الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر سنة ست وعشرين وستمائة
النيل المبارك فى هذه السنة
الماء القديم أربعة أذرع وثلاثة أصابع. مبلغ الزيادة ستة عشر ذراعا وعشرة أصابع.
ما لخص من الحوادث
الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. والوزير ابن العلقمى بحاله. والسلطان الملك الكامل مخيم بتل العجول. والملك الصالح نجم الدين أيوب نائبا عن أبيه بالديار المصرية، وولده الملك العادل يوقع فى الأموال.
وفى شهر المحرم كانت المراسلة بين السلطان الملك الكامل وبين الأنبرور.
قال ابن واصل: اسمه الأنبرطور وتفسيره بالعربى ملك الأمراء، ومملكته جزيرة صقلية، ومن البر الطويل بلاد أنبولية والأنبردية، ملك الإفرنج.
وفى شهر صفر وصل صاحب حمص إلى خدمة الملك الكامل، بتل العجول.
وفى شهر ربيع الأول تقرر الصلح بين السلطان الملك الكامل وبين الأنبرور ملك الإفرنج، وتسلم القدس الشريف-حسبما يأتى من ذكر ذلك-وشرط أن يكون فى المسجد الأقصى الخطيب والإمام والمؤذن، ويقام فيه الجمعة والصلوات الخمس فى كل يوم.
وكان لما توفى الملك المعظم، رحمه الله، وقام بالملك بدمشق الملك الناصر داود ولده، بعث الفخر بن بصاقة إلى الملك الأشرف عمه يستدعيه إليه خوفا من الكامل.
وكان الأمير عز الدين أيبك أستادار-المعروف بصاحب صرخد، جدنا-قال للناصر داود-لما جلس-بطريق النصيحة:«دارى عمك الكامل واستعطفه، ولا تبعث إلى الأشرف، وداوى الأخطر» . فخالفه فى ذلك، وحضر الأشرف، ونزل بستانه، وقال للناصر:«أنا أمضى إلى الكامل وأصلح حالك معه» . وحضر الأشرف فوجد الكامل قد أعطى الأنبرور القدس، فشق عليه ذلك أمر عظيم،
وعتب الملك الكامل فى ذلك، فقال:«ما أحوجنى إلى ذلك إلا المعظّم، فإنه أعطى الأنبرور من الأردن إلى البحر، والضياع التى من باب القدس إلى يافا، فاحتجت أنا أن أعطيه القدس أيضا» . ووصلت الأخبار إلى سائر بلاد الإسلام أن الملك الكامل أعطى القدس للإفرنج، فقامت الدنيا على ساق واحد، وعظم ذلك على سائر المسلمين، وأقاموا المآتم. وكان الملك الناصر داود منحرفا عن الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد، فتركه وقدم على السلطان الملك الكامل وهو على تل العجول. وكان عزمه العود إلى مصر. فلما أتاه الأمير عز الدين أيبك المشار إليه، قال:«قد جاءنى مفتاح الشام» وأقبل عليه، وأعطاه عشرة آلاف دينار. وجمع رأيه على السّير إلى دمشق، فتوجه إليها، واحتاطت العساكر بها من كل جهة. وقبض الناصر على الفخر بن بصاقة وابن عمه، ورماهما فى الجب. وكان قد اتهم الفخر بالأشرف، وأنه واطأ على الملك الناصر.
وفيها دخل الأنبرور ملك الفرنج إلى القدس الشريف، وجرى له فيها عجائب، منها أنه لما دخل الصخرة رأى قسيسا جالسا عند الصخرة عند القدم، يأخذ من الفرنج القراطيس، فجاء إليه كأنه يطلب منه الدعاء، ثم لكمه رماه إلى الأرض، وقال له:
قال أبو المظفر: حكى لى قوّام الصخرة، قال: نظروا إلى الكتابة التى على الصخرة، وهى:«طهر هذا البيت المقدس صلاح الدين من المشركين» . فقال: «ومن هم المشركين؟» .
ثم قال للقوّام: «ما هذه الشبابيك التى على أبواب الصخرة؟» قالوا: «تمنع العصافير» .
فقال: «قد أتى الله إليكم بالخنازير» . وقالوا عنه أيضا: ولما أتى وقت الظهر أذّن المؤذنون، فقام هو ومن كان معه من جماعته، فصلوا. وكان معلمه الذى أتى معه
من صقلّية، يقرأ عليه المنطق، وقيل إنه كان مسلما فى الباطن. وكان الأنبرور من صفته أنه أشقر، أمعط، أعمش، لو كان عبدا ما ساوى سبعين درهما. وقيل إنه كان دهريا، وإنما كان يتلاعب بالنصرانية. قال أبو المظفر: وكان السلطان الملك الكامل قد أمر القاضى شمس الدين قاضى نابلس بأن يقول للمؤذنين-ما دام الأنبرور فى القدس-لا يصعدوا المنابر، وإنما يؤذنون فى الحرم. فسها القاضى عن ذلك، ولم يقل للمؤذنين شيئا. فصعد فى تلك الليلة عبد الكريم المؤذن-وكان حسن الصوت لذيذ النغمة-وسبّح وقت السحر، وجعل يقرأ الآيات المختصة بالنصارى، مثل قوله تعالى:{إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ»} . وقوله تعالى:
{مَا اِتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ»} ، وما أشبه ذلك من الآيات الشريفة. فلما طلع الفجر أذّن ونزل، فاستدعاه القاضى وقال:«يا عبد الكريم ماذا الذى صنعت؟ السلطان رسم بكيت وكيت» . فقال: «ما عرفتنى بشئ. والتوبة» . فلما كانت الليلة الثانية لم يصعد عبد الكريم المئذنة، ولا تكلم. فلما كان باكر النهار، طلب الأنبرور القاضى، وقال:«يا قاضى أين ذاك الذى كان البارحة وذكر ذلك الكلام الحسن؟» . فقال:
القاضى: «مرسوم السلطان لنا بكيت وكيت» . وعرفه ما وقع من السهو فى ذلك.
فقال الأنبرور: «لقد أخطأ يا قاضى. تغيرون أنتم شعائركم وشرعكم ودينكم لأجلى؟.
فلو كنتم عندى فى بلادى كنت أبطل ضرب الناقوس لأجلكم؟ الله لله لا تفعلون ذلك». ثم إنه فرق على القوام والمؤذنين والمجاورين جملة كبيرة، وطلب عبد الكريم المؤذن وأعطاه مائة دينار. ولم يقم بالقدس غير ليلتين، وعاد إلى يافا، وخاف من الديوية، فإنهم أرادوا قتله.
قال ابن واصل فى تاريخه: أن لما تسلم الأنبرطور القدس الشريف رسم الملك الناصر داود لشمس الدين سبط الشيخ جمال الدين بن الجوزى أنه يصعد المنبر ويعزى الناس على عهد الكامل بسبب تسليمه القدس للفرنج، ليجتمع الناس على معاضدة الناصر داود على عمه الملك الكامل. قال: فصعد وجلس للوعظ، وذكر مناقب صلاح الدين فى تطهيره للقدس الشريف من الفرنج، ولوّح بما صار إليه فى ذلك الوقت وأنشد قصيدة، منها يقول:
على قبة المعراج والصخرة التى
…
تفاخر ما فى الأرض من صخرات
مدارس آيات خلت من تلاوة
…
ومنزل وحى مقفر العرصات
قال: فلم ير ذلك اليوم إلا باك وباكية.
وفيها اشتد الحصار على دمشق وألجأت الضرورة أن الناصر داود خرج الى عمه السلطان الملك الكامل، وأعطاه الكرك وعجلون والصلت ونابلس والقدس وقلعة الخليل، صلوات الله عليه، وأخذ منه الشوبك. وتسلم السلطان الكامل دمشق فى شهر ربيع الأول من هذه السنة. ثم سار السلطان إلى مدينة حماه وانتزعها من الناصر قليج أرسلان، وأعطاها لأخيه الملك المظفر تقى الدين محمود، وهو شقيق الناصر قليج أرسلان، وهما أبناء أخت السلطان الملك الكامل، ولدى الملك المنصور محمد بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب.
وفيها توجه الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبو بكر ابن أيوب إلى الكرك، وأقام الأشرف موسى بدمشق، وملكها له أخوه، فدخل عليه ابن عنين الشاعر وامتدحه. فلم يتفق عنده كما كان عند المعظم. وكان
ابن عنين هجاء خبيث اللسان، فشرع يفعل عنده ما كان يفعله فى مجالس المعظم، فنهره الأشرف، فخرج من عنده مكسورا فقال:
وكنا نرجّى بعد عيسى محمدا
…
لينقذنا من شدة الضّرّ والبلوى
فأوقعنا فى تيه موسى كما ترى
…
حيارى فلا منّ لديه ولا سلوى
فبلغ الأشرف، فغضب، وأمر بقطع لسانه. فدخل عليه جماعة، فحلف لا بد من قطع لسانه، فحلفوا له أنه لم يقل هذا، وإنما الأعداء تقوّلوا عليه. فقال الأشرف:
«هذا ما يسلم أحد من خبث لسانه، ولا بد من قطعه» . فهرب ابن عنين إلى بلاده بزرع وحوران، وتغافل الأشرف عنه.
وفى أول شهر ذى القعدة راسل السلطان جلال الدين الإمام المستنصر بالله، وسأله أن ينعم عليه بلباس الفتوة. وذلك أن جلال الدين كان قد قصد مشهد الإمام على رضى الله عنه. وكان نقيب الفتوة يومئذ الجلال عبد الله بن المختار، فاجتمع به ورغبه فى ذلك. فأجاب الخليفة سؤاله، ووكل الإمام المستنصر بالله فخر الدين أبا طالب أحمد ابن الدامغانى فى الفتوة، ونفّذ معه الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن شيخ الشيوخ.
وسيّر معهما التشاريف والخلع، وأصحبهما بالأمير سعد الدين بن الحاجب على، فوصلوا إلى السلطان جلال الدين وهو على أخلاط محاصرا لها، فألبسوه الفتوة وتشاريف الخلافة، ودخل تحت الطاعة.
وفيها قصد ملك بكران وبلاد سيف، البحر وركبه، وقصد جزيرة
قيس التى تعرف بكيش، وكان فى جمع كثير من المقاتلين، ونازلها، وملكها، وغنم منها أموالا عظيمة، ما لا يقع عليه الحصر. وولى عليها رجلا من خاصته؛ ورحل عنها.
وفيها توفى الملك المسعود أقسيس بن السلطان الملك الكامل صاحب اليمن.
وكان لما بلغه موت عمه الملك المعظم فى سنة خمس وعشرين طمع فى الشام، وفعل أقبح فعل، لم يسبقه إليه أحد من الملوك. وذلك أنه نادى فى بلاد اليمن فى جميع التجّار:«من أراد السفر صحبة السلطان إلى الديار المصرية والشام فليتجهز ليأمن من الحقوق الموجبة عليه» . فجاءت التجار من الهند والسند بأموال الدنيا، من كل صنف عجيب. فلما تكاملت التجار فى زبيد، أمرهم أن يكتبوا له سائر ما معهم، وقال:
«إنما القصد حمايتكم من الزكاة بالديار المصرية» . فكتبوا له جميع ما معهم، فصار يكتب لكل تاجر رأس ماله، وأخذ الباقى باليد عسفا، فأجمعوا التجار رأيهم، واجتمعوا ببابه، واستصرخوا، وقالوا:«نحن قوم من بلاد شتى، ولنا سنين عن أهالينا، فكيف تأخذ أموالنا؟» ، فلم يلتفت إليهم. قال أبو المظفر: بلغنى أن كان ثقله فى خمسمائة مركب، ومعه ألف وسبعمائة خادم، ومائة قنطار عنبر خام، ومائة قنطار عود قاقلى، ونوافج مسك، وبرانى مسك، ومائة ألف ثوب حرير، ومائة صندوق من الجواهر والأموال. ثم ركب الطريق إلى مكة-شرفها الله تعالى-فمرض فى الطريق مرضا شديدا، فما دخل مكة إلا وقد انفلج، ويبست يداه ورجلاه، ورأى فى نفسه العبر. فلما احتضر، بعث إلى رجل مغربى من المجاورين بمكة، وقال له:«والله ما أرضى لنفسى من جميع ما معى كفنا أتكفن فيه، فعسى تتصدق علىّ بكفن» .
فأرسل إليه نصفيتين ومائتى درهم، ودفن فى المعلى. وقيل: إن الهواء ضرب بعض المراكب، فعادت إلى زبيد، فأخذوها أصحابها.
قال أبو المظفر: وسر الملك الكامل بموته. ولما حضر خازنه إلى بين يديه، ما سأله كيف مات، بل قال:«كم معك من المال والتحف» . وكان هذا الملك المسعود أقسيس، رجل مجنون، عديم الدين، وفعل فى الحرم الشريف قبل ذلك أفعالا قبيحة، من جملتها أنه كان يرمى الطيور التى فى الحرم بالبندق فى وسط الحرم الشريف، مع أشياء لا يطاق سماعها، فعوقب، ولم يمهل. فنعوذ بالله من الاعتقاد الفاسد، والتجاسر على المحارم، والتعرض إلى ما نهى عنه، والتخلى عما أمرنا به. ونسأله العافية فى الدين والدنيا والآخرة.