الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذا قدم من الشام وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة، والعلة، والليلة المطيرة، ونحب أن تصلى لنا فيه وتدعو بالبركة إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّى على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلّينا لكم فيه»
: فلما انصرف من تبوك وهم بالذهاب إلى مسجد الضرار نزلت هذه الآيات. فدعا النبي مالك بن الدخشم وغيره
فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظّالم أهله فاهدموه وأحرقوه» .
وقد تم ذلك، والذين بنوا مسجد الضرار كانوا اثنى عشر منافقا من الأوس والخزرج.
المعنى:
والذين اتخذوا مسجدا لأغراض ستأتى جزاؤهم معروف، إذ كان غرضهم بالبناء ما سجله القرآن عليهم وهو:
(أ) أنهم اتخذوه محاولين إيقاع الضرر بالمؤمنين (الذين بنى لهم رسول الله مسجد قباء قبل دخوله المدينة) وهؤلاء بنوا مسجدهم بجوارهم لإيقاع الضرر بهم والفتنة لهم.
(ب) واتخذوه للكفر وتقويته والاجتماع لتدبير ما يكرهه الله ورسوله. فكان عش الفتنة، وبيت النفاق، ويقول المنافق: صليت فيه وما صلى، والكفر يطلق على الاعتقاد والعمل المنافيين للإيمان.
(ج) وبنوه للتفريق كذلك بين المؤمنين فإنهم كانوا يصلون في مسجد واحد، فأصبحوا متفرقين في مكانين.
(د) واتخذوه إرصادا وانتظارا لقدوم من حارب الله ورسوله حتى إذا قدم وجد المكان مهيأ ووجد أصحابه مستعدين لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد اتفق المفسرون على أن الذي أغراهم ببناء هذا المسجد هو أبو عامر الراهب من الخزرج، وحكموا أنه كان رجلا تنصر في الجاهلية وعلم علم أهل الكتاب وكانت له مكانة في قومه- فلما قدم النبي المدينة، واجتمع المسلمون حوله وأصبح للإسلام كلمة- أكل الحسد قلب الرجل، وأعلن الحرب على النبي صلى الله عليه وسلم، وأقسم ليحاربنه مع كل من يحاربه، وقد حاربه في أحد وحنين، ولما رأى نور الإسلام يرتفع ارتفاع
الشمس في الضحى فر إلى الشام وأرسل للمنافقين من قومه أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجدا فإنى سآتى لكل بجند قيصر لمحاربة محمد وأصحابه، ولقد صدق المنافقون قوله وبنوا المسجد للضرر وللكفر وللتفريق بين المؤمنين، ولانتظار أبى عامر الراهب ليحارب الله ورسوله.
وليقسمن بعد ذلك كله: ما أرادوا إلا الحسنى وأنهم بنوه للضرورة والحاجة التي تلم بالضعفاء، وأنهم بنوه رفقا بالمسلمين وتيسيرا لصلاة الجماعة على الضعفاء والمعذورين الذين يحبسهم المطر في الليلة المطيرة، كذبوا!! والله يشهد إنهم لكاذبون في ادعائهم، منافقون في أعمالهم!! أما أنت أيها الرسول فلا تقم فيه أبدا على معنى لا تصل فيه أبدا، والنهى عن القيام يفسر بالنهى عن الصلاة كما روى عن ابن عباس، وانظر إلى التقييد بقوله أبدا وهو ظرف يستغرق الزمن المستقبل كله، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم يشمل المؤمنين كذلك.
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى أى: والله لمسجد كان أساسه والغرض من بنائه من أول يوم بنى هو تقوى الله بإخلاص العبادة فيه، وجمع المؤمنين على محبة رسول الله والعمل على وحدة الإسلام، والتعاون على البر والتقوى لمسجد هذا وصفه أحق بالقيام فيه من غيره خصوصا مسجد هؤلاء المنافقين الذين بنوه لغرض حقير كشف الله سترهم فيه، وبين مقصودهم منه.
وهل هذا المسجد هو مسجد قباء أو مسجد الرسول في المدينة أو الكلام يشمل الاثنين؟ والله أعلم وإن كان الظاهر أن الكلام يشمل الاثنين لوجود الوصف فيهما، هذا المسجد فيه رجال يعمرونه بالاعتكاف والصلاة مخلصين لله قانتين، يحبون أن يتطهروا من دنس المعاصي، ورجس العبودية، وقذارة النجاسة فالمتطهرون طهارة حسية ومعنوية.
والله يحب المتطهرين المبالغين في الطهارة القلبية والروحية، والجسدية والمعنوية وهؤلاء هم الكاملون في الإنسانية، أما محبة الله لهم فهذا شيء هو أعلم به إلا أنا نعرف من الحديث أن الله يحب من عباده الصالحين الموفقين إلى الخير
إلى أخر الحديث الشريف.
وقد ضرب الله المثل للمنافقين وأعمالهم المنهارة، وللمؤمنين وأعمالهم المؤسسة على الأساس المكين بطريق الإيجاز المحكم فقال ما معناه:
أفمن كان مؤمنا صادقا لا يقصد بعمله إلا وجه الله، ويتقى الله في كل عمل، كمن هو منافق مرتاب مراء كذاب لا يبغى بعمله إلا الشيطان والهوى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ «1» ؟ فالمنافق يفضحه الله وينال جزاءه السيئ في الدنيا والآخرة، والمؤمن ينال جزاءه الحسن في الدنيا والآخرة.
أفمن أسس بنيانه على أساس التقوى، والإيمان والإخلاص، وهو أساس قوى متين نافع في الدنيا والآخرة، كمن أسس بنيانه على أساس ضعيف منهار! فالأول مثل المؤمن والثاني مثل للمنافق، وخلاصة المثلين أن الإيمان الصادق وما يتبعه من العمل المثمر النافع كالبناء المتين المؤسس الذي يقي صاحبه عوادي الزمان.
وأن النفاق وما يستلزم من العمل الفاسد هو الباطل الزاهق وهو كالبناء الذي يبنى على الجرف المنهار لا ينفع صاحبه ولا يقيه سوءا، بل يضره ضررا بليغا حيث ألهاه عن العمل المثمر النافع.
والله لا يهدى القوم الظالمين لأنفسهم ولغيرهم.
لا يزال بنيانهم الذي بنوه ريبة في قلوبهم، يملؤها شكا ونفاقا وحسرة وألما وخوفا من الفضيحة وهتك الستر، فهم دائما في ريبة وشك يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ «2» .
لا يزال كذلك ولا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم إلا أن تقطع قلوبهم قطعا، تتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة فهم في ريبة وشك والله عليم بخلقه حكيم في صنعه.
(1) سورة السجدة آية 18.
(2)
سورة التوبة آية 64.