الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سنة إحدى وأربعين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم خال، لم يكن به ماء يذكر. مبلغ الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثمانية أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستعصم بالله أمير المؤمنين. والوزير بحاله. والسلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب سلطان الديار المصرية وما معها.
وفيها كان ابتداء الصلح بين الملك الصالح أيوب والملك الصالح إسماعيل. وكان السفير بينهما فى ذلك من قبل الخلافة الأصيل الخطيب. وأطلق الصالح إسماعيل المغيث عمر بن الملك الصّالح. ثم إن السّامرى وزير الصالح إسماعيل أعكس الرأى، وقال لإسماعيل:«هذا خاتم سليمان فى يدك لا تنزعه» . فتوقف الأمر ولم يتم الصلح بينهما. ومنع المغيث من الركوب، وجلس فى برج بقلعة دمشق. وكتب الملك الصالح أيوب إلى الخوارزمية، فعبروا الفرات، وانقسموا قسمين: قسمة أتوا على بقاع بعلبك وقسمة على غوطة دمشق، ينهبوا ويسبوا ويقتلوا، وسد الصالح إسماعيل أبواب دمشق، ونزلوا غزة.
وفيها صالح صاحب الروم التتار، على أن يدفع لهم فى كل يوم ألف دينار، وفرسا ومملوكا وجارية وكلب صيد. وكان عقله ناقصا يلعب بالكلاب والسباع، ويسلطها على الناس، فعضه أسد، فمات منه. واستولى التتار على مملكة الروم.
وأكسروا عساكرها. وكان قبل ذلك قد اصطلح صاحب الروم مع الخوارزمية، واتفقوا مع صاحب ميافارقين وصاحب حلب وصاحب ماردين. واجتمعوا جميعهم
وضربوا مع التتار مصافا. وكان التتار فى جمع عظيم، فكانت الكسرة فى الأول على التتار. ثم ردوا ردة على المسلمين، فانكسروا كسرة عظيمة، وقتل منهم خلق كثير، وهرب كل ملك إلى جهة. واستولى التتار على البلاد. ورجع عسكر حلب فى أنحس حال. واستولى على الممالك التتار.
واستقر بملك الرّوم بعد وفاة صاحبه عز الدين كيكاوس، وأخوه ركن الدين قليج أرسلان. ثم هرب كيكاوس إلى قسطنطينية، واستقل قليج أرسلان بملك الرّوم. هذا والخوارزمية بغزة، تحت أوامر الملك الصّالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، ومقدموهم يومئذ أربع خانات وهم: حسام الدين بركة خان، وزين الدين خان بردى، وعز الدين صاروخان، وبهاء الدين كشلوخان. وكانوا فى عشرة آلاف فارس. وأفسدوا فى طريقهم-حتى أتوا إلى غزة-ما وصلت إليه قدرتهم من كل فعل قبيح. وكان عسكر دمشق مجرّدا على غزة، فلما بلغهم مجئ الخوارزمية، هربوا إلى دمشق. وهرب الملك الناصر داود إلى الكرك. وهربت الفرنج الذين كانوا ببيت المقدس إلى عكا. ونهبت الخوارزميّة القدس، وقتلوا كل من وجدوه فى طريقهم من النصارى، ودخلوا كنيسة قمامة، وأخربوا القبور التى فيها، وأحرقوا عظام الموتى. ثم نزلوا غزة بعد فساد كثير. ثم سيروا رسلهم إلى الملك الصّالح أيوب بمصر، يستأذنونه فى محاصرة دمشق، ومحاربة الصالح إسماعيل عمه.
فأخلع على رسلهم وأعطاهم الأموال، وسير الخلع والأموال الجزيلة إلى مقدمى الخوارزمية. وجهز من عنده عسكرا من المصريين، نجدة للخوارزمية، مع أمراء كبار من الأكراد، وكانوا أيضا أتوا من الشرق نجدة للملك الصّالح أيوب.
وتوجهوا إلى نحو دمشق.
وأما الصالح إسماعيل فإنه سيّر إلى الفرنج يطلب منهم النجدة. واتفق الحال بينه وبين الفرنج أن تكون مصر والشام بينهم بالمساواة. ثم خرجت عساكر الشام، ومعهم فرسان الفرنج، والتقوا مع عساكر مصر ومعهم الخوارزمية. وكانت وقعة عظيمة، قتل من الفريقين خلق كثير. ثم انتصر المصريون والخوارزمية على الشاميين والفرنج. ثم إن الفرنج ركبوا أقفية أصحابهم الشاميين المنهزمين، قتلا وأسرا.
ووصل الخبر إلى الديار المصرية بكسرة الفرنج ومن معهم من عسكر الشام، فضربت البشائر بذلك. وجمع الملك الصالح أيوب الأمراء عنده بقلعة المقياس، وفرّق الأموال والخلع، وكان نهارا مشهودا. ثم بعد أيام قلائل دخل الأمير حسام الدين بن أبى على بالأسرى من الفرنج على الجمال، وشقوا بهم القاهرة. ثم سير السلطان الملك الصّالح أيوب مملوكه الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، فى عسكر كثيف من المصريين والتركمان، ثم أمره أن ينزل على غزة.
وفى هذه السنة انتظمت مملكة السلطان الملك الصالح أيوب، ووصل إليه جميع عساكر السّواحل، وعسكر القدس، والخليل، وبيت جبريل، والأغوار، وغيرهم.
وفيها رسم السلطان لوزيره معين الدين بن شيخ الشيوخ أن يكون نائبه بدمشق، وحكمه فيها، وأقامه مقام نفسه. ووصل إلى الخوارزمية وصار مقدما عليهم.
واشتد الحصار بدمشق، فسيّر الصالح إسماعيل إلى ابن الشيخ سجادة وعكاز وإبريق.
وذلك يوم الاثنين ثامن المحرم سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وقال له:«اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بحرب الملوك وأبناء الملوك» . فنفذ إليه ابن الشيخ جنك وزمر وغلالة حرير أحمر وأصفر وقال له: «السّجادة وما معها تصلح لى، وأنت أولى بهذا من الملك» . وأصبح فقوّى الحصار، حسبما يأتى من تتمة الكلام فى تاريخه.