الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر السلطان علاء الدين خوارزم شاه
وسلطان الإسلام يومئذ بسائر الممالك الشرقية السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش بن إيل أرسلان اتسز بن محمد بن أنوشتكين، ونسبته تنتهى إلى ههنا. هكذا ذكره ابن الأثير فى تاريخه. وكان أبوه أو جده أحد مماليك الملك العادل عضد الدولة أبو شجاع ألب أرسلان داود بن سلجوق. وهكذا ذكره أيضا ابن واصل صاحب تاريخ بغداد. وكان لأيامه ملك خوارزم من جهة السلطان المشار إليه ابن سلجوق. فلما انتقضت دولة بنى سلجوق من العجم قوى سلطان علاء الدين خوارزم شاه، وملك العجم وخراسان وعراق العجم، واستولى على ما وراء النهر، وطمع فى أخذ بغداد، وأن يعيد أمر الخلافة على ما كان عليه فى أيام دولتى بنى بويه الديالمة وبنى سلجوق-وقد تقدم القول فى ذلك. وهذا كله لأمر كان كامنا فى الغيب، لما يريده الله عز وجل من تملك التتار الأرض، فلا راد لحكمه، ولا مفر من قضائه.
قال ابن واصل صاحب تاريخ بغداد: شهدت على جماعة من سراة الناس من أرباب دولة بغداد-كل يذكر ويتقلد فى ذمته-أن الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين كتب إلى التتار يستدعيهم إلى البلاد، ويهون عليهم العبور إلى الأقاليم، ويصغّر عندهم أمر السلطان علاء الدين خوارزم شاه. كل ذلك خوفا منه لئلا يحضر إلى بغداد، وتعود الخلافة كما كانت فى أيام بنى سلجوق. ولذلك لوّح ابن الأثير فى تاريخه عند ذكره لخروج التتار كما يأتى بيانه فى موضعه، إن شاء الله تعالى.
قلت: وأما هؤلاء القوم، وبدء خلقهم، وأول شأنهم، فإنه من الحديث العجيب، والأمر الغريب، ولعله لم يذكره أحد من المؤرخين، لعدم إحاطة علمهم به. وقد وقع
العبد عليه من كتاب عجيب له عند الترك مزية عظيمة، يسمى باللغة التركية «الواى أطام بتكى» معناه «كتاب الأب الكبير» . وهذا الكتاب وقفت عليه سنة عشرة وسبعمائة، أحضره إلىّ شخص كان يسمى أمين الدين الحموى، كاتب الأمير بدر الدين بيسرى، رحمهما الله تعالى. وكان الوالد-سقى الله عهده-فى ذلك التاريخ، متولى الأعمال الشرقية، وما معها. وكان هذا الرجل أمين الدين له بالأعمال راتب مقرر، فكان كثير التردد إلى بلبيس، وكنت من حال الصبى متولعا بالفضل وأهله، والأدب ونبله. وكان أمين الدين-رحمه الله-من أحسن الناس محاضرة، وألذهم مسامرة، وأغزرهم مروءة، وأكثرهم أدبا. وكان ممن يتردد إلى المملوك من السادة الفضلاء فى ذلك العهد، مثل الشيخ جمال الدين السملوطى، والحكيم شمس الدين ابن دانيال، وجمال الدين البلاليقى المعروف بابن زيتون، وجماعة أخر من أهل الفضل والأدب. فكنا ننهب العيش بالآداب، ونستخرج لباب اللباب من ذوى الألباب، فى كل فن وباب. فتجارينا ذات يوم ذكر التاريخ، وبدء التتار، فذكر أمين الدين المذكور أن عنده كتاب لم يقع لأحد مثله، وأنه كان عند الأمير بدر الدين بيسرى من أعظم ذخائره وأعزها عليه، وكان إذا أحضره قام له قائما، وجعله على رأسه، ويعظمه كما يعظم كتاب الله تعالى. فسألناه أن يحضره إلينا. فلما عاد أحضره، فنظرناه كتابا حسنا ذى شأوة جليلة، بخطّ منسوب ربما يقال إنه خط تلميذ ابن البواب، فى ورق بغدادى، مجلد بأطلس أحمر ظاهر وأصفر باطن. وله قفل ذهب، يدل على عناية كبيرة به. فاجتمعنا عليه، وقرأه علينا أمين الدين، فوجدناه تاريخا للترك الأول وأول خلقهم-بزعمهم-وذلك مما يخالف الشرع المطهّر.
فاستنسخت منه بدء خلق التتار والترك الأول، لما رأيت فيه من العجائب الغريبة، ليكون ذلك من باب التعجب، لا من باب التصديق، إذ هو غير موافق للشريعة،