الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم، وقصصا عجبا، لتعتبروا فهذا يوسف رمى بالزنى وبرأه الله، وهذه مريم البتول رماها اليهود وهي العفيفة الحصان، وها هي ذي عائشة رماها عبد الله بن أبى وهي البريئة بنص القرآن، فهذا كله موعظة وهدى، ولكن للمتقين.
الله نور السموات والأرض [سورة النور (24) : آية 35]
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
المفردات:
نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أصل لفظ النور يطلق على النور الحسى الذي تبصر به العين، وقد تعورف في لسان الشرع على أنه ما به الاهتداء والإدراك كَمِشْكاةٍ المشكاة الكوة غير النافذة في الجبل أو الحائط. وقيل: هي ما يوضع فيه المصباح.
مِصْباحٌ هو السراج الضخم الثاقب مأخوذ من الصبح الزُّجاجَةُ جسم كالقنديل شفاف صاف كَوْكَبٌ الكوكب الجرم السماوي المضيء دُرِّيٌّ نسبة إلى الدر لصفائه وتلألئه.
المعنى:
إن من يقرأ تلك الآيات البينات، والأحكام المحكمات، وذلك النظام الدقيق للأسرة
التي هي نواة المجتمع النظيف، ويكرر النظر في ذلك يجد أن ذلك نور لو استضأنا به ما أظلمت حياتنا أبدا، ولما وقعنا في خطر أبدا، وكيف نضل، ومعنا النور الإلهى الذي يهدينا إلى الحق؟!! والله هو صاحب النور في السموات والأرض، هو يهدى إلى الحق، ويهدى إلى طريق مستقيم.
واعلم يا أخى أن الهدى والنور- بمعنى الاهتداء- أساس الفوز في الأعمال وأصل النجاح فيها، وعلى الهدى والنور تؤتى الأعمال ثمرتها والمرجو منها، من أجل هذا توسعوا في لفظ النور حتى أطلقوه على كثير من المعاني التي تعتبر أساسا لغيرها في الثمرات فقيل: فلان نور البلد، إذا كان عليه نظامها وإليه يرجع الفضل في تدبير أمرها وترتيب شئونها ويقال لنفس النظام والتدبير: نور فيقال مثلا: قد بنى هذا النظام على نور أى نظام وإتقان.
وعلى هذا يمكن أن نفهم قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية على ما يأتى:
الله- سبحانه وتعالى هو صاحب النور في السموات والأرض وهو خالق ذلك النور الحسى فيهما وهو صاحب النور فيها بمعنى أنه هو الذي بث فيهما من كمال النظام وحسن التدبير، ما لو تفكر فيهما إنسان بعقل حر برىء لآمن به إيمانا كاملا وهو- تبارك وتعالى نور السماء بالملائكة، والأرض بالشرائع وما فطر عليه النفوس من الفطر السليمة التي تهدى إلى الحق، والله- سبحانه وتعالى نور السماء بالكواكب، والأرض بالأنبياء.
ولك أن تقول بالإجمال، الله- سبحانه- هو المدبر لما يجرى في السموات والأرض وهو المبدع لخلقهما، وهو منزل الشرائع وباعث الملائكة بالوحي، والهادي لعباده بالأنبياء والرسل جل شأنه وتبارك اسمه وتقدس في علاه، فهو نور السموات والأرض حقا.
وإن أردت أن تتمثل نور الحق- تبارك وتعالى، وتتصوره بمثال حسى يجلوه لك فهو كمشكاة فيها مصباح قد وضع في زجاجة صافية كأنها كوكب درى.
مثل نوره وهدايته التي بسطها للعالمين من أدلة عقلية وسمعية وأحكام صحيحة وفي
قوته وشدة تأثيره ووضوحه: كمشكاة فيها مصباح قوى الإضاءة، شديد التأثير وهذا المصباح في زجاجة صافية، كأنها كوكب مضيء متلألئ كالدر صفاء وتلألؤا، يدفع نوره بعضه بعضا لشدته ولمعانه ووضعه بهذا الشكل، وهذا المصباح يوقد من شجرة مباركة طيبة هي شجرة الزيتون، وليست تقع شرقى شيء كالجبل، ولا غربي شيء كذلك فإنها إن وقعت في هذا الموقع حجب الحاجز عنها ضوء الشمس في أول النهار وآخره فكانت الشجرة ضعيفة، فالشجرة في مكان جيد متمتع بضوء الشمس والهواء الطلق، وذلك أكمل لنضجها وطيب ثمرها.
وانظر يا أخى إلى هذا التمثيل، وذلك التصوير الذي أبرز النور في صورة مؤثرة أخاذة للنفس، فقد جعل النور في مصباح، والمصباح في زجاجة، وهو في كورة داخلة، كل ذلك يجعل نوره مسلطا في جهة معينة، مبددا للظلام الحالك الذي يحيط به، وهو أشد روعة من نور الشمس الوهاج الذي لا يحيط به ظلام، ألا ترى إلى البرق الخاطف وأثره في النفس؟ أليس أشد من ضوء الشمس تأثيرا في النفس وإن المصباح وسط الظلمات المتكاثفة لهو أشبه شيء بنور الحق وسط ظلمات الكفر والفسق والعصيان.
ولذا وصف الشجرة بأنها مباركة نامية، لا يحجبها عن نور الشمس والهواء الطليق جبل أو حاجز ولعل قوله تعالى: لا شرقية ولا غربية إشارة دقيقة إلى أن نور الإسلام وشرائعه وسط بين طرفين متقابلين وما في شرائع الإسلام شاهد على ذلك وهذا الزيت المستخرج من تلك الشجرة، زيت صاف يكاد يضيء بدون مس النور.
تأمل هذا التصوير تجد نفسك أمام نور قد استجمع مظاهر النور، وتجلى في وسط ظلمة زادت بهاء ظهورا، فهو بحق نور، وهذا شأن هداية الله لعباده نور من كل ناحية، وضوء من كل جانب فهو نور متضاعف يزداد كلما نظرت فيه، وحاولت الوقوف على سره.
وانظر إلى التصوير الفنى العالي للمصباح وما يحيط به ثم انظر إليه وقد تعرض لمادة النور، وهم لا يعرفون من مادة الاستصباح إلا الزيت، وأجوده زيت الزيتون.
وإذا كان هذا هو وصف هداية الله وتمثيلها بالنور الحسى فما بالنا نرى كثيرا لم يهتد بذلك النور، فرد الله على ذلك بقوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ