الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سنة خمس وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وعشرون أصبعا. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وعشرون أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والسلطان الملك الكامل بالديار المصرية، والسكة والخطبة له بسائر الممالك. والملك الأشرف صاحب دمشق، إلى أن توفى فى هذه السنة، حسبما يأتى. وصاحب بعلبك الملك الأمجد.
وأسد الدين الملك المجاهد صاحب حمص. وصاحب حماة الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور. وصاحب حلب الملك الناصر يوسف بن العزيز بن الظاهر. وصاحب ميافارقين المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل الكبير. وصاحب الشرق الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل. وصاحب الموصل والجزيرة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ النورى. والتتار ملاّك الدنيا بالمشرق، من حدود مطلع الشمس إلى بغداد. وصاحب الروم غياث الدين بن علاء الدين كيقباذ السلجوقى، المقدم ذكره.
وصاحب الهند السلطان غياث الدين بن شهاب الدين الغورى، المقدم ذكره.
وصاحب اليمن المظفر يوسف بن رسول الخارجى، المقدم ذكره. والأمير أسد الدين جغريل الكاملى بمكة، والحروب بينه وبين راجح. وصاحب المدينة-على ساكنها أفضل الصلاة والسلام-جماز بن شيحة. والمغرب فى يد عدة ملاك متفرقة؛ البعض من بنى عبد المؤمن، والبعض من غيرهم.
وفى شهر المحرم من هذه السنة توفى الأشرف، رحمه الله.
ذكر وفاة الملك الأشرف موسى رحمه الله
هو أبو الفتح السلطان الملك الأشرف مظفر الدين موسى شاه أرمن بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب بن شاذى بن مروان. ولد بالقاهرة المعزية،
وقيل بالكرك المحروس، سنة ست وسبعين وخمسمائة. وقيل إنه ولد قبل أخيه المعظم عيسى بليلة واحدة. وكان مبتدأ أمره بالقدس الشريف، تحت حكم ابن الزنجيلى عثمان. قال أبو المظفر: قال لى المعظم عيسى: «أنا أخذت له حران والرها والشرق من السلطان الملك العادل رحمه الله، أبى، وجهزته من عندى بالأموال والخيل والعدد والمماليك» ، وتقلبت به الأحوال حتى صار شاه أرمن، وكسر المواصلة والروم، والسلطان جلال الدين الخوارزمى، وأخاه شهاب الدين غازى. وكان جوادا سمحا شجاعا ميمونا، ما كسرت له راية قط. ولما كان فى نزعه أخذ بعض مماليكه سنجقه ليكسره، وقال:«لا يحمله غيره» ، ففتح له عينه وهو فى غمرات الموت، وقال بكلام لا يكاد يفهم من الضعف:«لا تفعل يا فلان، فو الله ما كسرت قط» . وكان عفيفا طاهر الذيل.
قال أبو المظفر: اجتمعت به فى أخلاط-بالقلعة-فجلسنا للمحادثة، فأعاب أخاه المعظّم فى شئ بلغه عنه. ثم قال: والله ما مددت عينى إلى محرم قط، لا ذكر ولا أنثى. ولقد كنت يوما جالسا فى هذه المنظرة التى نحن فيها، فلم أشعر حتى دخل علىّ الخادم، وقال:«على الباب امرأة عجوز، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن صاحب أخلاط» . فأذنت لها فدخلت، ومعها ورقة من عند بنت شاه أرمن، تذكر فيها أن الحاجب-عليّا قد غلبها على ضيعة لها. فكتبت لها على قصتها بردّ ضيعتها، ونهى الحاجب عنها. فقالت العجوز:«وهى تسأل الحضور بين يديك، فعندها كلام فيه سر، لا يمكن ذكره إلا للسلطان، منها له» . فأذنت لها بالحضور، فحضرت امرأة ما رأيت فى الدنيا أحسن منها، ولا أظرف من قدّها وشكلها، كأنّ الشمس تحت نقابها. فخدمت ووقفت، فقمت وقفت لها إجلالا كونها بنت ملك شاه أرمن. ثم سفرت عن وجهها، فأضاءت منه المنظرة، يبهت من نظره. فقلت:«استرى وجهك، واخبرينى حالك» . فقالت: «أنا بنت شاه أرمن
صاحب هذه البلد، مات أبى واستولى بكتمر على البلاد، وتغيّرت الدّول، ولى ضيعة أعيش منها، أخذها الحاجب علىّ، وما عدت أعيش إلا من عمل النقش للناس، وساكنة فى دار بالأجرة». قال: فبكيت، ورقيت لها رقة عظيمة، وأمرت أن يكتب لها توقيع مؤبد بضيعتها، ملعونا من يغير عليها أو يتعرض لها. وأمرت لها بقماش، ومال جيد، ودار تسكنها تصلح لها، وخادم وجاريتين. وقلت:
«بسم الله، ومهما كان لك من الحوائج والأشغال سيّرى هذه العجوز» . فقالت العجوز: «يا خوند! ما جاءت إلى هاهنا إلاّ لخدمتك. تقدم نفسها لتحظى بك الليلة» . قال: فو الله لقد غاب صوابى، وأوقع الله تعالى فى قلبى تغيّر الزمان، وأنه يملك أخلاط غيرى. ويحتاج أهلى إلى مثل ذلك. قال فقلت:«يا عجوز! معاذ الله! والله ما هو شيمتى، ولا خلوت قط بغير حلالى. فخذيها وانصرفى فى دعة الله. وهى العزيزة الكريمة» . فقامت وهى تقول: «صان الله عواقبك» .
والذى بناه الأشرف من الأبنية الحسنة، مسجد أبو الدرداء بقلعة دمشق وزخرفه، والمسجد الذى عند باب الصغير، ومسجد القصب الذى بظاهر باب السلامة، وأوقف عليهم الأوقاف الحسنة. ودار الحديث، وهى النورية. والتربة التى له بالكلاسة. جميع هذا بدمشق خارج أعماله فى الشرق وفى أخلاط وغيرها.
ومع عدة خانات للسبيل فى سائر البلاد. وكان حسن الظن بالله تعالى، يزور الصالحين ويتفقدهم بالمال والأطعمة الطيبة والحلاوات الحسنة، شئ كثير مما يطول شرح ذلك.
قال أبو المظفر: مرض الملك الأشرف فى شهر رجب مرضتين مختلفتين، فى الأعالى والأسافل، حتى كان الجرائحى يخرج العظام من رأسه وهو يسبّح الله تعالى ويقدسه ويحمده. ثم قوى عليه ذلك فى آخر سنة أربع. فلما يئس من نفسه قال
لوزيره جمال الدين بن جرير: «فى أى شئ تكفنونى؟» . فقال: «حاشاك يا خوند» .
فقال: «دعنى من هذا الكلام. لا تكفنى من هذه الخزائن فى شئ؛ فإنهن لا يخلون من الجنايات» . وكان عماد الدين موسك حاضرا فقال له: «قم واحضر الوديعة التى عندك» . قال: فمضى، وعاد على رأسه ميزر صوف أبيض، يلوح منه نور الرضى، ففتحه فإذا فيه خروق الفقراء، وطاقيات الأولياء مثل الشيخ مسعود الرهاوى، والشيخ يونس البيطار، والشيخ على الفاسى، وجماعة من الأولياء الكبار. وكان فى جملتهم إزار عتيق، ما يساوى خمسة دراهم. فقال: هذا يكون على جسدى، ألقى به ربى، فإن صاحبه كان من الأبدال. أقام بالرها يزرع قطعة زعفران يتقوت منها برهة من الزمان. وكنت أزوره وأعرض عليه المال يمتنع، فقلت له يوما:«أنا أعرض عليك المال ولا تقبل فأريد من أثرك شيئا أجعله كفنى» ، فدفع إلىّ هذا الإزار وقال:«لقد أحرمت فيه عشرين حجة» . وكان آخر كلام الملك الأشرف يقول: «لا إله إلا الله» . وتوفى يوم الخميس رابع المحرم من هذه السنة. ودفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بالكاملية، فى جمادى الأولى، رحمه الله تعالى.
قال أبو المظفر: حكى لى الفقيه محمد اليونانى ببعلبك فى سنة خمس وأربعين وستمائة، عند عودى من بغداد، قال: حكى لى فقير صالح من جبل لبنان، قال: رأيت الأشرف بعد موته فى النوم، وعليه ثياب خضر، وهو يطير بين السماء والأرض، مع جماعة من الأولياء، فقلت له:«يا موسى إيش تعمل مع هؤلاء، وأنت كنت تفعل فى الدنيا ما كنت تفعل» . قال: فالتفت إلىّ وتبسّم وقال: «الجسد الذى كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم. والروح التى كانت تحب هؤلاء صارت معهم» .
رحمه الله.
ولم يخلف الملك الأشرف من الأولاد غير بنت واحدة تزوجها الملك الجواد
مظفر الدين يونس بن مودود بن الملك العادل الكبير، وهو ابن عمها، وذلك لما ملك دمشق بعد وفاة الملك الكامل-حسبما يأتى من ذكر ذلك فى تاريخه إن شاء الله تعالى.
ثم لما ملك الملك الصالح إسماعيل-عمها-دمشق المرة الثانية، فسخ نكاحها من الملك الجواد بأنه أثبت عند الحاكم بدمشق أن الجواد حلف بطلاقها فى أمر وحنث فيه، ثم زوجها لابنه الملك المنصور، واستمرت فى صحبته إلى آخر وقت. وهذا الملك المنصور اسمه نور الدين محمود.
قال أبو المظفر: وكان قد عهد إلى أخيه إسماعيل الملك الصالح المعروف بأبى الخيش.
فلما انقضى عزاء الأشرف، ركب الملك الصالح المشار إليه فى دست السلطنة، وترجل الأمراء فى خدمته، وصاحب حمص إلى جانبه، والأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد-جدنا-قد حمل الغاشية بين يديه. ونزل القلعة، وأخلع، وأنعم، وأعطى. ثم توجه أسد الدين الملك المجاهد إلى حمص، والأمير عز الدين إلى صرخد.
هذا جرى والسلطان الملك الكامل يتجهز الجيوش أولا فأول إلى الشام.
ووردت الأخبار بوصول العساكر من مصر، فقسم الملك الصالح الأبراج على الأمراء وحصنها، وغلّق أبوابها، واعتد للحصار. وحضر الأمير عز الدين وأمر أن تفتح الأبواب. ثم جاء الناصر داود من الكرك فنزل المزّة. ونزل مجير الدين وتقى الدين القابون. ونزل السلطان الملك الكامل مسجد القدم. وأحدقت العساكر بالبلد من كل جهة. وقطع الكامل المياه عن دمشق، واشتد الحصار، وغلت الأسعار، وسدوا جميع أبواب البلد، خلا باب النصر وباب الفرج. ثم إن الصالح أحرق العقيبة والطواحين. ثم زحف الناصر داود إلى باب توما، وعلق النقوب،
ولم يبق إلا فتحها. وأحرق الصّالح أيضا قصر حجاج، والشاغور، وأخرب خرابا كثيرا. وجرت قبائح كثيرة لا تشرح، حتى أحرقت أناس كثيرة فى منازلهم. فلما رأى الصالح عين الغلبة نفّذ إلى السلطان الملك الكامل يقول:«متى فتحتها عنوة قهرا أرميت النار فى أربع جوانبها، فأحرقتها جميعا، ولا لى ولا لك» . وكان الكامل يتحقق منه قوة النفس والإقدام على كل شئ، فمشى الناس بينهم فى الصلح، وتقرر أن السلطان يعطى للصالح بعلبك وبصرى وسلمية.
ثم تسلم السلطان دمشق، ودخلها. فلما طلع القلعة ودخل دار رضوان، رأى فى الإيوان قبر أخيه الأشرف، فرفسه برجله وقال:«انقلوا هذا المكتفر أخ، الساعة الساعة» ، فنقلوه إلى تربته فى الكلاسة.
وكان نزول السلطان على حصار دمشق ثالث وعشرين ربيع الأوا. ووقع الصلح يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى. وخرج إلى السلطان مستأمنا، فقربه.
وأقبل عليه وأعطاه ما وقع عليه الأيمان، والله أعلم.