الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والألسنة الأعجمية كانوا فضلاء، عقلاء، أدباء، نجباء، يحبون أهل العلم والفضل، ويسمعون المديح، ويجيزون عليه الجوائز السنية. وكانت تلك الأيام مدة كالأحلام لذة.
فى هذه السنة توفى عبد المؤمن سلطان المغرب. ولنذكر ها هنا لمعا من أخباره، ونسبه، وآثاره.
ذكر عبد المؤمن ونسبه وبدء شأنه
هو أبو محمد عبد المؤمن بن على القيسى الكومى، ليس من أهل بيت ملك. كان أبوه وسطا فى قومه، وكان صانعا فى الطين، يعمل منه الآنية، فيبيعها. وكان عاقلا، وقورا فى أهل بيته، دينا صالحا. فيحكى أن عبد المؤمن فى صناعة أبيه إذ كان صبيا، فنام إلى جانب أبيه ذات يوم، وأبوه مشتغل بعمله فى الطين، فسمع أبوه حسّا له دوى، نازلا من السماء إلى أعلى الدار، فرفع رأسه، فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار، فنزلت مجتمعة على عبد المؤمن وهو نائم، فغطته حتى لم يظهر منه شئ، ولا استيقظ لها. فلما رأته أمه على ذلك الحال صاحت خوفا على ولدها، فسكتها أبوه. ثم إنه غسل يده، ولبس أثوابه، ووقف ينظر إليه، وإلى ما يكون من ذلك النحل معه. ثم إن النحل طار عنه بأجمعه، واستيقظ الفتى فرأته أمه وليس به أثر. وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزجر، فمضى أبوه إليه، فأخبره بما رآه من النحل مع ولده، فقال الزاجر:«يوشك أن يكون له شأن، تجتمع على طاعته خلق عظيم» . فكان من أمره ما كان.
ويقال إن محمد بن تومرت-المعروف بالمهدى-كان قد ظفر بكتاب الجفر،
ووجد فيه ما يكون على يده، وقصة عبد المؤمن وحليته واسمه. وأن ابن تومرت أقام مدة يتطلبه، حتى وجده وصحبه، وهو إذ ذاك غلام. وكان يكرمه ويقدمه على أصحابه، وأفضى إليه بسرّه، وانتهى به إلى مراكش-وصاحبها يومئذ أبو الحسن على بن يوسف بن تاشفين ملك الملثمين-وجرى له معه فصول يطول شرحها. وأخرجه منها، وتوجه إلى الجبال، وحشدوا واستمال المصامدة فى حديث طويل، آخره أنه لم يملك شيئا من البلاد فى حياة ابن تومرت، بل عبد المؤمن ملك بعده بالجيوش التى جهزها ابن تومرت، والترتيب الذى رتبه له. وكان ابن تومرت أبدا يتفرس فيه النجابة، وينشد إذا أبصره دائبا:
تكاملت فيك أوصاف خصصت بها
…
فكلنا بك مسرور ومغتبط
فالسنّ ضاحكة، والكف ما نحة
…
والنفس سامحة، والوجه منبسط
وكان يقول: «صاحبكم هذا غلاب الدول» . ولم يصح عنه أنه استخلفه، بل راعى أصحابه فى تقديمه إشارته لهم فيه، فتم له الأمر وكمل.
وأول ما أخذ من البلاد وهران وتلمسان ثم فاس ثم سبته. وانتقل بعد ذلك إلى مراكش وحاصرها أحد عشر شهرا، ثم ملكها. وكان أخذه لها فى أوائل سنة اثنين وأربعين وخمسمائة. واستوثق له الأمر، وامتد ملكه إلى المغرب الأقصى والأدنى، وبلاد إفريقية، وكثير من جزيرة الأندلس. وتسمى أمير المؤمنين، وقصدته الشعراء وامتدحوه بأحسن المدائح. ذكر العماد الأصفهانى فى الخريدة، أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن أبى العباس التيفاشى لما أنشده يقول:
ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل
…
مثل الخليفة عبد المؤمن بن على
فأشار إليه أن اقتصر على هذا البيت، وأمر له بألف دينار.
ولما تمهدت له القواعد وانتهت أيامه، خرج من مدينة مراكش إلى مدينة سلا، فأصابه بها مرض شديد، وتوفى فى العشر الأخير من جمادى الآخرة من هذه السنة، وهى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وقيل: بل كانت وفاته سنة ستين وخمسمائة، والله أعلم.
وقيل: كانت ولادته سنة تسعين وأربعمائة، وقيل غير ذلك. وإنما نسبته بالكومى، فهى نسبة إلى كومية وهى قبيلة صغيرة تنزل البحر من أعمال تلمسان.
ومولده بقرية هناك يقال لها تاجرة. هذا ما ذكره القاضى شمس الدين بن خلكان فى تاريخه من نسبة عبد المؤمن. وذكر كتاب الجفر فقال: ذكره ابن قتيبة فى أوائل كتاب الاختلاف فى الحديث، فقال بعد كلام طويل: وأعجب من هذا التفسير تفسير الروافض القرآن الكريم، وما يدعونه من علم باطنه بما وقع إليهم من كتاب الجفر الذى ذكره سعد بن هارون العجلى، وكان رأس الزيدية، فقال:
ألم تر أن الرافضين تفرقوا
…
فكلهم فى جعفر قال منكرا
فطائفة قالوا إمام ومنهم
…
طوائف سمته النبى المطهرا
ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم
…
بريب إلى الرحمن ممن تجفرا
والأبيات كثيرة، وإنما المقصود ذكر كتاب الجفر. قال القاضى ابن خلكان:
قال ابن قتيبة، وهو جلد جفر، ادّعوا أنه كتب لهم فيه الإمام كل ما يحتاجون إليه وإلى علمه إلى يوم القيامة. قال: وقولهم الإمام يريدون به جعفر الصادق، رضى [الله] عنه. وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعرى أيضا فى قوله:
لقد عجبوا لأهل البيت لما
…
أتاهم علمهم فى مسك جفر
ومرآة المنجم وهى صغرى
…
أرته كل عامرة وقفر
ومسك جفر تقال بفتح الميم من مسك، وفتح الجيم من جفر، وهو من أولاد المعز، ما بلغ أربعة أشهر وجفر جنباه، وفصل عن أمه. وكانت عادتهم-فى ذلك الزمان-يكتبون فى الجلود والعظام والخرق وما شاكل ذلك، والله أعلم.
…
ولنعود إلى سياقة التاريخ بمعونة الله وحسن توفيقه.
وفى هذه السنة وهى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، خرج شاور المقدم ذكره من الصعيد بجموع كثيرة، فعبر واحات، واخترق تلك البرارى، إلى أن خرج من عند تروجه، وتوجه إلى القاهرة فى شرح طويل آخره أنه قهر العادل رزيك بن الصالح طلائع، وقتله فى العشر الأول من صفر من هذه السنة، وأخذ موضعه من الوزارة، واستولى على الأمر، ونعت نفسه بأمير الجيوش، وقتل عليا زمام القصر، وولى لؤلؤ الصقلبى عوضه، وأعاد الحكم إلى يونس القاضى. واحتوى على أموال بنى رزيك. ولم يزل أمره مستقرا إلى العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فخرج عليه أبو الأشبال ضرغام بن عامر بن سوار، الملقب فارس المسلمين، اللخمى المنذرى، نائب الباب، بجموع كثيرة، وغلبه، وأخرجه من القاهرة. وقتل ولده طيا، وولى الوزارة، كعادة المصريين. وتوجه شاور طالبا للشام، مستجيرا بنور الدين الملك العادل محمود بن أتابك زنكى. وأقام ضرغام وزيرا بالديار المصرية، ولقب بالمنصور إلى جمادى الآخرة من سنة تسع وخمسين وخمسمائة، حسبما يأتى من ذلك.