الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا بدء لسورة الشعراء، وهي سورة مكية، افتتحت بأحرف هجائية فيها ما قلناه في أول سورة البقرة، وما خلاصته أن الله أعلم به ونحن نقف عند هذا الحد، وهو كالشفرة بين الله- جل جلاله ورسوله الأعظم إذ هو مخاطب به فلا بد أن يعرف معناه، وقال البعض: لا بد أن نفهم له معنى وسرا، والظاهر أنه أتى به للتحدى بالقرآن الذي هو مكون من حروف المعجم العربية التي ينطق بها كل عربي، ومع هذا عجزوا عجزا ظاهرا.
وهكذا جاءت السورة بذلك الطابع حيث تكلمت عن القرآن الكريم وموقف المشركين منه، ثم تعرضت لقصص بعض الأنبياء- عليهم السلام، ثم ختمت بالكلام على القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم.
المعنى:
هذه الآيات- الإشارة إلى آيات هذه السورة- آيات من الكتاب أى: القرآن الكريم المبين عن أغراضه ومقاصده وأحكامه وإعجازه، ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ وهذه الإبانة في الواقع ونفس الأمر بقطع النظر عن عقيدة الكفار.
نعم أنزل عليك يا محمد كتاب أحكمت آياته، وفصلت من لدن حكيم خبير، فيه الهدى والنور لك ولأمتك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وإذا كان هذا القرآن كذلك، ولم يؤمنوا به، فليس لنقص فيه. ولكن الله أراد ذلك، وعلى هذا فلا تبالغ في الحزن والأسف على عدم إيمانهم لأنك إن بالغت فيه كنت كمن يقتل نفسه، ويبالغ في ذبحها، ثم لا ينتفع بذلك أبدا، فنحن مشفقون عليك أيها الرسول إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ.
واعلم أن الله على كل شيء قدير، وهو قادر على أن ينزل آية تلجئهم إلى الإيمان وتقسرهم عليه، وهم يذلون لها ويخضعون وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ «1» . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً «2» وكانت حكمته أن جعل الناس أحرارا، وجعل لهم اختيارا فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد قامت الحجة على الناس بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم مبشرين ومنذرين، ولهذا أثابهم وعاقبهم.
(1) سورة يونس الآية 99.
(2)
سورة هود الآية 118.
ولكن كلما جاء أمة رسولها كذبوه، وأعرض أكثرهم فهم لا يؤمنون، وها هم أولاء كفار مكة ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا كانوا عنه معرضين، والقرآن الكريم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم منجما تبعا للحوادث، وتلاه جبريل على النبي سورة بعد سورة وآية بعد آية فالقرآن أى الحروف والأصوات حادث بهذا المعنى.
والله- سبحانه- يقول لهم ما معناه: إن الله قادر على أن ينزل آية تخضع لها أعناقهم وتذل، ومع هذا فهو ينزل القرآن آية بعد آية رحمة بهم لعلهم يهتدون ويتذكرون ولكنهم أبدا لا يتعظون ولا يؤمنون، بل هم معرضون ومكذبون ومستهزئون، وإذا كانوا هم بهذا الوضع فلا ينفع معهم إلا الزجر الشديد، والوعيد الذي يهز القلوب وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ «1» ولقد صدق الله حيث يقول فيهم:
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ «2» نعم سيرون هذا بنزول العذاب عليهم في الدنيا، ونصرة محمد وصحبه الضعاف عليهم، أو سيرون ذلك يوم القيامة.
وقد بين الله- سبحانه- أنه مع إنزال القرآن آية بعد آية، وحالا بعد حال قد أظهر أدلة كونية في كتاب الوجود لا تخفى على أحد ممن يعقل فقال.
أعموا ولم يروا إلى الأرض وعجائبها؟ التي تنطق بأن لهذا الكون إلها قويا قادرا عليما خبيرا، لا يمكن أن يقاس بتلك الأصنام والأحجار، أو لم يروا إلى الأرض كثيرا ما أنبتنا فيها من كل زوج وصنف كريم، ولا شك أن كل نبات في الأرض كريم أى له فوائد، وإن خفيت على بعض الناس.
إن في ذلك الإنبات لآية بليغة معجزة قوية وأى آية؟!! وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز يعز أولياءه وينصر أحبابه، القوى الذي يهزم أعداءه، ويهلكهم حيث يستحقون ذلك، الرحيم بالعباد جميعا ففي نعمه ونقمه رحمة بالخلق وقد نفى القرآن عنهم الرؤية مع أنهم يرون، ولكنهم كالبهائم التي ترى ولا تعقل، والرؤية المنفية عنهم هي رؤية الروح والقلب التي بها العظة والعبرة والذكرى لا رؤية العين فإنها موجودة.
(1) سورة ص الآية 88.
(2)
سورة الشعراء الآيتان 5 و 6.