الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المصرية ركب فخر الدين بن الشيخ ركبة عظيمة، فتخيل منه واعتقله، وما أخرجه حتى توفى أخوه معين الدين الوزير بدمشق، فاضطر السلطان إلى إخراج فخر الدين.
فهذا كان سبب تمييز ابن أبى على عليه. ثم إنه حكم فى الدولة إلى حين ما قتل، حسبما يأتى من ذكر ذلك.
كان للسلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، رحمه الله، ثلاث ذكور من الأولاد، الكبير الملك المغيث الذى تولى فى اعتقال الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بقلعة دمشق، واتهم به أنه قتله. والملك القاهر-وهو الأصغر-توفى أيضا فى حياة أبيه بدمشق. والملك المعظم-وهو الأوسط-وكان مقيما بحصن كيفا إلى أن توفى السلطان فأحضر، حسبما ذكرنا. وكان هذا الملك المعظم يميل إلى العلوم، ويجتمع بالفقهاء ويباحثهم، مع هوج فيه، حسبما نذكره إن شاء الله تعالى. وكان ولد له من شجر الدر ولد فسماه خليلا وهو يومئذ بحبس الكرك، وحضر معه إلى ديار مصر، وتوفى فى حياة أبيه.
ذكر بيعة الملك المعظم توران شاه بن الملك الصالح، رحمه الله
ولما كان يوم الخميس الثانى عشر من شهر رمضان المعظم من هذه السنة، حضر القاضى بدر الدين يوسف بن الحسن قاضى سنجار، وصحبته القاضى بهاء الدين كاتب المملكة الصّالحية، وحلفوا الأمراء وسراة الناس للملك المعظم توران شاه غياث الدين ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب. ثم إن الكتب أقامت أياما وهى تخرج بعلامة السلطان الملك الصّالح، ولا يستجرئ أحد أن يفوّه بموته. وكان الذى
يعلّم العلامة خادم يسمى سهيل. ثم إن الأمير فخر الدين بن الشيخ تصرّف فى الملك، وأطلق للأمراء، وبذل الأموال، وأخلع الخلع السنية. فعند ذلك تحققت الناس موت السلطان. وبلغ الفرنج ذلك، فجدوا فى القتال، وزحفوا إلى المسلمين، ووصلوا إلى فارسكور. ثم تقدموا منزلة أخرى، ليأخذوا الديار المصرية.
ولما كان يوم الخميس مع يوم الجمعة ورد كتاب إلى القاهرة المحروسة، فى جملته:
{اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْاالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ»} الآية. وفيه تحريض كثير، وحث على الناس. وكان ذلك يوما عظيما بالقاهرة من البكاء والعويل، وخرج الناس على وجوههم قاصدين الجهاد.
فلما كان يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان المعظم كانت الوقعة العظيمة بين المسلمين والفرنج، قتل من الفئتين خلق كثير. ثم نزل الفرنج قبال المسلمين على المنصورة، وعاد بينهما بحر أشموم. وكان فى البر الغربى من ناحية جوجر أولاد الملك الناصر داود صاحب الكرك، وإخوته. وفى ذلك النهار عملت الفرنج خندقا عظيما، وداروا عليه سور، ونصبوا المناجنيق يرمون بها المسلمين. وشوانى الفرنج وغربانهم بإزائهم على المنصورة. ثم استمر القتال بين الفريقين ليلا ونهارا إلى يوم الأربعاء، هرب من الفرنج ستة نفر من فرسانهم، وأتوا إلى الأمير فخر الدين بن الشيخ مدبر الدولة، وأخبروا أن الفرنج فى ضائقة عظيمة من عدم القوت عندهم.
وفى يوم الجمعة وصل الخبر أن الملك المعظم توران شاه وصل إلى عانة وحديثة.
ثم ورد الخبر أنه وصل دمشق، ثم نزل القصير. ثم وصل للفرنج ملك كبير
ومراكب عدة، فيها مأكول وسلاح، ووقع القتال بينهم وبين المسلمين، وكانت الفرنج تخاف من الحرافيش أكثر من العساكر.
ثم وردت الأخبار أن السلطان غياث الدين الملك المعظم توران شاه وصل الصالحية، ونزل فى قصر أبيه. ووقعت البطائق مخلقة. فضربت البشائر فى العسكر المنصور، وكذلك بالقاهرة.
ولمّا كان يوم الخميس النصف من شوال المبارك، ركبت الفرنج، وركب المسلمون، ودخلوا بر الفرنج، واقتتلوا قتالا عظيما. وقتل من الفئتين عالم عظيم.
وسيروا إلى القاهرة عدة أسرى من الفرنج، وفيهم ثلاثة من كبارهم وهم من الديوية. وكان لما دخل المسلمون إلى بر الفرنج، ركب من المسلمين جماعة، وقصدوا مخيمهم. وكذلك ركبت جماعة كبيرة من الفرنج، وهم جمرتهم المحرقة، وقصدوا مخيم المسلمين. فلم يشعر المسلمون المقيمون بالخيام إلاّ بالفرنج معهم، وكبسوا عليهم يدا واحدة، وعادت ضجة عظيمة. وكان الأمير فخر الدين فى الحمام، فخرج ولم يلحق يلبس لامته، وركب فرسه، وحمل على الفرنج، فجاءه سهم فقتل إلى رحمة الله.
وتفرق المسلمون يمينا وشمالا، وكادت تكون كسرة، لولا لطف الله عز وجل بدين الإسلام. ووصل الفرنسيس إلى باب القصر الذى للسلطان الملك الصّالح. ثم إن الله تعالى أغاث المسلمين بطائفة من المماليك الصّالحية المعروفين بالبحرية. وركب الأمير فارس الدين أبو الهيجاء، والأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، فى عدة جيدة من الترك، فكانوا سببا لإخماد جمرة الشرك. وحملوا على الفرنج حملة منكرة، فبددوا شملهم يمينا وشمالا. قال بعض من حضر هذه الوقعة: والله لقد كنت أسمع زعقات
الترك كالرعد القاصف، ونظرت إلى لمعان سيوفهم وبريقها كالبرق الخاطف، فلله درّهم لقد أحيوا فى ذلك اليوم الإسلام من جديد، بكل أسد من الترك قلبه أقوى من الحديد. فلم تكن إلا ساعة وإذا بالأفرنج قد ولوا على أعقابهم منهزمين، وأسود الترك لأكتاف خنازير الأفرنج ملتزمين. وأحصى من قتل من الفرنج فى تلك الساعة، فكانت عدتهم ألفين وخمسمائة فارس، من كنودهم وشجعانهم، وليوثهم وفرسانهم. وأما من الرجالة فلا يحصى عدتهم إلاّ الله عز وجل. وانهزم الملاعين أقبح هزيمة. ومن ذلك النهار احترزوا على أنفسهم، وانقطع من الطمع أملهم، وبنوا عليهم سورا عظيما، وخافوا من سيوف الترك. وضربت البشائر بسبب هذا النصر العظيم، والإنعام الجسيم.
وكانت هذه الوقعة أول وقعة ظفرت أسود الترك بكلاب الفرنج. ثم وردت البشائر بذلك على الملك المعظّم توران شاه، وهو بالصّالحية.
ولمّا كان يوم السبت لأربع عشرة ليلة مضت من ذى القعدة، وصل المعظم إلى المنصورة، وقد استصحب معه القاضى الأسعد شرف الدين الفائز، وكاتبه النشو بن حشيش النصرانى، كان كاتب المعظم بحصن كيفا. فلما دخل المعظم الرمل طالبا للديار المصرية، أسلم النشو المذكور على يده، ورشحه للوزارة. وأما الفائز فإن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب كان جعله ناظرا بدمشق فى الديوان السلطانى. فلما وصل المعظم إلى دمشق سأل أن يكون فى الركاب السلطانى، فأجيب إلى ذلك. ونزل [توران شاه] بقصر أبيه، وتحقق الناس موت السلطان الملك الصّالح. ثم إن المسلمين عملوا مراكب وحملوها على الجمال، وأرموها فى بحر المحلة، فلما زاد النيل أرموها فيه.
ولما تقدّمت مراكب الفرنج خرجت عليهم مراكب المسلمين، واشتد بينهم القتال.
ثم انتصر المسلمون على الكافرين، وأخذت مراكبهم-وعدتهم اثنتين وخمسين مركبا-وأسروا جميع من بها، ودخلوا بالأسرى إلى القاهرة.
وفى يوم الاثنين لسبع بقين من ذى الحجة، خرجت مراكب المسلمين أيضا على مراكب الفرنج، وكانت مملوءة غلالا ومأكولا، فالتقى الجمعان عند مسجد النصر، فنصر الله الإسلام، وأيّد أمة النبى عليه السلام، وأخذوا من مراكب الفرنج عدة اثنين وثلاثين مركبا. فعند ذلك ذلت نفوس الملاعين، واشتد عندهم الغلاء، وعدم القوت، وشرعوا يسألون الصلح. وترددت الرسل بينهم، وتوجه إليهم رسول من المسلمين يسمى زين الدين قراجا أمير جندار، وصحبته القاضى بدر الدين السنجارى، فأجابه الفرنج، ولكن على شرط أن يكون لهم القدس الشريف وبعض بلاد الساحل، ويسلموا دمياط. فلم يرض المسلمون بذلك. ثم خرجت هذه السنة.