الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المفردات:
اسْتَيْأَسُوا يئسوا يأسا كثيرا خَلَصُوا انفردوا عن الناس وتخلصوا منهم نَجِيًّا متناجين متشاورين فَرَّطْتُمْ قصرتم أَبْرَحَ أترك سَوَّلَتْ زينت يا أَسَفى يا أسفى والأسف الحزن الشديد على ما فات كَظِيمٌ مملوء غيظا على أولاده ممسك له في قلبه حَرَضاً الحرض المرض المشرف على الهلاك ثِّي
البث في الأصل إثارة الشيء وتفريقه، ومنه بث الريح، والمراد هنا إظهار ما انطوت عليه نفسه من الحزن فَتَحَسَّسُوا تعرفوا أحوال يوسف بحواسكم رَوْحِ اللَّهِ فرجه ورحمته.
المعنى:
افتقدوا صواع الملك، ثم وجدوه في وعاء بنيامين ومتاعه بعد أن نفى إخوته السرقة نفيا باتا، وشهدوا أنه إذا وجد في متاع شخص فجزاؤه أن يأخذه العزيز ويسترقه عنده غاظهم ذلك وساءهم هذا الحادث لأمور: منها عهدهم الذي أخذ عليهم عند أبيهم، وما فعلوه في يوسف من قبل، وألم والدهم الشديد عند ذهابهم بدون بنيامين فأخذوا يؤنبون أخاهم ويقولون:
إن يسرق بنيامين فقد سرق أخ له من قبل، وما ذاك إلا من عرق أمهما وخلقها.
أما أبوه الذي نجتمع معهما فيه فليس فيه هذا العرق، وفي هذا إشارة إلى أن الأخلاق تورث، وأن الحقد والحسد عندهم لا يزال.
وهل سرق يوسف من قبل؟ أصح شيء وأسلمه رواية أنه سرق صنما وهو صغير فكسره، أما الروايات التي تثبت أن عمته احتالت على أبيه وجعلت منطقة إسحاق أبيها تحت ثياب يوسف ونسبته إلى سرقتها وهو صغير ليمكث عندها فأظن أن هذا صغار لا يليق ببيت إبراهيم وإسحاق.
سمع يوسف قولهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه، وأضمر ولم يجبهم عنها، بل صفح عنهم وقال في نفسه. بل أنتم شر مكانا إذ أنكم سرقتم من أبيكم أخاكم وألقيتموه في الجب، وادعيتم: كذبا أن الذئب أكله، والله أعلم وحده بما تصفون.
ولما رأوا أن الموقف جد خطير، ولا ينفع فيه إلا الاستعطاف. قالوا: يا أيها العزيز إن لهذا الأخ أبا شيخا طاعنا في السن كبير المقام جديرا بالرعاية والعناية وهو سلوته، وموضع أنسه ومحط أمله، وعوضه عن ابنه المفقود فخذ أحدنا مكانه رحمة بهذا الشيخ الكبير إنا نراك من الذين يحسنون العمل، ويعملون الصالح، فسر على عادتك وتقبل طلبنا.
قال يوسف: معاذ الله!! وحاش لله أن نخالف شريعتكم وشريعة الملك هنا، ونأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده وانظر إلى قوله وجدنا متاعنا ولم يقل من سرق متاعنا فإنه لم يسرق أبدا.
إنا إذا أخذنا غيره لنكونن من الظالمين لأنفسهم المتجاوزين حدود الشرع.
ردهم يوسف ردا شديدا مبينا لهم أن هذا الرأى مما يستعاذ منه.. فلما يئسوا من فكاك بنيامين يأسا بليغا خلصوا من القوم، وانفردوا تاركين الناس ليجتمعوا اجتماعا خاصا للنجوى والتشاور فيما دعاهم ولم يكن في الحسبان.
قال كبيرهم سنا أو عقلا ولذا قيل هو يهوذا أو غيره: يا إخوتى إن هذا لحدث الأحداث.. ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم عهد الله وميثاقه المؤكد لتأتننى به إلا أن يحاط بكم؟ ألم تعلموا ما فرطتم في يوسف وقصرتم في حفظه من قبل؟ يا قوم إن الأمر جد خطير فماذا أنتم فاعلون؟!! إذا كان الأمر كذلك فلن أفارق أرض مصر أبدا وأترك بنيامين فيها حتى يأذن لي أبى في ذلك، أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين، والرأى عندي: أن ارجعوا إلى أبيكم فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق صواع الملك، فاسترقه وزيره عملا بشريعتنا، وما شهدنا عليه بالسرقة وجزائها إلا بما علمنا علما أكيدا حيث أخرج الصواع من متاع بنيامين، وقد أقررنا له أولا أن من يوجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى في شريعتنا الظالمين، حصل هذا كله، وما كنا للغيب المستور حافظين وعالمين أنه سيسرق وعاء الملك وسيأخذه فيه، ولو كنا نعلم هذا لما آتيناك العهد الموثق علينا.
وإن كنت في شك من أمرنا فاسأل أهل القرية التي كنا فيها ساعة أن فتشنا العزيز وهي مصر فقد اشتهر فيهم أمر هذه السرقة، واسأل العير وأصحابه الذين كانوا يمتارون معنا وإنا لصادقون في أقوالنا على أى حال.
بعد هذه المقالة التي كلفهم بها أخوهم الذي مكث في مصر وبلغوها لأبيهم فلم يصدقهم وقال: بل سولت وزينت لكم أنفسكم أمرا آخر [وكيدا ثانيا] فنفذتموه، ومما يؤيد هذا أنكم لقنتم العزيز شريعتنا التي تحكم بأسر السارق.
فأمرى صبر جميل، وليس لي إلا الرضا بقضاء الله وقدره، عسى الله أن يأتينى بهم جميعا يوسف وبنيامين والأخ الثالث، إنه هو العليم بحالي وضعفى وحزنى على أولادى الحكيم في كل صنع يصنعه وتولى عنهم وأعرض قائلا: يا أسفا احضرى فهذا أوانك يا أسفى على يوسف الحبيب، وابيضت عيناه من كثرة البكاء، ولا عجب فهو مملوء غيظا يردد حزنه في جوفه.
والحزن على فقد محبوب أمر طبيعي لا حرج فيه ما دام لا يبلغ بصاحبه أن يقول قولا لا يرضى الله ورسوله
وصدق رسول الله: «إنّ العين لتدمع وإنّ القلب ليحزن ولا نقول إلّا ما يرضى ربّنا»
قال أولاد يعقوب الذين حضروا من مصر إلى أبيهم حينما سمعوا أسفه على يوسف وحزنه العميق عليه وعلى إخوته قالوا: تالله يا أبت لا تزال تذكر يوسف وقد مضت حوادثه من زمن بعيد لا تزال تذكره حتى تصير مريضا مرضا مشرفا بك على الموت أو تكون من الهالكين!! قال إنما أشكو بثي وحزنى إلى الله وحده. لا إلى أحد من خلقه فلا لوم على ولا تثريب، وأنا أعلم من الله وأمره مالا تعلمون فأنا أعلم أنهم أحياء يرزقون، وأن الله اجتبى يوسف وأتم نعمته عليه وعلى آل يعقوب، وإن كنتم تظنون غير ذلك فأنا يا أولادى أعلم أن رؤيا يوسف حق وستراكم الأيام صدق نظريتى يا أولادى اذهبوا إلى مصر وتعرفوا أخبار يوسف وأخيه حتى تقفوا على جلية أمرهما.
ولا تيأسوا من رحمة الله وفضله فإنه لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس إنه لا ييأس من رحمة الله وفضله إلا القوم الكافرون، أما المؤمنون حقا فلا تقنطهم المصائب، ولا تزعزعهم الشدائد وهم صابرون راضون بقضاء الله وقدره، واثقون من دفاع الله عنهم إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وفي قول القرآن: وابيضت عيناه من الحزن: معجزة أثبتها الطب الحديث إذ الحزن كثيرا ما ينشأ عنه بياض العين بياضا يمنعها من الرؤية.