الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أسود نُكْراً أى: منكرا شديدا الْحُسْنى أى: الجنة سِتْراً أى:
حاجزا يسترهم سَدًّا هو ما يسد به خَرْجاً أى خراجا والخراج يشمل الضريبة وغيرها بِقُوَّةٍ بعدد قوى من الرجال الصناع رَدْماً الردم كالسد إلا أنه أكبر منه وأمتن ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار زُبَرَ الْحَدِيدِ أى: قطع الحديد بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ هما جانبا الجبل قِطْراً أى: نحاسا مذابا أَنْ يَظْهَرُوهُ يعلوه ويصعدوا عليه نَقْباً أى:
خرقا دَكَّاءَ مستويا بالأرض.
هذا هو السؤال الثالث الذي سأله اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة بواسطة بعض المشركين، وذو القرنين الذي سألوا عنه هل هو الإسكندر المقدونى الذي ظهر قبيل الميلاد؟ بهذا قال بعض العلماء محتجا بأن هذا هو الذي بلغ ملكه أقصى المغرب وأقصى المشرق وأقصى الشمال. وقيل: ليس هو بل غيره من اليمن، ويظهر- والله أعلم- أنه ليس هذا ولا ذاك وإنما هو عبد صالح أعطاه الله ملكا واسعا عريضا وأعطاه الحكمة والهيبة والعلم النافع ونحن لا نعرف من هؤلاء؟ ولا في أى وقت ظهر، وسياق القصة ومخاطبة الله له في أوله إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً وقوله أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً، ويدل على أنه لم يكن الإسكندر المقدونى فإنه لا يمكن أن يصدر منه ما نسبه القرآن إليه مما يدل على التوحيد والإيمان بل كان عبدا صالحا كما قلنا وهل هو نبي أو خوطب على لسان نبي، الله أعلم، وعدم ثبوت ذلك تاريخيا ليس يضيرنا في شيء فالتاريخ إلى الآن لا يزال يثبت أشياء كانت مجهولة له والحفريات التي يقوم بها علماء الآثار شاهد صدق على ما قلناه، على أن الذي ينم به القرآن من قصته أنه سيتلو علينا منه ذكرا لا خبرا تاريخيا!!
المعنى:
ويسألونك عن ذي القرنين، ولم يكن يعرف العرب من أخباره شيئا أبدا ولكن الله- سبحانه- أمر نبيه بقوله: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً وعبرا وموعظة إنا مكنا له في الأرض، وجعلنا له قدرة ومكنة على التصرف فيها، وآتيناه من أسباب كل شيء أراده في ملكه سببا وطريقا موصلا إليه فأتبع سببا يوصله إليه حتى بلغه.
وقد أراد بلاد المغرب فأتبع سببا يوصله إليها حتى بلغها، وكذلك بلاد المشرق، وبلاد الشمال التي فيها السد.
حتى إذا بلغ مغرب الشمس أى: نهاية الأرض من جهة الغرب وجد الشمس تغرب في عين حمئة ذات ماء وطين أسود، ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر من جهة المغرب وجد الشمس كذلك في نظره.
وإنى لأذكر لك رأى الإمام الرازي في كتابه الفخر «إنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضا قال: ووجد عندها قوما، ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير ممكن، وأيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله- تعالى-: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ من وجوه، الأول: لما بلغ موضعها في المغرب، ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحريرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر. هذا هو التأويل الذي ذكره أبو على الجبائي في تفسيره انتهى كلام الفخر ص 511 ج 5 ثم ذكر تأويلات أخرى غير معقولة وغير مقبولة تمسك القلم عنها وأظن الرأى الذي ذكرناه عن الفخر يتفق مع نظريات العلم الحديث في كثير.
ووجد عندها قوما هاله كفرهم، وكبر عليه بغيهم وظلمهم قد عاثوا في الأرض الفساد، وسفكوا الدماء، وأطاعوا أنفسهم وشياطينهم فاستخار الله في أمرهم فخيره ربه بين أمرين قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً إما أن تختار القتل والإبادة لهم جزاء كفرهم وطغيانهم، وإما أن تمهلهم وتدعوهم بالحسنى فاختار ذو القرنين الإمهال والدعوة وقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى والمعنى:
أنه أقام فيهم مدة ضرب فيها على يد الظالم، ونصر المظلوم، واقام العدل، ودعا إلى الله.
وبدا له أن يتجه إلى المشرق فسار غازيا مجاهدا منصورا وأتبع لذلك سببا حتى بلغ مطلع الشمس، وأقصى العمران من جهة المشرق، وهناك وجد أقواما تطلع الشمس
عليهم، وليس لهم ساتر يسترهم منها جبال أو بيوت أو شجر وهذا يتصور في البلاد الصحراوية. ولعلهم كانوا على نصيب كبير من الجهل والفوضى.
أمر ذي القرنين كذلك كما وصفناه لك، وهو تعظيم له ولشأنه، وقد أحطنا بما لديه من الجند وأسباب الظفر والملك خبرا وهذا يفيد كثرة ما لديه.
ثم بدا له أن يتجه إلى الشمال فأتبع سببا لذلك حتى وصل إلى بلاد بين جبلين يقال إنهما بين أرمينيا وأذربيجان، وقيل غير ذلك.. ويسكن تلك البلاد أقواما لا تكاد تعرف لغتهم إلا بصعوبة، وقد جاوروا يأجوج ومأجوج قبائل من سكان سهول سيبريا الشمالية وهم قوم مفسدون في الأرض على جانب من الفوضى والبدائية.
أما أصحاب السد فحينما رأوا ذا القرنين، وما هو عليه من جاه وسلطان، وما معه من جند وعتاد قالوا له: يا ذا القرنين، إن يأجوج ومأجوج قوم مفسدون في الأرض ويسعون فيها بالفساد، قوم كالوحوش أو أشد؟ فهل نجعل لك جعلا على أن تجعل بيننا وبينهم سدّا حتى لا يصلوا إلينا بحال.
ولكن ذا القرنين رجل مطبوع على حب الخير ومفطور على الصالح من الأعمال ومع هذا قد مكنه الله في الأرض، وأعطاه الكثير من المال والثروة فقد أجابهم إلى سؤالهم، ورد عطاءهم قائلا: ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ثم طلب إليهم أن يعينوه بالرجال والعمال.
فحشدوا له الحديد والنحاس والخشب والوقود حتى وضعوه مكان السد ثم أوقدوا النار فيها وأفرغ على ذلك كله ذائب النحاس مرة بعد مرة حتى استوى بين الجبلين سد منيع.
فما استطاع يأجوج ومأجوج وقبيلهما أن يعلوه ويظهروا عليه لارتفاعه وملاسته وما استطاعوا له نقبا لقوته وسمكه، وأراح الله منهم شعوبا كانت تتألم منهم كثيرا.
أما ذو القرنين فما إن رأى السد منيعا حصينا حتى هتف قائلا هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
ويمكننا أن نقول إن أقصى المشرق وأقصى المغرب وأقصى الشمال هذا بالنسبة للمعمورة في ذلك الوقت السحيق لا بالنسبة للمعروف في ذلك الوقت، وليس لنا