِلَى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ حملا للْكَلَام على الصِّحَّة مَا أمكن فَإِن عود كل لما يَلِيهِ قد تعذر بانفصاله بأداة الْعَطف، هَذَا إِذا لم يلْزم من عود الْكل الِاسْتِغْرَاق أَو الْأَكْثَر على الصَّحِيح كَمَا مثلنَا فِي الطَّلَاق.
قَوْله: {وَإِلَّا اسْتثِْنَاء من اسْتثِْنَاء} ، يَعْنِي: وَإِن لم تكن متعاطفة فَيكون اسْتثِْنَاء من اسْتثِْنَاء، {يَصح إِجْمَاعًا} ، قَالَه فِي " أُصُوله ".
وَحكى ابْن الْعِرَاقِيّ عَن بَعضهم مَنعه، وَحكى الْمحلي فِي " الذَّخَائِر " أَن بعض الْفُقَهَاء، حكى الْمَنْع عَن بعض أهل الْعَرَبيَّة، وَحَكَاهُ الرَّوْيَانِيّ عَن بعض أهل اللُّغَة، وَعلل ذَلِك الْبرمَاوِيّ.
فعلى الأول لَو قَالَ: عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة، إِلَّا درهما يلْزمه ثَمَانِيَة؛ لِأَنَّهُ من الْإِثْبَات نفي وَمن نفي إِثْبَات.
وَأَنت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَة، إِلَّا وَاحِدَة، فَقيل: يَلْغُو الثَّانِيَة فَيَقَع اثْنَتَانِ، وَهُوَ الصَّحِيح من الْمَذْهَب.
وَقيل: لَا، فَيَقَع ثَلَاث؛ لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء أَكثر؛ لِأَنَّهُ نفي من إِثْبَات، وَاسْتدلَّ لجَوَاز الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء بقوله تَعَالَى:{إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا} الْآيَة [الْحجر: 59، 60] .
وعللوا الْوَجْه الضَّعِيف الَّذِي يَقُول صَاحبه بِالْمَنْعِ بِأَن الْعَامِل فِي الِاسْتِثْنَاء الْفِعْل الأول بتقوية حرف الِاسْتِثْنَاء، وَالْعَامِل لَا يعْمل فِي معمولين.
وَأَجَابُوا عَم اسْتدلَّ بِهِ الْجُمْهُور من قَوْله تَعَالَى: {إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين (58) إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا} بِأَن الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي وَهُوَ {إِلَّا امْرَأَته} إِنَّمَا هُوَ من قَوْله: {أَجْمَعِينَ} .
قَوْله: {تَنْبِيه: تقدم الشَّرْط} ، أَي تقدم الشَّرْط، وَأَحْكَامه وَحده، وأقسامه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ فِي خطاب الْوَضع.
قَوْله: {وَيخْتَص اللّغَوِيّ مِنْهُ عرفا بِكَوْنِهِ مُخَصّصا} .
ذكر الأصوليون الشَّرْط من المخصصات كَمَا تقدم فِي تعدادها، وَالْمرَاد بِالشّرطِ الْمُخَصّص هُنَا هُوَ الشَّرْط اللّغَوِيّ لَا غير، وَإِن كَانَ قد أطلق الأصوليون الشَّرْط هُنَا، وَبَعْضهمْ قَيده.
قَالَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ": الشَّرْط ثَلَاثَة أَقسَام، ثمَّ قَالَ: الثَّانِي اللّغَوِيّ، وَالْمرَاد بِهِ صِيغ التَّعْلِيق ب (إِن) وَنَحْوهَا، وَهُوَ مَا يذكر فِي أصُول الْفِقْه فِي المخصصات للْعُمُوم، نَحْو:{وَإِن كن أولات حمل فأنفقوا عَلَيْهِنَّ} [الطَّلَاق: 6]، وَمِنْه قَوْلهم فِي الْفِقْه: الْعتْق الْمُعَلق على شَرط، وَالطَّلَاق الْمُعَلق على شَرط.
وَهَذَا كَمَا قَالَ الْقَرَافِيّ وَغَيره يرجع إِلَى كَونه سَببا حَتَّى يلْزم من وجود الْوُجُود، وَمن عَدمه الْعَدَم لذاته، وَوهم من فسره هُنَاكَ بتفسير الشَّرْط الْمُقَابل للسبب وَالْمَانِع، كَمَا وَقع لكثير من الْأُصُولِيِّينَ، فَجعل الْمُخَصّص
هُنَا من الشَّرْط اللّغَوِيّ، وَوهم من قَالَ غَيره.
وَقَالَ ابْن الْعِرَاقِيّ فِي " شرح جمع الْجَوَامِع ": الثَّانِي من المخصصات الشَّرْط عقليا كالحياة للْعلم، أَو شَرْعِيًّا كالإحصان مَعَ الرَّجْم، وعاديا كالسلم مَعَ الصعُود.
فَجعل الْمُخَصّص الشَّرْط بأقسامه، لَكِن لم يَجْعَل من أقسامه اللّغَوِيّ بل لم يذكرهُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَّا أَن تكون النُّسْخَة مغلوطة، فَإِن لم تكن مغلوطة فَفِي كَلَامه نظر من وَجْهَيْن.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيّ فِي " شرح منهاج الْبَيْضَاوِيّ " فِي المخصصات: وَاعْلَم أَن الشَّرْط قد يكون شَرْعِيًّا، وَقد يكون عقليا، وَقد يكون لغويا، وَكَلَام الإِمَام يَقْتَضِي أَن الْمَحْدُود هُوَ الشَّرْط الشَّرْعِيّ. انْتهى.
وَظَاهر كَلَام ابْن قَاضِي الْجَبَل، وَابْن مُفْلِح أَن الْمَحْدُود فِي المخصصات يَشْمَل الشُّرُوط الثَّلَاثَة، فَإِن ابْن قَاضِي الْجَبَل قَالَ لما ذكر حد الْمُوفق، وَالْغَزالِيّ: وَلَا يمْنَع لُزُوم الدّور بِحمْل الشَّرْط على اللّغَوِيّ؛ إِذْ الْمَحْدُود
هُوَ الشَّرْط الَّذِي هُوَ أَعم من الْعقلِيّ، والشرعي، واللغوي. انْتهى.
قلت: وَمِمَّا يدل على أَن المُرَاد الشَّرْط اللّغَوِيّ تمثيلهم بذلك.
قَوْله: {وَهُوَ مخرج مَا لولاه لدخل} ، كَقَوْلِك:(أكْرم بني تَمِيم إِن دخلُوا) فيقصره الشَّرْط على من دخل، وَأكْرمهمْ أبدا إِن قدرت، وَإِن خرج عدم الْقُدْرَة بِالْعقلِ لَا يُنَافِي الدُّخُول لُغَة.
قَوْله: {ويتحد، ويتعدد، على الْجمع، وَالْبدل} ، ثَلَاثَة أَقسَام كل مِنْهَا مَعَ {الْجَزَاء كَذَلِك تكمل تِسْعَة} .
الشَّرْط قد يتحد، مثل: إِن دخل زيد الدَّار، وَقد يَتَعَدَّد إِمَّا على سَبِيل الْجمع، مثل: إِن دخل زيد الدَّار، والسوق، وَإِمَّا على سَبِيل [الْبَدَل] مثل: إِن دخل الدَّار، أَو السُّوق، فَيكون ثَلَاثَة أَقسَام.
وكل من هَذِه الثَّلَاثَة إِمَّا أَن يكون جَزَاؤُهُ متحدا، مثل: أكْرمه، أَو مُتَعَددًا، إِمَّا على سَبِيل الْجمع مثل: أكْرمه وأعطه، أَو على سَبِيل الْبَدَل مثل: أكْرمه، أَو أعْطه، فَتكون الْأَقْسَام تِسْعَة.
قَوْله: {وَله صدر الْكَلَام يتَقَدَّم على الْجَزَاء لفظا؛ لتقدمه عَلَيْهِ فِي الْوُجُود طبعا، فَإِن أخر لفظا فَأكْثر النُّحَاة أَن مَا تقدم لَيْسَ بجزاء بل قَامَ
مقَامه، وَدلّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَحْذُوف} .
اعْلَم أَن قَول النُّحَاة: أكرمتك إِن دخلت الدَّار، خبر، وَالْجَزَاء مَحْذُوف مُرَاعَاة لتقدم الشَّرْط، كتقدم الِاسْتِفْهَام، وَالْقسم.
قَالَ ابْن مَالك فِي " التسهيل ": لأداة الشَّرْط صدر الْكَلَام فَإِن تقدم عَلَيْهَا شَبيه بِالْجَوَابِ معنى فَهُوَ دَلِيل الْجَواب، وَلَيْسَ إِيَّاه خلافًا للكوفيين، والمبرد، وَأبي زيد. انْتهى.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي " مُخْتَصره ": إِن عنوا أَن الْمُقدم لَيْسَ بجزاء للشّرط فِي اللَّفْظ فَمُسلم، وَإِن عنوان أَنه لَيْسَ بجزاء للشّرط لَا لفظا، وَلَا معنى، فَهُوَ عناد؛ لِأَن الْإِكْرَام يتَوَقَّف على الدُّخُول فَيتَأَخَّر عَنهُ من حَيْثُ الْمَعْنى فَيكون جَزَاء لَهُ معنى.
قَالَ: وَالْحق أَنه لما كَانَ الْمُتَقَدّم أَي (أكرمتك) جملَة مُسْتَقلَّة من حَيْثُ اللَّفْظ دون الْمَعْنى، روعيت الشائبتان فِيهِ، أَي: شَائِبَة الِاسْتِقْلَال من حَيْثُ
اللَّفْظ فَحكم بِكَوْنِهِ جَزَاء، وشائبة عدم الِاسْتِقْلَال من حَيْثُ الْمَعْنى فَحكم بِأَن الْجَزَاء مَحْذُوف لكَونه مَذْكُورا من حَيْثُ الْمَعْنى. انْتهى.
قَوْله: {وَهُوَ كاستثناء فِي اتِّصَاله بالمشروط} بِلَا خلاف، وَلَكِن قَوْله إِن شَاءَ الله يُسمى اسْتثِْنَاء، وَأَنه كالاستثناء فِي الِاتِّصَال، وَأَنه عِنْد بَعضهم أَنه مَحل الْخلاف، {وَإِن تعقب جملا متعاطفة فللكل عِنْد الْأَرْبَعَة وَغَيرهم} .
وَذكره أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد " إِجْمَاعًا.
وَقَالَ الْمُوفق فِي " الرَّوْضَة ": سلمه الْأَكْثَر.
{وَقيل: يخْتَص بِالْجُمْلَةِ الَّتِي تليه} حَتَّى إِن كَانَ مُتَأَخِّرًا اخْتصَّ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة أَو مُتَقَدما اخْتصَّ بِالْأولَى، اخْتَارَهُ بعض الأدباء، وَقد حَكَاهُ الصَّيْرَفِي قبل قَوْله هَذَا.
وَحكى الْغَزالِيّ عدم عوده للْجَمِيع عَن الأشعرية.
وَحكى الْمَاوَرْدِيّ، وَابْن كج عَن أبي حنيفَة أَنه كالاستثناء فِي اخْتِصَاصه بالأخيرة.
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي " مُخْتَصره ": وَهُوَ كالاستثناء فِي الِاتِّصَال وَفِي تعقبه الْجمل، وَعَن أبي حنيفَة للْجَمِيع فَفرق. انْتهى.
وَاخْتَارَ الْفَخر الرَّازِيّ التَّوَقُّف كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاء، وعَلى كل حَال هُوَ أولى بِالْعودِ إِلَى الْكل من الِاسْتِثْنَاء بِدَلِيل مُوَافقَة أبي حنيفَة عَلَيْهِ.
مِثَاله: أكْرم تميما، وَأعْطِ مضرا إِن نزلُوا بِكَذَا.
قَوْله: {وَيجوز إِخْرَاج الْأَكْثَر بِهِ} . قَالَ فِي " الْمَحْصُول ": اتَّفقُوا على أَنه يحسن التَّقْيِيد بِشَرْط أَن يكون الْخَارِج مِنْهُ أَكثر من الْبَاقِي، وَإِن اخْتلفُوا فِيهِ فِي الِاسْتِثْنَاء. انْتهى.
فَلَو قَالَ: أكْرم بني تَمِيم إِن كَانُوا عُلَمَاء، وَكَانَ الْجُهَّال أَكثر جَازَ، بل وَلَو كَانَ الْكل جُهَّالًا، يخرج الْكل بِالشّرطِ.
قَوْله: {فَائِدَة: يحصل الْمُعَلق على الشَّرْط وَالْعقد} ، أَي: وَيحصل العقد بعد وجود الشَّرْط، وَالْقَبُول فِي العقد.
{وَقَالَ أَكثر الْمُتَكَلِّمين، وَابْن عبد السَّلَام: مَعَه} .
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: هَل يحصل الشَّرْط مَعَ الْمَشْرُوط، أَو بعده؟ وَكَذَلِكَ قَوْلك: بِعْتُك، أَو وَهبتك، هَل يحصل مَعَ الْكَاف، أَو بعْدهَا؟ على قَوْلَيْنِ، الْأَكْثَرُونَ من الْمُتَكَلِّمين على أَنَّهَا مَعهَا، وَهُوَ اخْتِيَار ابْن عبد السَّلَام، وَالثَّانِي: بعده، وَهُوَ الصَّحِيح، قَاس الْأَولونَ الشَّرْط على الْعلَّة الْعَقْلِيَّة، وَالتَّحْقِيق الْمَنْع فيهمَا؛ وَلِهَذَا يدْخل فِي كَسرته فانكسر إِلَى غير ذَلِك. انْتهى.
قلت: وَمَا صَححهُ هُوَ ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب فِي تَعْلِيق الطَّلَاق بِالشُّرُوطِ.
وَقَالَ الْبرمَاوِيّ فِي " شرح منظومته ": يُوجد الْمُسَبّب مَعَ السَّبَب على الْمُرَجح كوجود الْعتْق وَالطَّلَاق الْمُعَلق على شَرط، على الْأَصَح فِي الْمَذْهَب، كَمَا
قَالَه الرَّافِعِيّ وَغَيره، وَهُوَ اخْتِيَار الْأَشْعَرِيّ، والمحققين كَالْإِمَامِ وَالْغَزالِيّ وَابْن عبد السَّلَام وَغَيرهم.
وَاخْتَارَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَأَتْبَاعه الْوُقُوع عقبه من غير تخَلّل زمَان. انْتهى.
قَوْله: {والتخصيص بِالصّفةِ كالاستثناء فِي الْعود وَلَو تقدّمت} . من جملَة المخصصات الْمُتَّصِلَة الْوَصْف.
وَالْمرَاد بِهِ: مَا أشعر بِمَعْنى ينعَت بِهِ أَفْرَاد الْعَام سَوَاء كَانَ نعتا، أَو عطف بَيَان، أَو حَالا، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك مُفردا، أَو جملَة، أَو شبهها، وَهُوَ الظروف، وَالْجَار، وَالْمَجْرُور، وَلَو كَانَ جَامِدا مؤولا بمشتق.
لَكِن يخرج من ذَلِك أَن يكون الْوَصْف خرج مخرج الْغَالِب فيطرح مَفْهُومه كَمَا يَأْتِي فِي المفاهيم، أَو يساق الْوَصْف لمدح أَو ذمّ، أَو ترحم، أَو توكيد، أَو تَفْصِيل فَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك مُخَصّصا للْعُمُوم.
مِثَال التَّخْصِيص بِالصّفةِ: أكْرم بني تَمِيم الداخلين، فيقصر الْإِكْرَام عَلَيْهِم.
قَالَ بعض أَصْحَابنَا، والآمدي، وَجمع: هِيَ كالاستثناء فِي الْعود كَمَا تقدم.
قَوْله: {وَلَو تقدّمت} ، هَذَا الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر، مثل قَوْله: وقفت على محتاجي أَوْلَادِي، وَأَوْلَادهمْ، فتشترط الْحَاجة فِي أَوْلَاد الْأَوْلَاد.
{وَقيل: يخْتَص بِمَا وليته إِن توسطت} .
قَالَ فِي " جمع الْجَوَامِع ": أما المتوسطة فالمختار اختصاصها بِمَا وليته.
مثل ذَلِك: على أَوْلَادِي المحتاجين وَأَوْلَادهمْ.
قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ: لَا نعلم فِيهَا نقلا، وَيظْهر اختصاصها بِمَا وليته.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: وَيدل على اختصاصها بِمَا وليته مَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي الْأَيْمَان عَن ابْن كج أَنه لَو قَالَ: عَبدِي حر - إِن شَاءَ الله -، وامرأتي طَالِق، وَنوى صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا، إِلَى آخِره فَإِن مَفْهُومه أَنه لَو لم ينْو لما عَاد إِلَى مَا بعده، وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الشَّرْط الَّذِي لَهُ صدر الْكَلَام، وَقد قَالَ بعوده للْجَمِيع بعض من لَا يَقُول بِعُود الِاسْتِثْنَاء وَالصّفة للْجَمِيع فَلِأَن يجْرِي مثل ذَلِك فِي الصّفة من بَاب أولى.
قَوْله: {وبغاية} . من المخصصات الْغَايَة، وَالْمرَاد بهَا أَن يَأْتِي بعد الْعَام حرف من أحرف الْغَايَة ك (إِلَى، وَحَتَّى، وَاللَّام) مِثَال اللَّام قَوْله تَعَالَى: {سقناه لبلد ميت} [الْأَعْرَاف: 57] أَي إِلَى، وَمثله {بِأَن رَبك أوحى لَهَا} [الزلزلة: 5] أَي أوحى إِلَيْهَا، وكأو أَيْضا فِي قَوْله:
(لأستسهلن الصعب أَو أدْرك المنى
…
)
أَي: إِلَى، وَرُبمَا كَانَت (إِلَى) بِمَعْنى (مَعَ) كَمَا تقدم.
وَحَتَّى للابتداء، نَحْو:
(حَتَّى مَاء دجلة أشكل
…
)
وَمِثَال حَتَّى، وَإِلَى: أكْرم بني تَمِيم أَو حَتَّى أَو إِلَى أَن يدخلُوا، فيقصر على غَيرهم كالاستثناء بعد الْجُمْلَة يشْتَرط فِيهَا الِاتِّصَال، وَكَذَا إِذا وليت مُتَعَددًا يعود إِلَى الْكل، نَحْو: وقفت على أَوْلَادِي وَأَوْلَاد أَوْلَادِي إِلَى أَن يستغنوا.
وَكَذَا فِي إِخْرَاج الْأَكْثَر، قَالَه الْبرمَاوِيّ وَغَيره، وَقَالَ: وَقَول ابْن الْحَاجِب، و " جمع الْجَوَامِع " إِنَّهَا كالاستثناء فِي الْعود، لَيْسَ الْمَقْصُود الْقصر على الْعود، بل تعرضا لَهُ لكَونه أهم.
قَوْله: {وَمَا بعْدهَا مُخَالف عِنْد الْأَكْثَر} ، أَي: مُخَالف لما قبلهَا، أَي: مَحْكُوم عَلَيْهِ بنقيض حكمه؛ لِأَن مَا بعْدهَا لَو لم يكن مُخَالفا لما قبلهَا لم تكن غَايَة، بل وسطا بِلَا فَائِدَة، قَالَ الله تَعَالَى:{ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} [الْبَقَرَة: 187] فَلَيْسَ شَيْء من اللَّيْل دَاخِلا قطعا.
قَالَ الْبرمَاوِيّ وَغَيره: هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي، وَالْجُمْهُور، كَمَا قَالَه أَبُو الْمَعَالِي.
{وَقَالَ} القَاضِي أَبُو بكر ابْن {الباقلاني} : مُخَالف لما بعْدهَا {نطقا} .
وَيَأْتِي فِي مَفْهُوم الْغَايَة لَفظه وتحريره.
وَقيل: مَا بعْدهَا لَيْسَ مُخَالفا لما قبلهَا، بل هُوَ دَاخل مُطلقًا.
وَقيل: مُخَالفا بِمَا بعْدهَا إِن كَانَ مَعهَا (من) نَحْو: بِعْتُك من هَذَا إِلَى هَذَا.
{وَقَالَ الرَّازِيّ: إِن تميز عَمَّا قبله بالحس لم يدْخل، وَإِلَّا دخل} .
والتمييز نَحْو: {ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} فَإِن لم يتَمَيَّز حسا اسْتمرّ ذَلِك الحكم على مَا بعْدهَا، {وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق} [الْمَائِدَة: 6] فَإِن الْمرْفق غير مُنْفَصِل عَن الْيَد بفصل محسوس.
{وَقيل: إِن كَانَ المغيا عينا، أَو وقتا لم يدْخل، وَإِلَّا دخل} . قَالَه بعض الْحَنَفِيَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى:{لَا تقربوهن حَتَّى يطهرن} [الْبَقَرَة: 222] ؛ لِأَن
الْغَايَة هُنَا فعل وَالْفِعْل لَا يدْخل بِنَفسِهِ مَا لم يفعل، وَمَا لم تُوجد الْغَايَة لَا يَنْتَهِي المغيا فَلَا بُد من وجود الْفِعْل الَّذِي هُوَ غَايَة النَّهْي؛ لانْتِهَاء النَّهْي فَيبقى الْفِعْل دَاخِلا فِي النَّهْي.
وَقيل: دَاخل إِن كَانَ من الْجِنْس، نَحْو:(بِعْتُك الرُّمَّان إِلَى هَذِه الشَّجَرَة وَالْوَاقِع أَنَّهَا رمانة) ، وَإِلَّا فَلَا.
{قَالَ الْآمِدِيّ: لَا تدل} الْغَايَة {على شَيْء} ، يَعْنِي: لَا تدل على أَن مَا بعْدهَا مُخَالف وَلَا مُوَافق.
وَتقدم عِنْد الْكَلَام على (إِلَى) فِي الْحُرُوف مَا يتَعَلَّق بِهَذَا، وَذكرنَا هُنَاكَ أقوالا لم نذكرها هَاهُنَا.
فَائِدَة غَايَة الشَّيْء طرفه ومنتهاه، ثمَّ تطلق تَارَة على الْحَرْف، كَقَوْلِه تَعَالَى:{حَتَّى مطلع الْفجْر} [الْقدر: 5] ، {حَتَّى يطهرن} ، {إِلَى الْمرَافِق} {إِلَى اللَّيْل} .
فَإِذا قيل: الْغَايَة هَل تدخل فِي المغيا، أَو لَا تدخل؟
فَيُقَال: إِن أُرِيد بِالْمَعْنَى الأول - وَهُوَ طرف الشَّيْء ومنتهاه - فداخلة قطعا وَإِن أُرِيد مَا بعد الَّذِي دخل عَلَيْهِ الْحَرْف فَلَا خلاف فِي عدم دُخُوله، وَإِن أُرِيد نفس مَا دخل عَلَيْهِ حرف الْغَايَة فَهُوَ مَحل الْخلاف الَّذِي ذَكرْنَاهُ قبل، الْمعبر عَنهُ بِمَا بعد الْغَايَة هَل يدْخل فِيمَا قبلهَا؟ فَإِن الْغَايَة هُنَا نفس الْحَرْف، وَمَا دخل عَلَيْهِ هُوَ مَا بعد الْغَايَة فَليعلم ذَلِك.
قَوْله: {وَمحله فِي غَايَة تقدمها عُمُوم يشملها لَو لم تأت، بِخِلَاف {حَتَّى مطلع الْفجْر} وَقطعت أَصَابِعه كلهَا من الْخِنْصر إِلَى الْإِبْهَام، فالغاية فِي الأولى خَارِجَة قطعا، وَفِي الثَّانِيَة دَاخِلَة قطعا} .
قَالَ السُّبْكِيّ الْكَبِير: قَول الْأُصُولِيِّينَ إِن الْغَايَة من المخصصات إِنَّمَا هُوَ إِذا تقدمها عُمُوم يشملها لَو لم يُؤْت بهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة} [التَّوْبَة: 29] فلولا الْغَايَة لقاتلنا الْكفَّار أعْطوا أَو لم يُعْطوا، أما نَحْو:" رفع الْقَلَم عَن الصَّبِي حَتَّى يبلغ، وَعَن النَّائِم عَن يَسْتَيْقِظ، وَعَن الْمَجْنُون حَتَّى يفِيق "، وَلَو سكت عَن الْغَايَة لم يكن الصَّبِي شَامِلًا للبالغ، وَلَا النَّائِم
للمستيقظ وَلَا الْمَجْنُون للمفيق، فَذكر الْغَايَة فِي ذَلِك إِمَّا تَأْكِيد لتقرير أَن أزمنة الصَّبِي وأزمنة الْجُنُون وأزمنة النّوم لَا يسْتَثْنى مِنْهَا شَيْء، وَنَحْوه:{حَتَّى مطلع الْفجْر} طلوعه، أَو زمن طلوعه لَيْسَ من اللَّيْل حَتَّى يَشْمَلهُ {سَلام هِيَ} بل حقق بِهِ ذَلِك، وَإِمَّا للإشعار بِأَن مَا بعد الْغَايَة حكمه مُخَالف لما قبله، وَلَوْلَا الْغَايَة لَكَانَ مسكوتا عَن ذكر الحكم مُحْتملا، وَهَذَا على رَأْي من يَقُول بِالْمَفْهُومِ.
قَالَ الشَّيْخ: وَهَذَا وَإِن قيل بِهِ فِي نَحْو {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة} فَهُوَ أقوى من القَوْل بِهِ هُنَا؛ لِأَن هُنَاكَ لَو لم يقل بِهِ لم يكن للغاية فَائِدَة، وَهنا فائدتها الْمَذْكُورَة أَولا فِيمَا سبق تعم قَوْله تَعَالَى:{ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} يحْتَمل أَنه مثل {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة} نظرا إِلَى أَن الصَّوْم اللّغَوِيّ شَامِل اللَّيْل وَالنَّهَار، وَلِهَذَا مثل الْبَيْضَاوِيّ بِهِ.
وَيحْتَمل أَنه مثل {حَتَّى مطلع الْفجْر} نظرا إِلَى أَن الصَّوْم الشَّرْعِيّ مُخْتَصّ بِالنَّهَارِ.
وَأَيْضًا فالعموم فِي الصّيام إِنَّمَا هُوَ فِي أَفْرَاد الصَّوْم لَا لأوقاته.
وَأَيْضًا إِطْلَاق كَون الْغَايَة من المخصصات لَا بُد فِيهِ من إِخْرَاج مَا سبق فِي حَدِيث: " رفع الْقَلَم " و {حَتَّى مطلع الْفجْر} ، و {حَتَّى يطهرن} ،
وَنَحْوه مِمَّا لَا يكون شَامِلًا لما بعد الْغَايَة وَإِخْرَاج نَحْو قطعت أَصَابِعه من الْخِنْصر إِلَى الْإِبْهَام وَأَن الْغَايَة دَاخِلَة فِيهِ قطعا فَهُوَ تَأْكِيد وَتَحْقِيق للْعُمُوم كَمَا سبق.
وَلَو كَانَ اللَّفْظ غير صَرِيح، نَحْو:(ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدا) كَانَ تَأْكِيدًا بالظهور، لَا بِالْقطعِ؛ لاحْتِمَال أَنه أَرَادَ أَن الضَّرْب انْتهى إِلَيْهِ وَلم يَشْمَلهُ. انْتهى.
قَوْله: {والغاية والمغيّا أَي: الْمُقَيد بهَا يتحدان ويتعددان تِسْعَة أَقسَام} ، قد تكون الْغَايَة والمغيا أَي: الْمُقَيد بهَا متحدين، كأكرم بني تَمِيم إِلَى أَن يدخلُوا، وَقد يكونَانِ متعددين إِمَّا على سَبِيل الْجمع كأكرم بني تَمِيم وأعطهم ألى أَن يدخلُوا ويقوموا، أَو على سَبِيل الْبَدَل، كأكرم بني تَمِيم أَو أعطهم إِلَى أَن يدخلُوا، أَو يقومُوا.
وَقد يكون أَحدهمَا متحدا، وَالْآخر مُتَعَددًا فَتكون الْأَقْسَام تِسْعَة كالشرط وتعرف أمثله بَاقِي الْأَقْسَام مِمَّا قد مر، وَتقدم الْكَلَام على التَّخْصِيص بِبَدَل الْبَعْض.
قَوْله: {فَائِدَة: قَالَ الشَّيْخ: التوابع المخصصة كبدل، وَعطف بَيَان، وتوكيد وَنَحْوه كاستثناء، والشروط المعنوية بِحرف الْجَزَاء، وبحرف
الْعَطف كالشرط وتتعلق حُرُوف الْجَرّ الْمُتَأَخِّرَة بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدّم} انْتهى.
أخذت ذَلِك من نقل ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله "، فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ بعض أَصْحَابنَا: والتوابع المخصصة للأسماء الْمُتَقَدّمَة كالبدل، وَعطف الْبَيَان كالاستثناء.
والشروط المعنونة بحروف الْجَرّ كَقَوْلِه: على أَنه، أَو بِشَرْط أَنه، أَو بحروف الْعَطف كَقَوْلِه: وَمن شَرطه كَذَا، فَهَذَا كالشرط، فَأكْرم بني تَمِيم، وَبني أَسد، وَبني بكر الْمُؤمنِينَ، أمكن كَونه تَمامًا لبكر فَقَط، وبشرط كَونهم مُؤمنين، أَو على أَنه مُتَعَلق بالإكرام وَهُوَ للْجَمِيع مَعًا، كَقَوْلِه: إِن كَانُوا مُؤمنين، وَلذَا تتَعَلَّق حُرُوف الْجَرّ الْمُتَأَخِّرَة بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدّم، وَهُوَ قَوْله: وقفت، وَهُوَ الْكَلَام وَالْجُمْلَة، فَيجب الْفرق بَين مَا تعلق بِالِاسْمِ، وَمَا تعلق بالْكلَام.
قَالَ: وَالْوَقْف على جمل أجنبيات كالوقف على أَوْلَاده، ثمَّ أَوْلَاد فلَان ثمَّ الْمَسَاكِين على أَنه لَا يعْطى مِنْهُم إِلَّا صَاحب عِيَال، يقوى اخْتِصَاص الشَّرْط بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّة من الأولى. انْتهى.
قَالَ ابْن عقيل فِي " الْإِرْشَاد " فِي الْوَعيد: والوعيد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما} [الْفرْقَان: 68] يجب عوده إِلَى جَمِيع مَا تقدم، وَعوده إِلَى بعضه لَيْسَ بلغَة الْعَرَب، وَلِهَذَا لَو قَالَ: من دخل، وخدمني، وأكرمني، فَلهُ دِرْهَم لم يعد إِلَى الدُّخُول فَقَط. وَذكره أَيْضا فِي " الْوَاضِح " فِي مُخَاطبَة الْكفَّار، وَقَالَ: إِذا عَاد للْجَمِيع فالمؤاخذة بِكُل من الْجمل فالخلود للكفر، والمضاعفة فِي قدر الْعَذَاب لما ذكره من الذُّنُوب.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وعَلى الْوَارِث مثل ذَلِك} [الْبَقَرَة: 233] .
قيل: الْإِشَارَة إِلَى أُجْرَة الرَّضَاع وَالنَّفقَة.
وَقيل: إِلَى النَّهْي عَن الضرار.
وَقيل: إِلَى الْجَمِيع، اخْتَارَهُ القَاضِي؛ لِأَنَّهُ على الْمَوْلُود لَهُ، وَهَذَا مَعْطُوف عَلَيْهِ فَيجب للْجَمِيع.
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي قَوْله تَعَالَى: {ذالكم فسق} [الْمَائِدَة: 3] : إِشَارَة إِلَى الْجَمِيع وَيجوز أَن يرجع إِلَى الاستقسام.
وَقَالَ أَبُو يعلى الصَّغِير من أَصْحَابنَا فِي قتل مَانع الزَّكَاة فِي آيَة الْفرْقَان الْمَذْكُورَة: ظَاهر اللَّفْظ يَقْتَضِي عود الْعَذَاب وَالتَّخْلِيد إِلَى الْجَمِيع، وكل وَاحِد مِنْهُ لَكِن قَامَ دَلِيل على أَن التخليد لَا يكون إِلَّا بالْكفْر فخصت بِهِ الْآيَة.
قَوْله: {والتمييز بعد جمل، مُقْتَضى كَلَام النُّحَاة وَبَعض الْأُصُولِيِّينَ عوده إِلَى الْجَمِيع، وَلنَا خلاف فِي الْفُرُوع} . قَالَه البعلي فِي " أُصُوله ".
وَقَالَ فِي " قَوَاعِده الْأُصُولِيَّة ": وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي " الْفُرُوع " على وَجْهَيْن، أصَحهمَا أَن الْأَمر كَذَلِك، فَإِن قَالَ: لَهُ عَليّ - مثلا - ألف وَخَمْسُونَ درهما فالجميع دَرَاهِم على الصَّحِيح من الْمَذْهَب.
وَقَالَ أَبُو الْحسن التَّمِيمِي: يرجع فِي تَفْسِير الْألف إِلَيْهِ.