الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أجب عنى رسول الله قال أبو بكر مقالة المؤمن بالله لا يرهقه ولده طغيانا وكفرا قال.
والله ما أدرى ما أقول، وقالت لأمها كذلك فأجابت بمثل جواب أبيها فقالت عائشة المؤمنة والواثقة في الله الذي يعلم السر وأخفى، وهو الحكم العادل: والله لقد علمت أنكم سمعتم ذلك القول حتى استقر في نفوسكم، ولئن قلت لكم إنى بريئة- والله يعلم أنى بريئة- لا تصدقوني، وإن اعترفت لكم بما يعلم الله أنى بريئة منه لتصدقننى، والله لا أجد لكم ولي مثلا إلا قول العبد الصالح أبى يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ واضطجعت في فراشها وقالت عائشة: وأنا أعلم أن الله سيبرئنى
. ولكن ما كنت أظن أن سينزل في شأنى وحيا يتلى.
ولقد نزل الوحى على رسول الله، وقلوب الناس تضطرب وبخاصة أبويها خوفا على عائشة ولكن عائشة واثقة من نفسها، ومطمئنة إلى ربها، نزل الوحى مبرئا عائشة مما رميت به
وقال النبي صلى الله عليه وسلم أبشرى يا عائشة، أما والله لقد برأك الله فقالت لأمها:
لا أقوم إليه
، ولا أحمد إلا الله الذي برأنى، ونزلت الآيات العشر إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ إلى آخر الآيات.
كان مسطح قريب أبى بكر، كانت أمه بنت خالة أبى بكر، وكان ينفق عليه لفقره، فلما وقع في حديث الإفك حلف ألا ينفق عليه فنزل قوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى - إلى قوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
المعنى:
إن الذين جاءوا بالإفك، واختلقوا هذا الكذب البعيد عن الصدق جماعة صغيرة منكم تآمرت عليه، واجتمعت حوله، وأخذت تذيع الأراجيف فيه، فلم يأت به جمهرة المسلمين وجماعتهم، على أنهم فيكم، ومعدودون منكم، وهذا كله يجعلكم تهونون من شأن الحادثة. ولا تثور نفوسكم عليهم ثورة جامحة. فالمرء عادة عرضة لأن يصاب من أقاربه وأهل بيته وفي هذا سلوى للنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام.
لا تحسبوا هذا الحدث شرا لكم بل هو خير لكم، وأى خير؟!
إذ هو خير لعائشة حيث برئت منه في القرآن الكريم فكانت كمريم البتول وأصبح التصديق ببراءتها جزءا من إيمان كل مؤمن، وكل من شك فيه كفر.
وبعد أن بين أن فيه خيرا لا شرا أتبع ذلك بأن لكل امرئ منهم جزاء ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم وقاد هذه الحملة، وهو عبد الله بن أبى بن سلول، له عذاب عظيم من الله، وفي هذا تطمين لنفوسهم، فقد بان خيرهم، وانتقم لهم ممن آذاهم.
وهذا عتاب للمسلمين، وتربية لهم وتنبيه، حيث كان الواجب عليهم وقت أن سمعوا تلك المقالة الشنيعة أن يقيسوا الأمور بمقياس صحيح على أنفسهم فإذا كان مثل هذا بعيدا على المؤمن الذي عمر الإيمان قلبه من رجل وامرأة، أفلا يكون بعيدا بل مستحيلا على أمثال عائشة وصفوان؟!! فإذا قسنا هذا بقياس الإيمان أنتج هذه النتيجة، وهذا هو سر قوله تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ.
وفي هذا بيان لموضع الإيمان من نفوس المؤمنين، وأنه مقياس صحيح، وأن المسلمين جميعا سواء، كان الواجب ألا يكتفوا بالظن الحسن في نفوسهم بل يقولون: هذا إفك وكذب ظاهر بين، فمن المستحيل أن تكون زوجة النبي زانية فإن الزنى أكبر عارا، وأشد حقارة من الكفر، ولقد صدر هذا الإفك من قوم عرفوا بالنفاق والكذب والزور، وكيف يتصور حصول هذا، فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله وعند الناس جميعا كاذبون!! ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة، بأن أمهلكم للتوبة في الدنيا وأرشدكم إلى الطريق، وفي الآخرة حيث قبل منكم التوبة، وأثابكم على امتثال الأمر.
ولولا هذا الفضل وتلك الرحمة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم، وقد أفاضوا في حديث الإفك، وأكثروا من الكلام فيه حتى فاض من جوانبهم كما يفيض الماء من الإناء والخطاب لجميع المسلمين، ومنهم ابن أبى، ولكنه ضيع الفضل والرحمة في الدنيا والآخرة لإصراره على الكلام، ووقوفه عند دعواه الباطلة لذلك مسه العذاب في الدنيا والآخرة.
ولولا فضل الله عليكم وتوفيقه لكم، ورحمته بكم لمسكم بسبب ما أفضتم فيه من حديث الإفك عذاب عظيم وقت تلقفكم له بألسنتكم، فقد كانوا يتلاقون مع بعض، ويستثير أحدهم الآخر بسؤاله: ما وراءك؟ ليتكلم ويفيض في الإفك، ويتلقى القول منه، ويجتذبه بلسانه، لا أنه مجرد سماع عفوا، ولعل هذا السر في التقييد بقوله:
بِأَلْسِنَتِكُمْ نعم وكانوا يقولون هذا بملء أفواههم غير ملقين له بالا، ولا مقدرين له خطرا ويقولون بأفواههم ما ليس له في قلوبهم حجة ولا برهان، وتحسبونه هينا سهلا لا جرم فيه، وهو عند الله عظيم، وكيف لا يكون كبيرا وعظيما، وفيه رمى بيت النبوة بالزنى، وتدنيس فراش النبي بأقبح القاذورات، ترى أن الله عاتبهم على ثلاثة أمور:
(أ) تلقى ذلك بالسؤال عنه واستثارة المخاطب ليتكلم فيه.
(ب) قالوا بلا علم ولا دليل.
(ج) استهانوا بما صدر منهم، ولم يتبعوه باستغفار ولا استنكار!! ولولا قلتم أيها المسلمون حين سمعتم هذا الخبيث من الكلام: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، ولا ينبغي أن نخوض في عرض النبي صلى الله عليه وسلم بلا علم ولا حجة أبدا.
بل وتقولون: سبحانك يا رب وتنزيها لك وتقديسا أن ترضى لأكرم خلقك وأشرف الناس عندك أن يحل بأقرب الخلق إليه وألصقهم به تلك النقيصة وهذه الفاحشة سبحانك!! يا رب سبحانك!! هذا بهتان عظيم واختلاق أثيم يبهت له الإنسان ويدهش!! وقد روى أن بعض الصحابة قال ذلك حين سمع هذا.
وكل ما مضى من التسلية والتربية والتوجيه ليس الغرض منه التقريع والتوبيخ بل القصد هو أن يعظكم به ويرشدكم حتى لا تعودوا لمثله أبدا، إن كنتم مؤمنين، فهذا العمل وأمثاله يتنافى مع أصل الإيمان وحقيقته، ويبين الله لكم الآيات والله عليم بخلقه وبأحوالهم الخاصة والعامة السرية والجهرية حكيم يضع الأمور في نصابها.
وهذا نوع آخر لبيان جرم الوقوع في الأعراض، وإشاعة أخبار الزنى والفاحشة
بين الناس، والناس يحسبون هذا هينا لأنه كلام باللسان لا أذى باليد والسنان، وما علموا أن جرح اللسان قد يكون أشد من جرح السيف والسنان.
إن الذين يحبون أن تشيع وتنتشر الفاحشة وأخبارها بين الناس، لهم عذاب مؤلم في الدنيا والآخرة، وإذا كان الهم بالمعصية ثم تركها لا عقوبة عليه، فما بال حب ذكر الفاحشة! عليه هذا العقاب!؟ ولعل في ذكر حب الفاحشة إشارة إلى أن هذا داء قلبي يصاب به من يريد التعالي على الناس وهو يحسدهم على ما آتاهم ربهم فتراه يحب من صميم قلبه أن يجرح كرامتهم وأن يقع في أعراضهم ظنّا منه أن هذا شرف له، وقد كان هذا مع ابن أبى ورسول الله، وهو كذلك مع كل إنسان يتكلم في الأعراض ولا تنس أن الآية تشير إلى أن حب إشاعة الفاحشة كاف في لحوق العذاب فما بال من يشيع بالفعل؟! ولعل المراد أن الذين يحبون أن تشيع أخبار الفاحشة، ولكن الآية تقول: يحبون أن تشيع الفاحشة نفسها لأن إشاعة الخبر يقتضى إشاعة الفاحشة نفسها ألا تراك تمتنع مع ذكر أخبار الفاحشة أمام أولادك لاعتقادك أن في هذا خطرا عليهم، ومن الحقائق المعلومة أن ذكر الفاحشة وأخبارها مما يقرب الشخص إليها حتى يقع فيها.
هؤلاء الذين أذاعوا أخبار الفاحشة في بيت النبوة لهم عذاب أليم في الدنيا بالحد والإهانة من الناس، ألم تعلم أن من يتكلم في أعراض الناس لا بد أن يتكلم الناس في عرضه؟ فمن غربل الناس نخلوه، ومن لا يتق الشتم يشتم، ولهم في الآخرة عذاب شديد.
وانظر إلى التعبير بالفاحشة عن الزنى فإنه أفحش الفواحش لما يلحق صاحبه من المهانة وتنكيس الرأس، والله يعلم هذا وأكثر منه وأنتم لا تعلمون الخطر في أعمالكم فمن الخير لكم أن تمتثلوا أمر الله، وإن الزمن يثبت هذا.
ولولا فضل الله عليكم ورحمته حيث أمركم بالخير، وهداكم إلى الطريق الحق، ونهاكم عما يقطع أوصالكم، ويزرع الضغينة في نفوسكم، وكفى شرّا أنه من دواعي الوقوع في نفس الفاحشة، والتكلم في العرض وبخاصة مثل هذه الحادثة فإنها تتعلق ببيت النبوة الذين هم أئمة يقلدون، حقّا لولا فضل الله ورحمته وأنه رءوف رحيم حيث بين لنا خطر هذا الفعل الشنيع، لولا هذا لوقعتم في المهالك، ولضلت بكم السبل فالحمد لله الذي هدانا لهذا.
وهذا تحذير من الشيطان ووسوسته بعد تحذيرنا من النفس الأمارة بالسوء التي تحب دائما إذاعة الفاحشة فإن المعاصي تقع دائما من قائد يأمر بالسوء وهو الشيطان ونفس مدفوعة إلى الشر بطبعها.
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومسالكه فإنه يأمركم بالفحشاء والمنكر ويدعوكم دائما إلى كل ضار في دينكم ودنياكم الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [سورة البقرة آية 268] .
والشيطان يوسوس للنفوس الضعيفة، ويزين لها الوقوع في المعاصي، عن طريق التدرج خطوة فخطوة حتى يتم له ما أراد، وإن خطوات الشيطان تكون فيما نحقر من أعمالنا «ولكنها تجرنا إلى المهالك» .
فأعظم حادثة أو أكبر فاحشة لا تقع دفعة واحدة، ولكن لها خطوات يضعها الشيطان حتى يتم له ما أراد. نظرة
…
فكلام
…
فموعد
…
فلقاء.. فوقوع في المهالك
…
وهكذا.
يحكى أن عابدا في صومعته كان بجواره رجلان لهما أخت، فسافرا لأمر، وتركا أختهما في حراسة العابد، فكان كل يوم يضع لها الطعام أمام باب الصومعة لتأخذه فوسوس له الشيطان أن يضع الطعام على باب بيتها بحجة أنها لا تتجشم مشقة التعب والحضور إليه، ثم انتقل إلى خطوة أخرى، وهي أن يزيدها إكراما فيطلبها لتأخذ الطعام، ثم انتقل إلى خطوة ثالثة ورأى من وسوسة الشيطان أن المرأة في طول مقامها منفردة تلقى مشقة وتعبا فقد يكون من الخير لها أن تجلس معه ليسرى عنها بالتحدث إليه فترة وجيزة ففعل، وهنا ينطبق
الحديث «ما اجتمع رجل بامرأة إلّا وكان الشّيطان ثالثهما»
، فلما اجتمعا وقعا في التهلكة، لأن العابد مهما كان فهو رجل، والمرأة مهما كانت فهي أنثى، وفيها الغريزة الجنسية! فأنت ترى أن الشيطان جاءهما من طريق مؤثر، وهو في الظاهر خير، فحقّا لا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه للإنسان عدو مبين.
أبعد هذا يتوانى المسلمون في فهم الحقائق البشرية، وتطبيق قواعد الدين؟! ومن العجب أن ينادى بعض المسلمين بالاختلاط بين الجنسين، ويجره الشيطان إلى هذا بحجة أن الاختلاط يمنع الوقوع في المعصية، وما علم أن الطبيعة البشرية أقوى، ولا يعدلها