الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعنى:
إذا كان حال أولئك الأمم كما قصصنا عليك أيها الرسول فاستقم كما أمرت ومن تاب معك، ولا تطغوا.
الاستقامة المأمور بها في الآية مرتبة عليا، تقتضي الإيمان بالغيب كله كما جاء في القرآن الكريم، وعدم التفرق والاختلاف في أسس الدين وأصوله الذي وعد الله صاحبه بالهلاك والعذاب، والاستقامة تقتضي كذلك التزام ما أمر به الكتاب من العبادات والمعاملات، والاحتكام إليه عند النزاع واختلاف الرأى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[النساء 59] أليست الاستقامة درجة عليا بدليل أمر الله نبيه بها! وهو على الاستقامة مستقيم، وقد أمر بها موسى وهارون على أنها الطريقة المثلى للنجاح قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [يونس 89] وانظر إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [سورة فصلت آية 30] .
والاستقامة تطبيق عملي لروح الدين، وكرامة يختص بها الله بعض المخلصين من عباده ليكونوا مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا وصدق رسول الله حين قال لسفيان الثقفي إجابة لطلبه: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم «قل آمنت بالله ثمّ استقم» .
فاستقم كما أمرت يا أيها الرسول ومن تاب معك من المؤمنين، ولا غرابة في هذا الأمر، والرسول صلى الله عليه وسلم مستقيم غاية الاستقامة إذ هو أمر يقصد به الدوام والاستمرار على ما هو عليه.
وألا تطغوا إنه بما تعملون بصير، والطغيان مجاوزة الحد المرسوم، والخروج عن الطريق المستقيم، وهذا أمر عام يقع فيه الخاص والعام، ولذلك جاء النهى فيه للجميع مع التذييل بأن الناقد بصير وخبير.
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، ولا تعتمدوا عليهم في شيء أبدا فالركون إلى الظالمين ظلم بين، وهذا النهى علاج لمرض نفسي متفش عندنا كثيرا وهو اللجوء إلى الكبار والرؤساء معتمدين عليهم في قضاء المصالح وهذا ما يدعونا إلى إطرائهم وتملقهم، وكتمان
الحق، وعدم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وكل من اعتدى على دين الله أو على حكمه فهو ظالم، فما بالك بالكفرة والمشركين.
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم وأمتهم ووطنهم فتمسكم النار، وما لكم من دون الله أولياء أبدا ينفعونكم ثم أنتم لا تنصرون في شيء؟!! وانظر- رعاك الله- إلى خير ما يستعين به الإنسان في حياته.
أمرنا الله بالاستقامة، والصبر على الطريق المستقيم، ونهانا عن الطغيان ومجاوزة الحد، ونهانا عن الركون إلى الظالمين والاستعانة بهم. وكل هذا أمر شاق على النفس، كبير إلا على الخاشعين، ولذا عطف على ذلك الأمر بإقامة الصلاة وتحصيل الصبر لأنهما العدة للامتثال.
أما إقامة الصلاة فهي ترأس العبادات العملية، وهي الصلة بين العبد والرب وهي مطهرة للنفس مرضاة للرب، مدعاة لتطهير الروح وتزكية النفس.
والصبر سلاح المؤمن وعدته، والوقاية له من الجزع المفضى إلى الخروج عن الجادة،
وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصّبر نصف الإيمان» .
لذلك كله لا غرابة في جعل الصلاة والصبر خير ما يستعين بهما المسلم على امتثال الأمر واجتناب النهى.
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، والمراد أدها كاملة مقومة تامة الأركان مستوفية الشروط والهيئات في أول النهار وآخره، بكرة وأصيلا، وفي ساعات الليل المتداخلة في النهار وساعات النهار المتداخلة في الليل، وهذا التحديد في الزمن يشمل جميع أوقات الصلاة كما ذكرت في آيات أخرى فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم 17 و 18] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء 8] والمراد بدلوك الشمس زوالها المنتهى إلى غسق الليل ويدخل فيه صلاة العصر والمغرب والعشاء وأقم صلاة الفجر إنها كانت مشهودة من الله والملائكة.
وأقم الصلاة. إن الحسنات بامتثال الأمر خصوصا في العبادات التي أهمها الصلاة يذهبن السيئات.