الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سنة سبع وثلاثين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خمسة أذرع وثمانية أصابع. مبلغ الزيادة سبع عشر ذراعا، وخمسة عشر أصبعا.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير بحاله. والسلطان بالديار المصرية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن الملك الكامل.
وصاحب الشام الملك الصّالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل.
وصاحب الكرك الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى.
وصاحب حماه الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور، المقدم ذكره.
وصاحب حمص الملك المجاهد أسد الدين شير كوه، المقدم ذكره أيضا.
وصاحب بعلبك الملك الصّالح إسماعيل المعروف بأبى الخيش، المقدم ذكره.
وصاحب حلب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز بن الظاهر.
وصاحب سنجار الملك الجواد نجم الدين أيوب بن السلطان صلاح الدين.
وصاحب ماردين الملك المظفر قرا أرسلان، المقدم ذكره أيضا.
وصاحب الموصل الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ النورى، المقدم ذكره.
وصاحب الجزيرة العمرية الملك المنصور محمد بن سنجر شاه، المقدم ذكره.
وصاحب الروم غياث الدين غازى كيخسرو بن علاء الدين كيقباذ.
والتتار جائلون فى أقطار الأرض، حيث سقطوا لقطوا، وإن حلوا.
وفيها هجم الملك الصالح إسماعيل دمشق وملكها. وسبب ذلك أن الملك الصالح نجم الدين أيوب كان قد توجه إلى نابلس، فاتفق الصالح إسماعيل، والملك المجاهد صاحب حمص، والأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد، فإنه كان منحرفا عن
الصالح أيوب، ولم يأته ولا دخل فى طاعته. وكان متفقا مع الصالح إسماعيل. وكان الصالح أيوب قد نفّذ الحليم سعد الدين من نابلس، ومعه طيور البطائق، يعرفه أحوال الصّالح إسماعيل، وقتا بوقت. فكان سعد الدين يكتب البطائق بما يراه من تغير الأحوال، ويربطها على أجنحة الحمام، ويعطيهم للبراج، فيمضى بهم إلى السامرى الذى عاد وزير الصالح إسماعيل، وكان له بدمشق عينا، فيأخذ السامرى تلك البطائق ويكتب للملك الصالح أيوب بالعكس مما كتبه سعد الدين، فيطيب خاطره بذلك.
وكان الملك الصّالح أيوب-رحمه الله-سليم الباطن، عديم المكر. هذا والصالح إسماعيل يبعث الأموال إلى المقدمين وكبار الناس من الجيوش، ويفسد الحال على الملك الصّالح فى الباطن. فلما أتقن أمره خرج من بعلبك بالفارس والراجل، على أنه طالب نابلس إلى خدمة الملك الصالح أيوب، على طريق بانياس. فبات بالمجدل، وكتب بطاقة إلى الصالح أيوب أنه واصل إليه، فتهيأ لملتقاه، وركب وقت السحر، وقصد دمشق. ووصل إلى عقبة دمر ووقف حتى لحقه صاحب حمص، ثم هجما دمشق، ودخلا من باب الفراديس فى ساعة واحدة، من غير مانع ولا مدافع.
ونزل الصالح إسماعيل داره بدرب الشعّارين، ونزل صاحب حمص داره.
وأصبحوا يوم الأربعاء ثامن وعشرين صفر على القلعة، ونقبوها من ناحية باب الفرج.
وكان فيها الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك الصالح أيوب، فاعتقله الصّالح إسماعيل بالبرج، واستولى على القلعة. ولم يكن بها ذخائر ولا نجدة. وكان الصالح أيوب قد ركن إلى أيمان الصالح إسماعيل وعهوده ومواثيقه. ولم يعلم أن الملك عقيم عقوق.
وبلغ الصالح أيوب ما جرى، وقيل له لم تؤخذ القلعة، فخلع على خمسة نفر ممن ذكر
ذلك له. ثم ساق طالبا دمشق. فلما وصل القصير، بلغه أخذ القلعة. ثم مال الناس عنه بأسرهم، وخافوا على أهاليهم، وكان أكثرهم قد لعب الفساد بعقولهم، فرحل الناس طالبين دمشق. وعاد الملك الصّالح فى مماليكه وغلمانه، فرحل من القصير يريد نابلس على طريق جينين، فطمع فيه أهل الغور والعشير، وكان مقدمهم رجلا جاهلا يقال له تبل من أهل بيسان، مفسدا سفاكا للدماء، فتبع الملك الصالح فى جمع من أصحابه، وعاد يحمل عليهم بمماليكه قلبة بقلبة، وأخذوا بعض ثقله.
وكان الوزيرى قد عاد إلى نابلس، فأرسل إليه يقول:«قد مضى ما مضى وما زالت الملوك كذا، وقد جئت الآن مستجيرا بابن عمى» . ونزل فى الدار بنابلس. واتفق عود الملك الناصر داود من مصر على غير رضى من العادل، فوصل إلى الكرك، وكتب الوزيرى إلى الناصر يعرفه ذلك، فبعث الناصر الأمير عماد الدين بن موسك، والظهير بن سنقر الحلبى، فى ثلثمائة فارس إلى نابلس. فركب الملك الصالح، والتقاهم فخدموه، وقالوا له:«طيب قلبك فقد بلغ ابن عمك قولك أنا مستجير به، وقد أجارك، ونحن قد سيرنا إلى خدمتك خوف عليك من يد الغير» . فشكر لهم ذلك، ونزل داره، ونزلوا. فلما كان بعد ذلك بأيام قلائل ضرب النفير، وقالوا:«قد جاءت الفرنج إلى الظهر» . فركب الناس ومماليك الملك الصالح، ووصلوا إلى سبسطية، فاغتنم عماد الدين الفرصة ودخل على الصالح، وكذلك الظهير، وقبضوا عليه، وأخذوا سيفه، وقالوا:«أجب ابن عمك الملك الناصر» . قال أبو المظفر-رحمه الله:
وبلغنى أن جاريته كانت حاملا، فطرحت فى تلك الساعة. وأخذوه وتوجهوا به إلى الكرك. قال أبو المظفر: لما اجتمعت بعد ذلك بالملك الصالح فى سنة تسع وثلاثين،
وهو يومئذ سلطان الإسلام، حكى لى صورة الحال، قال: ركبونى بغلة بغير مهاميز ولا مقرعة ولا دبوس، وساروا بى إلى البرية فى ثلاثة أيام، فو الله ما كلمتهم كلمة واحدة، ولا أكلت لهم زادا، حتى حضر خطيب الموتة ومعه دجاجة فأكلتها، وأقاموا بى فى البرية يومين، ولا أعلم مقصودهم ما هو. وكان قصدهم أن يطلعونى الكرك فى طالع نحس، يقتضى ألا أخرج من الكرك. ثم أدخلونى الكرك ليلا، على الطالع الذى اختاروه لنحسى، فاختاره الله عز وجل لسعادتى ونحسهم. ووكّل بى مملوك فظ غليظ يقال له زريق. وكان علىّ أضر من كل شئ أنا فيه، فأقمت عندهم إلى شهر رمضان، سبعة أشهر. ولقد كان عندى خادم صغير، فأكل كثيرا فتخم، وبال على البساط، فأخذت البساط بيدى وخرجت إلى الدهليز، وقلت:
«يا مقدمين هذا الخادم قد أتلف هذا البساط، لعل تأخذوه وتغسلوه فى النهر بالوادى» . قال: فنفر فىّ زريق، وقال:«إيش خروجك إلى هاهنا؟» وصاحوا علىّ. وكان قد وكل بى ثمانين رجلا، فعدت إلى موضعى وبكيت، وتوسلت إلى الله عز وجل. ثم إن الوزيرى طلع بخزائنى وخيولى وحريمى إلى قلعة الصلت، وأقام مماليكى بنابلس. وحضر ابن النابلسى من مصر من عند العادل، يطلبنى من الناصر، وأبدل له فىّ مائة ألف دينار، فما أجاب لذلك. وكذلك كاتبه الصالح إسماعيل وأسد الدين صاحب حمص، وأبذلوا له أموالا عظيمة، فلم يجبهما إلى ذلك.
فلما طال مقامى عنده، استشار عماد الدين بن موسك، وابن قليج والظهير، وسخره الله عز وجل لما كان لى كامن فى الغيب من السعادة، فاتفقوا على إخراجى، فأخرجنى