الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث أنواع البيان النبوى للقرآن الكريم، وصوره
قبل أن نخوض في أنواع البيان النبوي للقرآن وصوره؛ يحسن أن نعرف بمصطلح التفسير النبوي، ولم أجد (1) -فيما وقفت عليه- من تعرض لبحث هذا المصطلح سوى ما ذكره د. مساعد الطيار حيث عرفه في مقال له، فقال:"هو كل قول أو فعل صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحا في إرادة التفسير"(2).
ويؤخذ على هذا التعريف أمران:
1 -
أنه أخرج التقرير النبوي، والتقرير المصادر من النبي صلى الله عليه وسلم يضاف إليه، ولهذا يقال: فعل أو قال فلان كذا؛ فأقره النبي صلى الله عليه وسلم، فيعد هذا تقريرا نبويا، كما يقال في الفعل: فعل نبوي، وهكذا في القول.
وبناء على ذلك لو ورد تقرير نبوي يفيد في تفسير آية من القرآن؛ فلا يعد هذا من التفسير النبوي على التعريف المذكور، والأظهر أنه داخل في التفسير النبوي لأنه صادر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأفاد في تفسير شيء من القرآن، وسيأتي التمثيل عليه بعد قليل.
2 -
تقييده بالصريح، ومفهومه أن ما جاء عن النبي رضي الله عنه وأفاد في تفسير القرآن على وجه غير صريح فليس من التفسير النبوي، وفيه نظر، والأقرب أن يدرج هذا في التفسير النبوي، لأنه صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأفاد في بيان معنى القرآن، نعم هذا البيان النبوي للقرآن على درجات -كما سيأتي إن شاء الله- ويأتي في مقدمتها: البيان اللفظي الصريح،
(1) لفت نظري أثناء البحث أن موضوع التفسير بالسنة لم يحظ بالعناية اللائقة به من جهة التأصيل والتقعيد، حيث لم أقف على أية رسالة علمية في هذا الموضوع، ولعل أقسام التفسير وعلوم القرآن في جامعاتنا، وكذا المختصين في هذا العلم أن يلتفتوا إلى هذا الموضوع ويولوه العناية التي يستحقها، والله الموفق.
(2)
مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير ص 139.
لكن لا يلزم منه أن يكون غير الصريح خارجا عن دائرة البيان النبوي للقرآن، بل نجد أن فيما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يفيد في تفسير الآية، وبيان معناها، وصيغته غير صريحة، فهل يسوغ إخراجه من حيز البيان النبوي؟.
وبعد التأمل ظهر لي أن يقال في تعريف التفسير النبوي (1):
"ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير في بيان معاني القرآن".
والأمثلة على القول كثيرة، ومنها: ما جاء عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المغضوب عليهم: اليهود، والضالين: النصارى)(2).
وأما الفعل؛ فمن أمثلته:
1 -
جاء في سياق حديث جابر رضي الله عنه الطويل في صفة الحج: (.. حتى إذا أتينا البيت معه صلى الله عليه وسلم استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام، فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]، فجعل المقام بينه وبين البيت .. كان يقرأ في الركعتن قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون)(3).
(1) ومثله التفسبر بالسنة، وقد فرَّق د. مساعد الطيار بين (التفسير بالسنة) و (التفسير النبوي) في المرجع السابق، وذكر أن التفسير النبوي يلحظ فيه إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقيده بالصريح، وأخرج منه التقرير النبوي -كما سبق-.
وما ذكره له حظ من النظر، ولكن الأظهر -فيما أرى- عدم التفريق لأن السنة عبارة عما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، فالإضافة هنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقال: السنة النبوية، وحينما نقول: التفسير بالسنة؛ فالمراد بها -كما هو معلوم- السنة النبوية، فآل الأمر في التعبيرين- التفسير بالسنة، والتفسير النبوي- إلى إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير يفيد في تفسير القرآن وبيان معناه؛ فهو تفسير نبوي، وتفسير بالسنة النبوية، والله أعلم.
(2)
هو الحديث الأول من أحاديث الكتاب.
(3)
أخرجه مسلم رقم (1218) في الحج: باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم. وهو جزء من حديث جابر رضي الله عنه الطويل في صفة حجه صلى الله عليه وسلم.
فهذا تفسير نبوي فعلي لقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125].
2 -
قال جابر رضي الله عنه في الحديث السابق: (.. حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتن، ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس).
فهذا تفسير نبوي فعلي لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198].
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله في سياق بحثه لبعض مسائل الحج: "أفعاله صلى الله عليه وسلم في حجته؛ تفسير لآيات الحج"(1).
3 -
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي:(يا بني فهر، يا بني عدي)، لبطون قريش، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال:(أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا، قال:(فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟! فنزلت:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)} [المسد: 1 - 2](2).
(1) أضواء البيان 4: 496.
(2)
أخرجه البخاري رقم (4770) في التفسير: باب قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} وفي مواضع أخرى، ومسلم رقم (208) في الإيمان: باب قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} .
فهذا تفسير نبوي فعلي لقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214].
4 -
عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف: 143]، قال هكذا: وأمسك بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال:(فساخ الجبل، وخر موسى صعقا)(1).
وأما التقرير؛ فيبدو أن أمثلته قليلة جدا، ومنها: ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من اليهود، فقال: إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك. فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه تعجبا وتصديقا لقوله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67](2). فهذا تقرير نبوي يفيد في تفسير الآية.
ومن الأمثلة أيضا: ما جاء عن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل؛ قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال:(با عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟!) قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله عز وجل:{ولَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]،
(1) انظر دراسة الحديث والكلام عليه برقم (86) من أحاديث البحث.
(2)
أخرجه البخاري رقم (7513) في التوحيد: باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة، وفي مواضع أخرى، ومسلم رقم (2786) في صفة القيامة والجنة والنار.
فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا (1).
(1) أخرجه أحمد 4: 203، وأبو داود رقم (334) في الطهارة: باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟، والدارقطني 1: 178 في التيمم رقم (12)، -ومن طريقه: ابن حجر في (تغليق التعليق) 2: 189 - والحاكم 1: 177، والبيهقي في (الخلافيات) 2: 480 رقم (824) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عِمران بن أبي أَنَس، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن عمرو رضي الله عنه.
قال البيهقي في (الخلافيات) 2: 480: "هذا مرسل، لم يسمعه عبد الرحمن بن جبير من عمرو بن العاص رضي الله عنه". ومع ذلك فقد قال ابن حجر في (الفتح) 1: 541: "إسناده قوي".
وأخرجه أبو داود رقم (335) في الموضع السابق، وابن المنذر في (الأوسط) 2: 27 رقم (528)، والدارقطني 1: 179 في التيمم رقم (13)، -ومن طريقه: ابن حجر في (تغليق التعليق) 2: 188 - والحاكم 1: 177، والبيهقي في (السنن الكبرى) 1: 226 وفي (الخلافيات) 2: 480 رقم (825) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عِمران بن أَبي أَنَس، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، أن عمرو بن العاص رضي الله عنه .. فذكره، وفيه: أنه غسل مغابنه، وتوضأ وضوءه للصلاة.
والحديث من هذا الوجه؛ صححه ابن حبان، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي. وتكلم عليه الزيلعي في (نصب الراية) 1: 156 ثم قال في آخر بحثه: "والحاصل أن الحديث حسن أو صحيح".
وللحديث طرق أخرى، ووقع فيه اختلاف. ينظر: تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي 1: 308 - 310.
والحديث علقه البخاري -في كتاب التيمم: باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم- فقال: "ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة، فتيمم، وتلا: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعنف".
قال البيهقي في (السنن الكبرى) 1: 226: "يحتمل أن يكون قد فعل ما نقل في الروايتين جميعا، غسل ما قدر على غسله، وتيمم للباقي". وقال النووي في (المجموع) 2: 283: "وهذا الذي قاله البيهقي متعين".
وقوَّى ابن القيم -في (زاد المعاد) 3: 388 - الرواية الثانية على الأولى التي ذكر فيها التيمم.
فأقره النبي صلى الله عليه وسلم استدلاله بالآية في تلك الحادثة وهذا يفيد في فهم معناها.
وبعد بيان معنى التفسير النبوي، وذكر الأمثلة عليه؛ أنتقل إلى الحديث عن أنواع التفسير النبوي، فأقول -وبالله التوفيق-:
إن الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان معاني القرآن متفاوت في درجات البيان، ويمكن تصنيفه إلى الدرجات التالية:
1) التفسير النصي (1) اللفظي الصريح:
وهو ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من نص لفظي صريح في تفسير الآية.
وهو موضوع البحث، وأحاديث الرسالة برمتها أمثلة عليه.
قال الزركشي: "لطالب التفسير مآخذ كثيرة؛ أمهاتها أربعة:
الأول: النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع، فإنه كثير، وإن سواد الأوراق سواد في القلب. قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاث كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير. قال المحققون من أصحابه: ومراده أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة. وإلا فقد صح من ذلك كثير، فمن ذلك: تفسير الظلم بالشرك في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، وتفسير الحساب اليسير بالعرض، رواهما البخاري، وتفسير القوة في:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] بالرمي رواه مسلم" (2).
وما ذكره من الأمثلة يومىء إلى أنه يعني هذا النوع، وهذا ما فهمه السيوطي فإنه نقل كلامه، ثم عقب عليه، فقال:"قلت: الذي صح في ذلك قليل جداً، بل أصل المرفوع منه في غاية القلة"(3).
(1) النص عند الأصولين: ما لا يحتمل إلا معنى واحداً. ينظر: (البحر المحيط) للزركشي 2: 204.
(2)
البرهان 2: 156 - 157، وما ذكره من الأمثلة ستأتي في مواضعها من البحث -إن شاء الله-.
(3)
الإتقان 2: 443.