الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
روى ابن إسحاق في كتب السيرة أن عمر قبل إسلامه كان شديد العداوة للإسلام وقد خرج في يوم متوشحا سيفه يريد النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه نعيم بن عبد الله فقال أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا الصابئ، الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسبب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم: والله قد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض، وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟! فقال: وأى أهل بيتي؟ قال: ختنك (زوج أختك) وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما، قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها أول سورة «طه» يقرئهما إياها، فلما سمعوا صوت عمر تغيب خباب في مخدع لهما، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر قراءة خباب فلما دخل قال: ما هذه الهينمة- الكلام الخفى الذي لا يفهم- التي سمعت؟ قالا له أسمعت شيئا؟! قال: بل والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها فضربها فشجها فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، ولما رأى عمر ما صنع ندم وارعوى وقال لأخته: أعطنى هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأونها آنفا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. فقالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال لها: لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له: يا أخى إنك نجس على شركك وإنه لا يمسها إلا الطاهر فقام عمر، واغتسل فأعطته الصحيفة وفيها «طه» فلما قرأ منها صدرا قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع خباب خرج إليه فقال له: والله يا عمر والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإنى سمعته أمس وهو
يقول «اللهمّ أيّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطّاب»
فالله الله يا عمر فقال له عمر، دلني يا خباب على محمد حتى آتيه، فأسلم ورضى الله عنه.
المعنى:
يقول الله- تبارك وتعالى: يا طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى وتتعب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمان قريش. وكان يلقى في سبيل هذا ألما وتعبا
شديدين حتى قال بعض الكفار له، ما أنزل عليك القرآن إلا لتشقى، وقال له النضر ابن الحارث وأبو جهل بن هشام، إنك يا محمد شقي لأنك تركت دين آبائك وأجدادك، وقد كان يقوم بالليل حتى تتورم قدماه فقيل له، يا طه ما أنزل عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ أو لتتعب بكثرة العبادة. ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن تحملهم على الإيمان فالقرآن ما نزل إلا تذكرة وموعظة لمن يخشى ومن هنا تعرف السر في فساد بعض القلوب، وأنها لا تتذكر بالقرآن، السر هو أن عنصر الخشية مفقود عندهم، الخشية من الله ومن حسابه، والخوف من الضمير ومن تأنيبه والمجتمع الإنساني ولومه، فالقرآن تذكرة وشفاء وهدى ونور لمن يخشى الله من الناس، ومن له قلب فيه شيء من الخوف.
أما النفوس الميتة، والقلوب التي هي كالحجارة أو أشد قسوة فأصحابها صم بكم لا يعقلون!! هذا هو القرآن الكريم. أما صاحبه والذي أنزله فهذا خبره.
ونزلناه تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى، فهو المقتدر الحكيم الخبير والعليم البصير..
هو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها، على العرش استوى والله- سبحانه وتعالى ليس بجسم ولا يشبه شيئا من الحوادث فاستواؤه على العرش نؤمن به على أنه بلا كيف ولا انحصار، وهذا رأى السلف وهو قبول ما جاء في تلك من الكتاب والسنة كقوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [سورة الفتح آية 10] من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل.
أما الخلف فقالوا هذا كلام ليس على حقيقته بل هو مؤول، المراد بالاستواء الاستيلاء والقهر والتصرف الكامل، والعرش هو الملك، لله ما في السموات والأرض وما بينها وما تحت الثرى مما لا تراه العيون، له كل ذلك مما نعلم، ومما نعلم ملكا وخلقا وتصريفا- سبحانه وتعالى، وهو عالم الغيب والشهادة المحيط بكل شيء الذي يستوي عنده الجهر بالقول والإسرار به، بل هو يعلم السر ما هو أخفى منه مما لم تحدث نفسك به، اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التي تدل على كمال التقديس وتمام التنزيه.