الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قَوْله: {فصل} )
{أَكثر أَصْحَابنَا وَغَيرهم يجوز تَخْصِيصه إِلَى أَن يبْقى وَاحِد.
وَمنع الْمجد وَغَيره} من أَصْحَابنَا، {وَأَبُو بكر الرَّازِيّ من أقل الْجمع.
والقفال وَغَيره إِن كَانَ لَفظه جمعا.
وَالْقَاضِي وَولد الْمجد، وَجمع لَا بُد أَن تبقى كَثْرَة وَإِن لم تقدر.
وَالْمجد، وَابْن حمدَان، وَطَائِفَة كثرت تقرب من مَدْلُول اللَّفْظ.
وَجوزهُ ابْن الْحَاجِب باستثناء وَبدل إِلَى وَاحِد، وبمتصل
كصفة، ومنفصل فِي مَحْصُور قَلِيل إِلَى اثْنَيْنِ، وَغير المحصور، وَالْعدَد الْكثير، كالمجد} .
الْمَذْهَب الأول هُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب الإِمَام أَحْمد، وَأَصْحَابه.
قَالَ ابْن مُفْلِح: يجوز تَخْصِيص الْعَام إِلَى أَن يبْقى وَاحِد عِنْد أَصْحَابنَا.
قَالَ الْحلْوانِي: هُوَ قَول الْجَمَاعَة. وَكَذَا قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل.
قَالَ ابْن برهَان: هُوَ الْمَذْهَب الْمَنْصُور.
قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب: هُوَ قَول مَالك وَالْجُمْهُور.
وَحكى الْجُوَيْنِيّ إِجْمَاع أهل السّنة على ذَلِك فِي (من) و (مَا)
وَنَحْوهمَا، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَحَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي " التَّلْخِيص " وَغَيره عَن مُعظم أَصْحَاب الشَّافِعِي، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ.
وَنَقله أَيْضا عَن معظمهم ابْن الصّباغ، وَنَقله ابْن السَّمْعَانِيّ عَن سَائِر أَصْحَاب الشَّافِعِي خلا الْقفال.
وَحَكَاهُ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ عَن إِجْمَاع أَئِمَّتنَا، وَصَححهُ القَاضِي أَبُو الطّيب.
وَمنع الْمجد، وَغَيره من أَصْحَابنَا، وَأَبُو بكر الرَّازِيّ الْحَنَفِيّ، والقفال، وَالْغَزالِيّ النَّقْص من أقل الْجمع، قَالَه ابْن مُفْلِح.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: فِيهِ مَذَاهِب:
أَحدهَا - وَهُوَ الْمُخْتَار، ورأي الْقفال -: أَنه يجوز التَّخْصِيص إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى أقل الْمَرَاتِب الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا ذَلِك الْعَام الَّذِي يخص، فَإِن لم يكن جمعا، وَلَا فِي معنى الْجمع كمن، وَمَا، وَأَيْنَ، وَنَحْو ذَلِك، فَإلَى أَن يبْقى وَاحِد، وَإِن كَانَ جمعا، كالرجال أَو مَا فِي مَعْنَاهُ كالنساء وَالْقَوْم، والرهط، وَنَحْو ذَلِك، فَإلَى أَن يبْقى أقل مَا ينطبق عَلَيْهِ الْجمع، أَو مَا فِي مَعْنَاهُ.
وعَلى هَذَا فيفصل فِي الْجمع فَإِن كَانَ جمع قلَّة فَإلَى ثَلَاثَة، وَإِن كَانَ جمع كَثْرَة، أَو مَا فِي معنى الْجمع فَإلَى أحد عشر.
لَكِن هَذَا التَّفْصِيل مُفَرع على أَن الْجمع الْعَام آحاده جموع لَا وحدان، فَأَما إِن قُلْنَا الْآحَاد وحدان فَهُوَ حِينَئِذٍ كمن، وَمَا، وَنَحْوهمَا. انْتهى.
لَكِن القَوْل الثَّانِي غير قَول الْقفال، فَإِن القَوْل الثَّانِي الْمَنْع من أقل الْجمع مُطلقًا، أَعنِي سَوَاء كَانَ لفظا أَو معنى، أَو لَا كَمَا تقدم تمثيله، وَهُوَ مَذْهَب حَكَاهُ الْبرمَاوِيّ فَقَالَ: الْمَذْهَب الرَّابِع: أَنه لَا بُد من بَقَاء أقل الْجمع مُطلقًا، وَلَو لم تكن صِيغَة الْعُمُوم جمعا، حَكَاهُ ابْن برهَان، وَغَيره. انْتهى.
فَنقل ابْن مُفْلِح فِيهِ نظر؛ فَإِن مَذْهَب الْمجد، وَجمع كَمَا ذكر، وَهَذَا الْمَذْهَب غَيره، وَلذَلِك أفردناه فِي الْمَتْن عَن هَذَا القَوْل فَقُلْنَا بعد حِكَايَة القَوْل الثَّانِي: والقفال وَغَيره إِن كَانَ لَفظه جمعا، فمذهب الْقفال وَالْجمع الَّذِي مَعَه أخص من الْمَذْهَب الَّذِي قبله، فَليعلم ذَلِك.
وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي " الْكِفَايَة "، وَولد الْمجد الشَّيْخ عبد الْحَلِيم وَالِد الشَّيْخ تَقِيّ الدّين، وَجمع: لَا بُد أَن تبقى كَثْرَة وَإِن لم تقدر.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: الْمَذْهَب الثَّالِث: مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْن، وَرُبمَا نقل عَن الْمُعْتَزلَة من غير تعْيين وَإِلَيْهِ ميل إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْغَزالِيّ، وَنَقله بعض الْمُتَأَخِّرين عَن أَكثر أَصْحَابنَا، وَأَنه لَا بُد مِمَّن بَقَاء جمع كثير.
قيل: إِلَّا أَن يسْتَعْمل ذَلِك الْعَام فِي الْوَاحِد تَعْظِيمًا، نَحْو:{فقدرنا فَنعم القادرون} [المرسلات: 23] ، وَلَكِن لَا حَاجَة إِلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاء؛ لِأَن هَذَا من إِطْلَاق الْعَام وَإِرَادَة الْخَاص، وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ.
وَهَذَا الْمَذْهَب نَقله أَيْضا الْآمِدِيّ، وَابْن الْحَاجِب عَن الْأَكْثَرين، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ، وَأَتْبَاعه، لَكِن اخْتلفُوا فِي ذَلِك الْجمع الْكثير، فَقَالَ الْمجد بن تَيْمِية، وَابْن حمدَان، وَطَائِفَة: كَثْرَة تقرب من مَدْلُول اللَّفْظ.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: فَقَالَ ابْن الْحَاجِب: الَّذِي يقرب من مَدْلُوله قبل التَّخْصِيص، قَالَ: وَمُقْتَضى هَذَا أَن يكون أَكثر من النّصْف.
وَفسّر جمع - كالبيضاوي - بِأَن يبْقى غير مَحْصُور.
قلت: وَقَرِيب مِنْهُ مَا قَالَه القَاضِي، وَولد الْمجد، لَا بُد أَن تبقى كَثْرَة وَإِن لم تقدر بِحَال.
وَالتَّفْسِير متقاربان؛ إِذْ المُرَاد بِكَوْنِهِ يقرب من مَدْلُول الْعَام أَن يكون غير مَحْصُور فَإِن الْعَام هُوَ الْمُسْتَغْرق لما يصلح لَهُ من غير حصر فَهُوَ معنى أَن يبْقى غير مَحْصُور.
قَوْله: {وَجوزهُ ابْن الْحَاجِب} ، هَذَا تَفْصِيل لِابْنِ الْحَاجِب وَقَالَ: إِنَّه الْمُخْتَار، وَهُوَ أَنه جوزه {باستثناء وَبدل إِلَى وَاحِد، وبمتصل كصفة ومنفصل فِي مَحْصُور قَلِيل إِلَى اثْنَيْنِ} ، مثل: قتلت كل زنديق، وَقد قتل اثْنَيْنِ والزنادقة كَانُوا ثَلَاثَة.
{وَغير المحصور وَالْعدَد الْكثير ك} - يَقُول {الْمجد} ، وَهُوَ أَن تبقى بعد التَّخْصِيص كَثِيرَة تقرب من مَدْلُول الْعَام، قَالَه الْبرمَاوِيّ.
قَالَ الْأَصْفَهَانِي وَغَيره: وَلَا يعرف هَذَا التَّفْصِيل لغيره.
وَلَهُم قَول آخر بالتفصيل بَين أَن يكون التَّخْصِيص بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَالْبدل فَيجوز إِلَى وَاحِد، وَبَين أَن لَا يكون بهما فَلَا يجوز إِلَى وَاحِد، حَكَاهُ ابْن المطهر.
اسْتدلَّ لِلْقَوْلِ الأول - وَهُوَ الصَّحِيح من الْمَذْهَب -: لَو امْتنع ذَلِك لَكَانَ الِامْتِنَاع، إِمَّا لِأَنَّهُ مجَاز، أَو لاستعماله فِي غير مَوْضُوعه فَيمْتَنع تَخْصِيصه مُطلقًا.
وَاعْترض على ذَلِك بِأَن الْمَنْع لعدم اسْتِعْمَاله فِيهِ لُغَة.
وَجَوَابه بِالْمَنْعِ، ثمَّ لَا فرق.
وَأَيْضًا: أكْرم النَّاس إِلَّا الْجُهَّال.
وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ خص بِالِاسْتِثْنَاءِ.
وَجَوَابه: الْمَعْرُوف التَّسْوِيَة، ثمَّ لَا فرق.
اسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: {الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس} [آل عمرَان: 173] وَأُرِيد نعيم بن مَسْعُود.
رد: لَيْسَ بعام؛ لِأَنَّهُ لمعهود.
وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: {وَإِنَّا لَهُ لحافظون} [الْحجر: 9] .
أُجِيب: أطلق الْجمع عَلَيْهِ؛ للتعظيم وَمحل النزاع فِي الْإِخْرَاج مِنْهُ.
وَاسْتدلَّ بِجَوَاز قَوْله: (أكلت الْخبز وشربت المَاء لأَقل) .
رد: المُرَاد بعض مُطَابق لمعهود ذهني.
الْقَائِل بِأَقَلّ الْجمع مَا سبق.
رد: لَيْسَ الْجمع بعام ليطلق الْعَام على مَا يُطلق عَلَيْهِ.
الْقَائِل بِالْكَثْرَةِ لَو قَالَ: قتلت كل من كَانَ فِي الْبَلَد، أَو أكلت كل رمانة، أَو من دخل فَأكْرمه، وَفَسرهُ بِثَلَاثَة عد قبيحا لُغَة.
أجَاب الْآمِدِيّ بِالْمَنْعِ مَعَ قرينَة بِدَلِيل مَا سبق من إِرَادَة نعيم بن مَسْعُود من (النَّاس) وَصِحَّة (أكلت الْخبز) .
وَأجَاب أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": يلْزم الِاسْتِثْنَاء فِيهِ لُغَة، وَيجوز عِنْد الْخصم، وَبِأَنَّهُ قد يَقُول ذَلِك وَإِن أكل قَلِيلا كَقَوْل مَرِيض: أكلت اللَّحْم، يُرِيد قَلِيلا.
وَفِي هَذَا الْموضع يَقُول الْخصم: المُرَاد أكل الْجِنْس فَلَا يلْزمه.
قَوْله: {والمخصص الْمخْرج وَهُوَ إِرَادَة الْمُتَكَلّم وَيُطلق على الدَّلِيل مجَازًا وَهُوَ المُرَاد هُنَا} وَقَالَ ذَلِك أَكثر الْعلمَاء.
لما فرغ من بَيَان التَّخْصِيص شرعنا فِي الْمُخَصّص - بِكَسْر الصَّاد - وَهُوَ حَقِيقَة فَاعل التَّخْصِيص الَّذِي هُوَ الْإِخْرَاج، 5 ثمَّ أطلق على إِرَادَة الْإِخْرَاج؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يخصص بالإرادة فَأطلق على نفس الْإِرَادَة مُخَصّصا، حَتَّى
قَالَ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعه: إِن حَقِيقَة التَّخْصِيص هُوَ الْإِرَادَة ثمَّ أطلق الْمُخَصّص على الدَّلِيل الدَّال على الْإِرَادَة.
وَمِنْهُم من يَحْكِي هذَيْن قَوْلَيْنِ، كَمَا فعل القَاضِي عبد الْوَهَّاب وَابْن برهَان:
أَحدهمَا: أَن الْمُخَصّص إِرَادَة الْمُتَكَلّم إِخْرَاج بعض مَا يتَنَاوَلهُ الْخطاب.
وَالثَّانِي: الدَّلِيل الدَّال على إدادة ذَلِك.
وَبِالْجُمْلَةِ فالمقصود من التَّرْجَمَة الثَّانِي وَهُوَ الدَّلِيل فَإِنَّهُ الشَّائِع فِي الْأُصُول حَتَّى صَار حَقِيقَة عرفية، وَرُبمَا أطلق الْمُخَصّص على الْمظهر لإِرَادَة مُرِيد التَّخْصِيص من مُجْتَهد وَغَيره.
إِذا علم ذَلِك فالمخصص قِسْمَانِ:
مُتَّصِل: وَهُوَ مَا لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ، بل مُرْتَبِط بِكَلَام آخر.
ومنفصل: وَهُوَ مَا يسْتَقلّ.
فَلذَلِك قُلْنَا: {وَهُوَ مُتَّصِل، ومنفصل، وَخَصه بعض أَصْحَابنَا
وَغَيرهم بالمنفصل، وَقَالَ: لَا يدْخل فِي التَّخْصِيص الْمُطلق} .
أَكثر أهل الْعلم، على أَن الْمُخَصّص قِسْمَانِ: مُتَّصِل، ومنفصل وَقَطعُوا بذلك.
وَخَصه بعض أَصْحَابنَا بالمنفصل، وَقَالَ: هُوَ اصْطِلَاح كثير من الْأُصُولِيِّينَ؛ لِأَن الِاتِّصَال مَنعه الْعُمُوم فَلم يدل إِلَّا مُتَّصِلا فَلَا يُسمى عَاما مَخْصُوصًا.
وَقَالَ أَيْضا: لَا يدْخل فِي التَّخْصِيص الْمُطلق.
وَفِي " التَّمْهِيد ": الْعُمُوم بِدُونِ ذَلِك لَيْسَ حَقِيقَة وَلَا مجَازًا، بل الْمَجْمُوع الْحَقِيقَة؛ لِأَن الْمُتَكَلّم أَرَادَ الْبَعْض بالمجموع، وَاحْتج بِهَذَا على أَنه لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس، وَفِي " الرَّوْضَة " فِي كَلَامه على الشَّرْط معنى ذَلِك.
قَوْله: {فالمتصل: اسْتثِْنَاء مُتَّصِل [وَشرط] ، وَصفَة، وَغَايَة،
وَزَاد الْآمِدِيّ وَمن تبعه} - كَابْن الْحَاجِب - {بدل الْبَعْض} .
أما الْأَرْبَعَة الأول فَلَا خلاف فِي أَنَّهَا من المخصصات، وَأما بدل الْبَعْض فَذكره الْآمِدِيّ وَمن تبعه من المخصصات.
قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي " شرح الْمُخْتَصر " وَغَيره: وَقد زَاد المُصَنّف بدل الْبَعْض عَن الْكل؛ لِأَنَّهُ إِخْرَاج بعض مَا يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ.
قَالَ: وَفِيه نظر، فَإِن الْمُبدل فِي حكم المطرح وَالْبدل قد أقيم مقَامه فَلَا يكون مُخَصّصا لَهُ، وَخص المُصَنّف بدل الْبَعْض بِكَوْنِهِ مُخَصّصا دون الأبدال الْبَاقِيَة لكَونهَا غير متناهية. انْتهى.
قَالَ الْبرمَاوِيّ: من المخصصات الْمُتَّصِلَة بدل الْبَعْض من الْكل، مثل:{وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمرَان: 97]، {قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا (2) نصفه} [المزمل: 2، 3] ، {ثمَّ عموا وصموا كثير مِنْهُم} [الْمَائِدَة: 71] ، عده ابْن الْحَاجِب من الْمُخَصّص، وَأنْكرهُ الصفي
الْهِنْدِيّ فِي " الرسَالَة السيفية "، قَالَ: لِأَن الْمُبدل مِنْهُ كالمطرح فَلم يتَحَقَّق فِيهِ معنى الْإِخْرَاج والتخصيص لَا بُد فِيهِ من الْإِخْرَاج، فَلذَلِك قدرُوا فِي آيَة الْحَج: وَللَّه الْحَج على المستطيع.
وَكَذَا انْظُر الْأَصْفَهَانِي كَمَا تقدم، وَمن ثمَّ لم يذكرهُ الْأَكْثَر - مِنْهُم: السُّبْكِيّ -، وعللوه بِمَا تقدم.
لَكِن قَالَ الْبرمَاوِيّ: فِيمَا قَالُوهُ نظر من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن أَبَا حَيَّان نقل التَّخْصِيص بِالْبَدَلِ عَن الشَّافِعِي؛ إِذْ قَالَ فِي قصيدته الَّتِي مدح فِيهَا الشَّافِعِي:
إِنَّه هُوَ الَّذِي استنبط الْفَنّ الأصولي، وَإنَّهُ الَّذِي يَقُول بتخصيص الْعُمُوم بالبدلين.
وَمرَاده بدل الْبَعْض، وَبدل الاشتمال، فاستفدنا مِنْهُ أَن بدل الاشتمال فِي معنى بدل الْبَعْض فِي التَّخْصِيص عِنْد من يَقُول بِهِ، وَمَعْنَاهُ ظَاهر؛ لِأَن قَوْلك: أعجبني زيد علمه، يكون الأول معبرا بِهِ عَن مَجْمُوع
ذَاته وَعلمه وَسَائِر أَوْصَافه، فَإِذا قلت: علمه، تخصص الحكم بِعِلْمِهِ فَقَط، وَفهم بَعضهم من الْبَدَلَيْنِ بدل الْبَعْض، وَبدل الْمُطَابقَة.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن مَا قَالُوهُ فِي اطراح الْمُبدل مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ تَفْرِيع على أَن الْمُبدل مِنْهُ مطرح، وَهُوَ أحد الْأَقْوَال فِي الْمَسْأَلَة، وَالْأَكْثَر على خِلَافه. انْتهى.
لما ذكرنَا أَن المخصصات أَرْبَعَة أَو خَمْسَة - على رَأْي - شرعنا نبين أَحْكَامهَا على التَّرْتِيب، فالاستثناء مَأْخُوذ من الثني وَهُوَ الْعَطف، تَقول: ثنيت الْحَبل أثنيه إِذا عطف بعضه على بعض.
وَقيل: من ثنيته عَن الشَّيْء إِذا صرفته عَنهُ.
وَهُوَ شَيْئَانِ: اسْتثِْنَاء مُتَّصِل، واستثناء مُنْقَطع، وَالْمرَاد هُنَا الْمُتَّصِل، أما الْمُنْقَطع فَسَيَأْتِي أَن الرَّاجِح أَنه لَا يعد من المخصصات، وَفِي تَعْرِيف كل مِنْهُمَا عِبَارَات، ذكرنَا فِي الْمُتَّصِل عبارتين: مَا قَالَه القَاضِي أَبُو يعلى، وَابْن عقيل، وَالْغَزالِيّ الْمُتَقَدّم ذكره.
فَقَوْلهم: ذُو صِيغ محصورة مُرَادهم أدوات الِاسْتِثْنَاء الثَّمَانِية الْمَشْهُورَة الَّتِي مِنْهَا مَا هُوَ حرف اتِّفَاقًا ك (إِلَّا) ، أَو على الْأَصَح ك (حاشا) فَإِنَّهَا حرف عِنْد سِيبَوَيْهٍ دَائِما، وَيُقَال فِيهَا: حاش وحشا.
وَمِنْهَا مَا هُوَ فعل ك (لَا يكون) ، أَو على الرَّاجِح ك (لَيْسَ) ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُتَرَدّد بَين الحرفية، والفعلية، فَإِن نصب مَا بعده كَانَ فعلا،
أَو جَرّه كَانَ حرفا، وَهُوَ (خلا) بِاتِّفَاق، و (عدا) عِنْد غير سِيبَوَيْهٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ اسْم، وَهُوَ (غير) ، و (سوى) .
سَوَاء قُلْنَا: هُوَ ظرف، وَإِنَّمَا اسْتثْنِي بِهِ، أَو قُلْنَا: يتَصَرَّف تصرف الْأَسْمَاء، وَيُقَال فِيهِ: سوا - بِضَم السِّين - وسَوآ - بِفَتْحِهَا وَالْمدّ وبكسرها وَالْمدّ، ذكرهَا الفاسي فِي " شرح الشاطبية ".
إِذا علم ذَلِك رَجعْنَا إِلَى قيود الْحَد:
فَقَوْلهم: (كَلَام) احْتِرَاز من التَّخْصِيص بِغَيْر القَوْل، كَفعل، وقرينة، وَدَلِيل، عقل، وحس.
وَقَوْلهمْ: (ذُو صِيغ محصورة) أورد عَلَيْهِ الْأَقْوَال الْمُوجبَة للتخصيص الْخَارِجَة عَن الِاسْتِثْنَاء، كالشرط، والغاية، وَنَحْو: (فَاقْتُلُوا
الْمُشْركين} [التَّوْبَة: 5] وَلَا تقتلُوا النِّسَاء، فَلَو زادوا بعد (صِيغ محصورة) مَخْصُوصَة لاندفع الْإِيرَاد.
قلت: قد ذكره ابْن الْحَاجِب فِي " مُخْتَصره " عَن الْغَزالِيّ، قَالَ: وَأوردهُ على طرده التَّخْصِيص بِالشّرطِ، وَالْوَصْف بِالَّذِي، والغاية، وَمثل: قَامَ الْقَوْم، وَلم يقم زيد، وَلَا يرد الْأَوَّلَانِ، وعَلى عَكسه جَاءَ الْقَوْم إِلَّا زيدا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِذِي صِيغ. انْتهى.
قَالَ الطوفي: وَهَذَا الْحَد قَول من يزْعم أَن التَّعْرِيف بِالْإِخْرَاجِ تنَاقض؛ لِأَن قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا ينْحل إِلَى (قَامَ زيد، لم يقم زيد وَلَيْسَ بِشَيْء) ؛ لِأَن دُخُول زيد إِنَّمَا هُوَ بِحَسب اللَّفْظ ظَاهرا، لَا بِحَسب الحكم؛ إِذْ لَا يثبت إِلَّا بِتمَام الْكَلَام فَيكون الِاسْتِثْنَاء دافعا لثُبُوت الحكم؛ لِأَن أَفعاله بعد ثُبُوته، وَإِلَّا لزم التَّنَاقُض الْمَحْض فِي قَوْله تَعَالَى:{ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما} [العنكبوت: 14] وَهُوَ محَال، وَهَذَا مَحل شُبْهَة أبي بكر من