الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
وَما أَعْجَلَكَ ما الذي حملك على العجلة عَلى أَثَرِي المراد هم بالقرب منى فَتَنَّا قَوْمَكَ ابتليناهم واختبرناهم أَسِفاً الأسف الشديد: الغضب الْعَهْدُ الزمان بِمَلْكِنا بملكنا أمورنا والصواب منها أَوْزاراً أحمالا ثقالا خُوارٌ الخوار: صوت البقر يا سامِرِيُّ رجل منافق محتال اسمه السامري قَبْضَةً هي المرة من القبضة التي هي أخذ الشيء بجمع الكف والمراد هنا الشيء المقبوض سَوَّلَتْ زينت لا مِساسَ أى لا أحد يمسني لَنَنْسِفَنَّهُ لنذروه في الرياح والمراد لنلقينه في البحر.
المعنى:
كان موسى قد وعد بنى إسرائيل إذا هلك فرعون أن الله سيعطيه الألواح وفيها الوصايا التي يأخذ بها بنو إسرائيل أنفسهم وأعقابهم من بعدهم أى فيها دستورهم الذي يعيشون عليه.
فلما أهلك الله فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره أن يصوم ثلاثين يوما ثم زيدت إلى أربعين يوما وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [سورة الأعراف آية 142] .
وكان لمخالطة بنى إسرائيل للمصريين وهم عبدة الأوثان أثر كبير في نفوسهم فكانوا يقولون لموسى بعد خروجهم من مصر: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [سورة الأعراف آية 138] ولهذا أمكن لرجل منهم أن يؤثر فيهم فعبدوا العجل بعد مفارقة موسى لهم للميقات.
ولما ذهب موسى لميقات ربه، استخلف على القوم أخاه هارون، وكان موسى على رأس سبعين نقيبا ذاهبين معه للميقات (كما مر في سورة الأعراف) .
ولكن موسى تعجل من بينهم شوقا لربه فقيل له ما أعجلك عن قومك؟ وما الذي حملك على العجلة حتى تركت النقباء وخرجت من بينهم، فأجاب موسى: هم أولاء على أثرى وفي عقبى، وهم بالقرب ينتظرون عودتى إليهم على أنى عجلت إليك يا رب لترضى بمسارعتى للقائك، وامتثال أمرك.
قال الله- سبحانه وتعالى: فإنا قد فتنا قومك واختبرناهم من بعدك، وهم الذين تركهم مع هارون- وأضلهم السامري، ودعاهم إلى الضلالة والكفر حيث قال لهم- وقد تأخر موسى عن الميعاد عشر ليالي: إنما تخلف موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه لما معكم من الحلي وهي حرام عليكم. وأمرهم بإلقائها في النار، وكان منها العجل على ما سيأتى:
فرجع موسى إلى قومه غضبان شديد الغضب والحزن لما صار إليه حال بعضهم وهو عبادة العجل، وقد قلت إن جهل الإسرائيليين ومخالطتهم لعبدة الأوثان سهل عليهم قبول خداع السامري.
قال موسى: يا قوم. ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا؟ حيث قال: وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا، وقد وعدهم بالثواب الجزيل إذا عملوا بما في التوراة التي سينزلها على موسى إذا ذهب للميقات.
أوعدكم ذلك فطال عليكم العهد، وضقتم ذرعا بطول الزمن؟!! أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم؟ أى أردتم أن تفعلوا فعلا يكون سببا
في حلول الغضب عليكم والعذاب من ربكم؟! فأخلفتم موعدي، ولم تقيموا على عهدي قالوا يا موسى: ما أخلفنا موعدك بملكنا الصواب والرأى الحسن بل أخطأنا ولم نملك أنفسنا وكنا مضطرين إلى الخطأ الذي وقعنا فيه.
ولكنا حملنا أثقالا من زينة القوم أى المصريين، وذلك أنهم أخذوا حلى بعض المصريين بحجة أن لهم عيدا أو اجتماعا، وقيل، لما غرق فرعون أخذوا زينته فهم حملوا أثقالا من زينة القوم، فقذفناها كما أشار- بذلك السامري- إلى النار. فمثل ذلك القذف قذفها السامري فأخرج لهم بعد أن أذاب الذهب في النار صورة عجل له جسد، وله خوار وصوت كصوت العجل الحي.
أكان حقيقة هذا العجل من جسد وروح وله خوار؟ أو هو عجل جسد فقط وله صوت نشأ من وضع خاص في تركيبه إذا مر به الريح صار له صوت يمكن أن يكون هذا وذاك والله أعلم.
والشيخ النجار يرى أن السامري أمكنه بالحيلة أن يحضر لهم عجلا حقيقيا لم يروه قبل هذا، وكان أخذ الذهب منهم وإلقاؤه في النار حيلة منه فقد عمل عمل الدجالين.
ولما أخرج لهم عجلا له جسد وله صوت قال ومن معه: يا بنى إسرائيل هذا إلهكم وإله موسى الذي ذهب ليطلبه ولكنه نسى مكانه فضل طريقه، أو هو إلهكم ولكن موسى نسى أن يخبركم به.
ويقول الله لهم: أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرجع لهم قولا ولا يرد عليهم بكلمة، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا.. فيكف يكون إلها؟!! ولقد قال لهم هارون محذرا إياهم من عبادة العجل، يا قوم إنما فتنتم وابتليتم به، وإن ربكم الرحمن- سبحانه وتعالى فاتبعوني ولا تتبعوا طرق الشيطان وكلام السامري، وأطيعوا أمرى فإنى ناصح لكم شفيق بكم قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، ولن نزال مقيمين على عبادته حتى يعود أخوكم موسى.
فلما رجع موسى قال وهو في غاية الحسرة والألم: يا هارون ما منعك أن تتبعني في شدة النكير على المخالف والقسوة على العاصي؟ أى هلا قاتلتهم إذ قد علمت أنى لو كنت بينهم لقاتلتهم في ذلك قتالا عنيفا.
أفعصيت أمرى؟ وكان أمره له اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [سورة الأعراف آية 142] .
ويصح أن يكون المعنى أفعصيت أمرى لك بالقيام لله ومنابذة من خالف دينه، وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها!! قال معتذرا. يا ابن أمى لا تأخذ بشعر رأسى ولا بلحيتي وقد كان موسى فعل ذلك من شدة الغضب، وإنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل لو قاتلت ولم ترقب وتنتظر قولي، اجتهد هارون فرأى أن طريق المسالمة خير من القتال، وفي موضع آخر اعتذر بقوله. إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي [سورة الأعراف آية 150] .
ثم توجه موسى إلى خطاب السامري فقال. ما خطبك يا سامرى!! ما حالك وما الذي دهاك حتى تعمل هذا؟!! قال بصرت بما لم يبصروا به، وعلمت ما لم يعلموا فقبضت قبضة من أثر الرسول- وهو جبريل- فما وضعتها على شيء إلا دبت فيه الحياة، ولما رأيت بنى إسرائيل يطلبون منك أن تجعل لهم إلها كما لهؤلاء الذين يعكفون على الأصنام آلهة زينت لي نفسي ذلك وعملت لهم إلها عجلا جسدا لها خوار كالذي يعبده المصريون.
ويروى الشيخ النجار في كتابه قصص الأنبياء ص 224 أما قول السامري فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها فمعناها على ما اخترت أنه قبض قبضة من أثر الرسول أى تعاليمة وأحكام التوحيد التي جاء بها الرسول- وهو موسى- فنبذتها أى ألقيتها وأهملتها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي وهذا رأى لا ضير فيه وفي كتب أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن الذي صنع العجل هو هارون أخو موسى، وهو كذب وافتراء يضيفونه إلى سلسلة الأكاذيب التي ينسبون فيها إلى رسل الله أحط الأعمال وأحقرها.
قال موسى للسامري. اذهب فإن جزاءك في الدنيا أن حالك تصل إلى أن تقول لغيرك لا مساس فأنت تنفر من الناس وتعيش منبوذا مطرودا وذلك جزاء الظالمين.
أما في الآخرة فإن لك موعدا هو يوم القيامة لن تخلفه أنت، ولن تمكن من خلفه والله لا يخلف الميعاد. فهو حاصل قطعا وستأخذ فيه جزاءك الأوفى.
وأما هذا الإله الباطل فحكمه الإحراق وأن يذرى في الماء.